الرسالة من ماليزيا تعطي صداها في طهران

حجم الخط
0

كان من الطبيعي لأصبع الاتهام باغتيال رجل حماس فادي البطش ان يوجه لإسرائيل. فقد تبين ان المهندس الغزي من جباليا لم يهتم فقط بالتعليم وبالدعوة الدينية كما زعم في البداية بل بالبحث والتطور لوسائل قتالية متطورة لحماس ولا سيما طائرات غير مأهولة.
لم تخف إسرائيل سياستها في هذا الموضوع أبداً. لا تلك التي تتعلق بتطوير الوسائل القتالية المتطورة لدى منظمات الإرهاب، ولا تلك التي تتعلق بالمس بأعدائها. فالمعركة ضد الإرهاب لم تنحصر أبداً في المنطقة نفسها، صحيح أن إسرائيل صفت غير مرة نشطاء إرهاب وخبراء في القطاع، وضربت البنى التحتية للانتاج بل ومنظومات سلاح، ولكن بالتوازي عملت ايضا في ساحات بعيدة كي تشوش وصول الوسائل القتالية إلى غزة والمس بمن يشارك في انتاجها ونقلها.
النماذج لا تنقص. بعضها علنية ـ وضع اليد على سفن وفيها صواريخ ووسائل قتالية أخرى، بعضها خفية ـ مصادر أجنبية ربطت إسرائيل بجملة أعمال ضد منشآت وشخصيات. والنماذج البارزة في السنوات الاخيرة كانت تصفية محمود المبحوح، مسؤول حماس الذي أدار شبكة تهريب السلاح إلى القطاع وصفي في دبي في 2010، ومحمد الزواري، الذي عمل على تطوير الطائرات المسيرة وصفي قبل سنة ونصف في تونس.
يمكن الافتراض بأنه كانت أعمال أخرى لم يحل لغزها او لم تنشر. فليست هناك دوما مصلحة للمصاب في الاعتراف بأنه مخروق استخباراتيا وعملياتيا وانه لم ينجح في الدفاع عن رجاله، وليس دوما يوجد للجانب الضارب مصلحة في كشف اعماله والمخاطرة بالانتقام. معقول ان هذا لن يحصل هذه المرة: فحماس ضعيفة ومردوعة اكثر من أن ترد، ولها اسباب وجيهة اكثر لان تقاتل ضد إسرائيل من مجرد تصفية احد رجالها.
من هنا بحيث أن الخطر الاساس في مثل هذه التصفية هو اساسا لمن ينفذونها. لماليزيا فضائل ونواقص من حيث مكان النشاط: فمن جهة، دولة إسلامية معادية (نسبيا)، بعيدة، مع غلاف انقاذ مركب؛ ومن جهة اخرى، دولة مع اجهزة امن ضعيفة، كثرة الاجانب الذين يوفرون امكانية سهلة للاختفاء في أوساطهم، وبالاساس، خيارات عديدة للهرب البري والجوي.

الغلاف أعقد من التصفية

عملية إقرار مثل هذه العملية تتضمن مراحل عديدة. تبدأ بلجنة قادة الاجهزة التي تضم رؤساء الموساد، الشاباك وأمان ـ أهداف جمع المعلومات وبعد ذلك التصفية، وتتواصل في جملة مداولات واقرارات في داخل الهيئة المنفذة وفي القيادة السياسية. دروس الماضي، ولا سيما من التصفية الفاشلة لخالد مشعل في الاردن، تولى اهمية خاصة لمكان التصفية: فالبطش كان سيسافر إلى مؤتمر في تركيا، وبعدها إلى لندن. معقول ان من صفاه قرر الامتناع عن مواجهة علنية مع اردوغان، وبالتأكيد مع بريطانيا الحساسة جدا للموضوع على خلفية المس بالجواسيس الروس السابقين في اراضيها.
من هنا بحيث أن ماليزيا، رغم نواقصها، هي هدف مريح نسبيا للعملية. وفي الغالب، قسم التصفية هو الاقل تركيبا في العملية. فالغلاف حولها أكثر تعقيداً بكثير: جمع المعلومات عن الهدف والذي يستغرق احيانا سنوات عن عاداته، عن مكان سكنه وعمله، ولاحقا اختيار مكان المس به لتقليص الضرر العام وتقليص الخطر على المنفذين، وكذا اعداد الغلاف ـ التوثيق العملياتي وشكل الدخول إلى الدولة والهروب منها.
لا يوجد جهاز استخبارات لا يواجه أوجاع رأس كهذه قبل العمليات. معقول أن مواضع القلق الإسرائيلية أكبر بكثير. فلا يتجول جاسوس أو مصفي في العالم بهويته الحقيقية، ولكن الأمريكيين، البريطانيين والروس يمكنهم ان يصدروا لرجالهم جوازات سفر اصيلة على أسم آخر، اما إسرائيل، حسب منشورات اجنبية في الماضي، فتعتمد على جوازات أجنبية ـ وتبعا لذلك ـ على هويات مقترضة. كانت هذه هي الحالة دوما، ولكن العصر التكنولوجي الجديد يخلق هنا ايضا اوجاع رأس غير بسيطة. فنشر صور اعضاء الخلية التي صفت المبحوح في دبي، مثلما التقطتهم كاميرات الحراسة في ارجاء العمارة، أوضح أن شيئا ما تغير؛ وجانب اطلاق النار بالمسدس هو جانب هام ولكنه بعيد عن أن يكون الاساس إذا كان يراد ضمان سلامة المنفذين ومنع الحرج السياسي عن إسرائيل.
من هنا يمكن الافتراض ان الصور الافتراضية التي نشرتها شرطة كوالا لامبور لن تكشف أياً من المنفذين، وانه بخلاف فرضية العمل الماليزية فإنهم غادروا الدولة بعد وقت قصير من التصفية، وعلى اي حال باتوا يتواجدون منذ ايام عديدة في مكان آمن.

