«في شرق القدس تجري دراما عظيمة»، يقول د. دافيد كورن، مستشار نير بركات لشؤون شرق القدس، قبل لحظة من إنهاء أحد المناصب الأقل اعتيادية في الخدمة العامة ويعتزل منصبه. الأن بالذات، حسب كورن، تأتي الحبكة المعقدة في قصة 400 ألف عربي شرق مقدسي إلى ذروتها: «مفترق طرق تاريخي»، هكذا يسمي كورن هذا، والوطنية هناك في تراجع بارز. وهي تخلي مكانها لبديلي انتماء مركزيين ومتناقضين، يتعززان في الشارع الشرق مقدسي ويتنافسان الواحد مع الآخر: الأسرلة من جهة والأسلمة من جهة أخرى، لدى عرب المدينة. وهو يلاحظ فيقول إن الحسم يحتدم في الاختيار بين بديلي الانتماء هذين.
كورن (41)، رئيس قسم الشرق الأوسط في قيادة الأمن القومي سابقًا يقيم تشخيصاته على أساس آلاف ساعات الحديث مع السكان وقياداتهم ـ لجان الآباء، ورجال التعليم واللجان المحلية، وعلى مسافة سير ثماني سنوات في المنصب إلى جانب نير بركات.
هو المستشار الأول في المنصب الذي يوصي علنًا دولة إسرائيل ـ في إطار هذه المقابلة ـ لاجتياز مرحلة: للاستجابة للمطلب المتزايد لدى الجمهور الشرق مقدسي للتحول من مقيمين إلى مواطنين. «هذا أكثر نزاهة»، يقول، ولكنه يقدر أيضًا بأن هذا «سيشجع جزءًا منهم على الأقل على النزول من الجدار، وأن يختاروا بديل الانتماء الصحيح» الذي برأيه هو الأسرلة.
٭ كيف تبدو الأسرلة على الأرض؟
٭ كورن: «انزلوا إلى باب العمود، انظروا هناك إلى بحر اليافطات التي تدعو الجمهور العربي لتعلم العبرية. ليست يافطات من البلدية، بل من المعاهد الخاصة. هذه هي الأسرلة الأكثر التي يمكنني أن أفكر فيها؛ انظروا ماذا يحصل في جهاز التعليم: قبل عدة سنوات فقط، كانت بضع مئات فقط هناك يتعلمون البجروت الإسرائيلية. واليوم (7) آلاف من أصل (110) آلاف تلميذ، وهذا قليل حقًا، ولكن وتيرة الارتفاع السنوية هائلة، وتضاعف نفسها ثلاثة أضعاف كل سنة. الأهالي يفكرون بمستقبل أبنائهم، وهذا المستقبل يتشكل من معرفة اللغة ومن التعليم العالي اللذين هما المفتاح للنجاح في الحياة. إلى جانب هذا نشهد أيضًا آلاف الطلبات من السكان ممن يطلبون التحول إلى مواطنين إسرائيليين».
٭ ما الدافع إلى ذلك؟ فهم بالتأكيد لم يصبحوا صهاينة؟
٭ «بالتأكيد لا. إنه البعد العملي، إن الرغبة في الانخراط في المجتمع الإسرائيلي تفوق تهديدات السلطة الفلسطينية. والرواية الوطنية التي كانت صممت الشارع الفلسطيني بداية سنوات الألفين قد تراجعت، وإلى الفراغ ينجذب البديلان الآخران اللذان يوفرهما الشارع».
٭ أولم يعد هناك عنصر وطني في شرق القدس؟
٭ «يوجد، ولكنه أضعف بكثير مقارنة بالماضي. هناك مثلا كثير من التهديدات والتخويفات من جانب السلطة، حتىى من الجبهة الديمقراطية، على الأهالي الذين يسجلون أبناءهم لبرنامج التعليم الإسرائيلي. ثمة فتوى حادة من المفتي في هذا الشأن، ولكن عمومًا فالخطاب في القرى هو «أنا مستعد لأن أحتوي هذه التهديدات، على أن يخرج ابني متعلمًا وأكثر نجاحًا ويتقدم في الحياة».
٭ ما الذي يوجد في برنامج التعليم الإسرائيلي ولا يوجد في ذاك الفلسطيني؟
٭ «كل شيء: الاهتمام بالحركة الصهيونية، وتعزيز كبير لتعليم العبرية، وتعليم التربية المدنية وفقًا للنموذج الإسرائيلي، وتاريخ دولة إسرائيل، كل هذا يغيب تمامًا عن منهاج تعليم السلطة الفلسطينية. والدولة وتاريخها أيضًا غير معترف بها في السلطة. وبالنسبة للفتى الفلسطيني من شرق القدس الذي تربى على الرواية الوطنية الفلسطينية، فإن هذا تغيير جذري، ولهذا فإن كفاح السلطة في هذا الشأن يائس وحاد جدًا. الأهالي الذين يختارون مسار التعليم الإسرائيلي ينبذون ويهددون ويضطهدون».
٭ هل لديكم حوار مع الإسلاميين الذين ينافسون الأسرلة؟
٭ «نعم، معهم بالذات يسهل الحوار أكثر. فهم يفكرون للمدى البعيد، ولا يقلقهم كل اليوم مثل «فتح» وأمثالها، مجرد حقيقة أنهم يخوضون حوارًا مع بلدية القدس. العناصر الوطنية الذين لم يجروا معنا حوارًا أبدًا، لم يحققوا أبدًا أي شيء إيجابي للأحياء وللقرى. وبالمقابل، فإن العناصر الإسلامية ـ حتى لو لم يقولوا ذلك صراحة، ولكن يقولونه لأنفسهم، وبشكل غير رسمي لنا أيضًا ـ توجد هنا في هذه اللحظة سلطة إسرائيلية. في فكرنا هي ستنتهي ذات يوم. وإلى أن يحصل هذا، فإننا نجري معها حوارًا لاستنفاد الحقوق».
٭ ألا يعظم هذا الحوار الأسلمة؟
٭ «استراتيجيًا، إن تعزيز الحركات الإسلامية ليس جيدًا لإسرائيل. ففي نهاية دائرتهم هناك ارتباط بالإرهاب. ولكن في الميدان أنا ملزم بالحديث مع الجميع، فهم يتواجدون هناك، ولن أتجاهلهم. ارتباطنا الرسمي كبلدية سأحرص دومًا على أن أقيمه مع الجهات المؤيدة لإسرائيل ممن يعملون معنا.
«الإنجازات التي نحققها كبلدية للأحياء هي من مثل حديقة أخرى، ومركز آخر للأمومة والطفولة، ومبنى لمدرسة، وشق طريق، فإنني دومًا سأحرص على أن أوليه وأنسبه للجهات المؤيدة لإسرائيل، سواء كان هذا في الإدارة الجماهيرية أم في اللجنة. ولكن في النهاية، في داخل القرية، يعرفون أن الإسلاميين يشاركون أيضًا».
٭ هل يوجد حكم وسيادة إسرائيلية في شرق القدس؟
٭ «يوجد تقليص كبير للفوارق الهائلة في البنى التحتية وفي الخدمات التي نشأت على مدى السنين. فقد قررت الحكومة مؤخرًا تخصيص ميزانية (2.1) مليار شيكل لعرب شرق القدس، ولم يحصل أمر كهذا بعد. ليس كل شيء سهلاً، خذ مثلاً قصة المركز الجماهيري في صور باهر برئاسة رمضان دبش، الذي يتنافس أيضًا في الانتخابات، فقد أقمنا مبنى للإدارة والسكان هناك بـ (11) مليون شيكل، وبعد لحظة من تدشينه أحرقته عناصر وطنية وإسلامية، فاضطررنا لترميمه من جديد.
«أنا مهووس في موضوع شق طريق آخر وإقامة مدرسة أخرى. في النهاية، ثمة مقيمون، وعلينا أن نكون معهم الأكثر نزاهة ومهنية في العالم. فضلا عن ذلك، وعلى المستوى التكتيكي أيضًا: الصراع على السيادة في القدس انتقل من القدس ـ فوق، من القمم السياسية لعهود أوسلو وأنابوليس إلى القدس ـ تحت، إلى الحياة اليومية في المدينة. حدود السيطرة والسيادة لا تتقرر في محادثات سرية، بل في تحديد نطاق نشاط عامل النظافة في البلدية، ومرشد الشبيبة في المركز الجماهيري، ومراقب البناء، وشاق الطرق، والشرطي، والعامل الاجتماعي، الذين يقدمون الخدمة للمقيم.
«عندما ازدادت ميزانية الرفاه لشرق المدينة من (46) مليون شيكل في 2008م إلى (150) مليون في 2016م، عندما نمنح لأول مرة أسماء لـ (2000) شارع وأكثر من (160) ألف مقيم يحصلون على عنوان دقيق، فإن كل هذا جزء من قدرة الحكم الجديد. هكذا، أن تكون صاحب السيادة هو أن تكون إنسانًا في الوقت نفسه».
الولاء مقابل الهوية
على سؤال: هل عرب شرق القدس أقرب اليوم لعرب الضفة أم لعرب إسرائيل؟ يجيب كورن: «على خط التماس، لا يزالون يشبهون أكثر العربي الفلسطيني من يهودا والسامرة، ولكن اتجاه الحركة هو إلى نموذج أقرب لنموذج عرب الشمال. (15) ألف عربي من الشمال انتقلوا للسكن في شرق القدس. عمليًا هم يشكلون «وكلاء تغيير»؛ فمن جهة توجد منافسة شديدة بينهم وبين سكان شرق المدينة، ومن جهة أخرى فإنهم يشكلون موضع حسد واقتداء. نجاح الشماليين في مجالات مختلفة تدفع الشرق مقدسيين إلى اتجاه التعليم العالي والبجروت الإسرائيلية وتعلم العبرية». وبعد أن قلت كل هذا، فنحن نواصل تجميدهم، منذ (51) سنة في مكانة المقيم، الذي هو أكثر دونية من مكانة المواطن. ضممناهم، ولكننا لم نضمهم، وهم ليسوا أمامنا في وضع «قدم هنا وقدم هناك» فقط، بل نحن أيضًا أمامهم في الوضع ذاته.
«صحيح، ولهذا توجد حركة ميلها لتغيير ذلك. انظر الميزانيات الأخيرة التي خصصت لهم».
أنت تتحدث عن المال، ولكن قبل لحظة فقط ذكرت «بديل الانتماء»، الكثيرون منهم يطلبون المواطنة، ولكنهم يتعبونهم سنوات بالبيروقراطية.
«كل شيء ينشأ عن المسألة العمومية ـ أين تريد أن ترى عرب شرق القدس؟ إذا كنا نتخذ نهج نير بركات في أن القدس هي موحدة وغير قابلة للتقسيم، فإن هذا بصراحة هو فكري أيضًا، يجب أن نخفف جدًا عمن يريد أن يتوطن؛ السماح لهذا لعدد أكبر مما هو اليوم. إذا كانت دولة إسرائيل تريد أن تسير مع قصة الوحدة حتى النهاية، فهي ملزمة بأن تخفف جدًا على طالبي المواطنة. من جهة إيجاد الحلول البيروقراطية للتسويف الفظيع ومن جهة أخرى عدم المساومة على معايير التصنيف الأمني والولاء للدولة».
يوضح كورن أن «القصة الأمنية مهمة، لأن الإقامة في النهاية يمكن سحبها، أما المواطنة فلا يمكن سحبها، وهذا يتطلب عنصر الولاء. وفي الولاء ثمة هوية مغروسة أيضًا. في الميدان أرى أناسًا مثل داود صيام من سلوان، الذي يعبر عن صوت الكثير من الناس في شرق القدس ممن يأتون ويقولون: اسمع، السلطة ليست هنا، أنا جزء من المجتمع الإسرائيلي. دعوني أكون جزءًا من لعبتكم النزيهة. في الميدان أرى عددًا لا بأس به من البنات العربيات اللواتي يقدمن الخدمة المدنية، وحتى في القرية تشخص كقرية معادية، مثل العيساوية. في النهاية هذه الأمور تلمس عوالم الهوية أيضًا».
إسرائيل اليوم 27/7/2018