القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: عن رواية «1984 « لجورج أورويل، عُرض على مسرح الهناجر في قاعة هدى وصفي في دار الأوبرا المصرية العرض المسرحي «الرمادي». هذا اللون الذي يجسد حالة المسوح الذي يرتدونه، فلا ألوان غيره، وهنا تتجلى عبقرية السُلطة في تحقيق خطتها أو هدفها بالمساواة بين المواطنين. رجال ونساء وشيوخ وأطفال يرتدون ملابسهم في اللون نفسه، ولا تفرقة وقد أصبحوا أشبه بالآلات، ولا أي ملمح إنساني يستطيعون العثور عليه وسط هالة التمجيد الزائف والرعب والخوف حتى من أفكارهم بينهم وبين أنفسهم. العرض أداء .. إنجى جلال، دعاء شوقي، سهام عبد السلام، محمد عبد المعز، محمد علي حزين، ميسون محفوظ، جمعه محمد، حسن عزام، دعاء حمزة، عزت زين، عبد الرحمن ناصر، ومحمود سليم. فيديوغرافيا محمد أبو السعود، صوت محمد جلال عسكر، مونتاج فاطمة إمام، موسيقى وألحان محمد علي حزين. إعداد آمال الميرغني، وإخراج عبير علي.
حالة ونستون
يعمل ونستون في وزارة الحقيقة، التي تزوّر الحقائق وتختلق الأكاذيب، تزوّر الماضي والتاريخ وتحرّف كل ما يأتي بالصحف الأجنبية التي تحاول كشف ما يدور في هذه الدولة أو السجن الكبير بمعنى أدق. آفة ونستون الشك في ما يحدث، وعدم الإيمان بهذه السلطة والرعب من معرفة ذلك، وهو يعلم النهاية بالطبع. دائماً منعزل عن المجموعات ــ انعزالا نفسيا ــ ظهر هذا في الوقوف أو الجلوس ليس بكامل جسده على المسرح، فالرجل يُخبئ شيئاً، بخلاف الشخصيات الأخرى، الممسوخة التي لا أمل منها، والتي تتصايح وتتناقش وهي تعدد مميزات الحياة في ظل النظام الحاكم، فأحدهم يتباهى بأن ابنته الطفلة أرشدت على أحد الخونة، لأنه فطنت إلى أنه فقط يرتدي حذاء مختلفا، وهي عضو في فرقة الاستخبارات للصغار، والنهاية أنها أرشدت عن والدها. فألعاب الأطفال وتنزهاتهم تبدو في مشاهدة حلقات إعدام الخونة في الميادين العامة.
حالة جوليا
جوليا فتاة تحاول أن تبدو عادية وتسير في درب القطيع، لكنها تحمل أفكاراً عن الاختلاف، تريد إن تعيش آدميتها، تحِب وتحَب، وتحيا في ألوان زاهية عن هذا السجن اللوني وشعرها القصير الذي يشبه شعر الرجال، فلا أنوثة ولا إحساسات وفق مبدأ المساواة! وما بين الباحث عن الحقيقة والباحثة عن الحياة تنشأ قصة الحب، فقط البدايات والتعهد بعدم الخيانة تحت وطأة التعذيب إن تم اكتشاف ذلك.
حالة أوبراين
أحد كبار ممثلي الحزب، والمراقب أيضاً في بيته، لكن له الحق في إيقاف شاشة المراقبة المزمنة بضع دقائق، يتقابل ونستون وجوليا في منزله، ويشجعهما على النضال ضد سلطة الأخ الأكبر، فهناك الكثير من أرواح المقاومة في كل مكان، وسينتهي هذا النظام بفضل هؤلاء. لكن أوبراين هو ممثل الحزب، وهو الواشي الأكبر بكل مَن يُشكك في ما يحدث، وعند سؤاله عن وجود الأخ الأكبر.. هل هو حقيقة؟ يصرخ أوبراين بأنه الحقيقة الوحيدة.
الخيانات
حالة الحب بين ونستون وجوليا بعض القبض عليهما، هذه الحديقة التي اكتشفتها جوليا، والبعيدة عن شاشات المراقبة، والتي اعترفت في ظل ألوان زهورها بحبها، أصبحت كالحة اللون، هو يستند إلى عكازه، وهي منكسرة ولا تستطيع النظر إليه، كل منهما ينتظر حُكم الإعدام، كل منهما وشى بالآخر، فقط مقابلة لطلب الغفران، أشباح تتفوه بكلمات لا معنى لها، ومواعدة بلقاء آخر يعرف كل منهما أنه لم يتم، ولو حتى في مخيلتهما التي فقداها في التعذيب.
التقنية المسرحية
حاول العرض المسرحي أن يستخدم أدوات المسرح الحديثة في إضفاء حالة الجو الخانق لشخصيات العرض/الرواية، خاصة.. ونستون وجوليا وأوبراين ممثل الحزب الحاكم، إضافة إلى شخصيات متباينة الأعمار تمثل الشعب المطيع والملتزم بالتعليمات. ومن خلال وهم أو أسطورة وجود (الأخ الأكبر) هذا المُسمى الذي اختلقه أورويل ليجسد السلطة المطلقة للحكم الشمولي، وما تفعله في نفوس وأرواح المخلوقات، وجعلهم مجرد مسوخ مشوهة.. أصوات مزعجة من المراقبة المستمرة في كل مكان، المنزل، العمل، أماكن التنزه، حيث لا مفر ولا مهرب. وفي رتابة تأتي مكبرات الصوت لتصم آذان الجمهور ببعض العبارات.. الأخ الأكبر يعمل لأجلك، نحن معك، وهكذا من العبارات التي تتعالى قبل بداية العرض وفي الظلام، لتبدأ لعبة توريط المُشاهد بالاشتراك الخفي في ما سيراه، وكأنه أحد مخلوقات هذه الدولة الخيالية. الصوت أيضاً حاول تجسيد حالة الغضب في ما يُسمى بجلسات الكراهية ــ الهتاف ضد شعوب وزعماء وهميين أو مناضلين ــ كذلك وضع شاشة شفافة لعرض بعض اللقطات عن المجاز في الحروب، أو لقطات التعذيب، ولتصبح بدورها حائطا كبيرا يمثل السجن الذي يعيشه أهل الدولة، هذا السجن الذي بدوره يصبح مغلقاً على المُشاهد، وكأنه في حالة الحصار نفسها ــ وجوه المشاهدين يتم تصويرها وتظهر على الشاشة في البداية ــ حالة من حالات كسر الإيهام بالصورة، وإن لم تتحقق بشكل كبير، إلا أنها أوحت كثيراً بالجو العام للعمل ككل.
حالة أورويل
كتب أورويل عن أسطورة السلطة المطلقة، وبما أنها من الأساطير فهي لن تنتهي، وتصبح الرواية دائماً معبرا قوياً عما نعيشه، هنا أو في أي مكان يُعاني من جنون السلطة وأفعالها. لم يكن أورويل متشائماً، بل أكثر خيالاً من الواقع، وما نحياه ما هو إلا ظِل لخيال مريض، خيال الأخ الأكبر، الذي يوجد وقد ورث سلطة الآلهة القديمة، ويرى نفسه إلهاً أوحد، فتصـــــبح الشعوب هي قربانه الوحيد. وبدرجة أو أخرى تتحقق هذه الصــــورة، كما كتب «ماركيز» في «خريف البطريرك»، وإن كان ماركيز استلهم حالة السلطوي نفسه، فأورويل يجسد حالة الجو العام الكابوسي الذي يسيطر على الجميع، ولا أمل ولا مفر، فقط .. حلم خفي بالحرية، ربما يتحقق في حلم أو في زمن بعيد.