تهديدات ونوايا

إسرائيل هي محبة جدا للتصفيات، كسياسة. لم يسبق أن كان رئيس وزراء تجاوز الالتزام المتآكل «سنطارد اعدائنا في كل مكان وفي كل زمان». كانت هناك فترات تواترت فيها العمليات، وفترات اخرى شحيحة. وقد نبع هذا اساسا من طبيعة رئيس الوزراء ورؤساء الموساد الذين عملوا تحت إمرته ومن نتائج العمليات السابقة: فالنجاحات زادة الشهية وسهلت على اقرار مزيد من العمليات فيما تسببت الاخفاقات بالجمود وبوقف النشاط.
هكذا، بعد قضيتي مشعل والمبحوح، كان فترات جفاف في كل ما يتعلق بنشاط وحدة التصفية فيه «كيدون». بالمقابل، فإن تصفية عماد مغنية، التي نسبت لإسرائيل، أدت إلى ازدهار عملياتي في اثنائه ارتبطت إسرائيل بجملة أعمال، بما في ذلك تصفية عدة علماء نووي بارزين في إيران. ولا يزال، تعد هذه عمليات تقر بتقنين، تفصيلي وتحظى بتشدد عملياتي وسياسي زائد ـ على خلفية امكانية التورط الشاذ فيها، ما من شأنه ان يكلف حياة المنفذين والضرر السياسي غير البسيط لإسرائيل.
يخيل أن إسرائيل تشعر الان بحرية نسبية للعمل، ولا سيما حيال حماس. فلمثل هذه التصفيات اثر ثلاثي: فهي تخرج من اللعب محافل خطيرة، تردع العدو، الذي يفهم بأنه مخروق ومهاجم وبالتالي مطالب بأن يستثمر أكثر في الدفاع، وهي تشير إلى جهات اخرى بأن إسرائيل مصممة على الوقوف عند مبادئها ولن تتردد في أن تزيح عن طريقها من يهددها.
العنصران الاولان على صلة أساسا بحماس. فليس فقط فقدان خبير سلاح معقول الافتراض بأن ليس هناك الكثيرون مثله، بل الاعتراف، مرة أخرى، بأنها مكشوفة امام إسرائيل، في غزة وفي ارجاء العالم. هذا لن يدفع حماس لان تتخلى عن سياستها. فالمنظمة ستواصل البحث عن السبل لتطوير الوسائل القتالية التي تهدد إسرائيل، والخبراء الذين يساعدونها في ذلك، ولكن فقدان شخص مركزي كهذا يفترض التوقف، التعليم والتغيير في اساليب العمل.
والعنصر الثالث يتعلق أساسا بإيران، التي توجد إسرائيل الان معها في معركة علنية. الرسالة التي تنشأ عن التصفية في ماليزيا هي أن إسرائيل ستعمل ضد من يعرضها للخطر. هذا صحيح لرجال حماس في ماليزيا، وكذا للإيرانيين في سوريا. يدور الحديث عن حالتين مختلفتين جوهريا بالطبع، ولكن في الشرق الاوسط لا تكون التهديدات والنوايا تمنع الحاجة إلى الفعل. ينبغي للمرء أن يكون متفائلا جدا كي يصدق بأن هذا ما سيوقف إيران، ولا يزال، معقول أن الرسالة من ماليزيا ستعطي صداها في طهران ايضا.

إسرائيل اليوم 27/4/2018

الرسالة من ماليزيا تعطي صداها في طهران
التصفيات تشير إلى جهات أخرى بأن إسرائيل تزيل من يقف في طريقها
يوآف ليمور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية