إذا جاز القول إنّ الزحف الحوثي على العاصمة صنعاء هو شأن يمني داخلي أولاً، وأنّ بُعده الرمزي ما يزال ـ حتى الساعة، على الأقلّ ـ أرجح من الاحتمالات الأخرى التي قد تفضي إلى المواجهة العسكرية مع السلطة المركزية؛ فليس من الجائز رفع الشأن هذا، والملفّ الحوثي بأسره في الواقع، عن الشطرنج السعودي ـ الإيراني، الذي لا تهدأ سخونته تارة، إلا لكي تشتدّ وتستعر تارة أخرى.
لافت، إلى هذا، أنّ التحرك الحوثي الأخير لا يتجاوز الحدود المرسومة لقطعة الشطرنج كما يقرّر اللاعبان سقوف أدوارها القصوى، فحسب؛ بل إنه يقلب المنظومات السابقة، والتقليدية، التي ميّزت سياسات الرياض وطهران تجاه اليمن: السعودية قلقة على التطورات التي تعصف في أرجاء باحتها الخلفية، ولكنها منشغلة بمقارعة الجماعات الإسلامية المتطرفة، وشدّ أزر رجلها الوفي في مصر، عبد الفتاح السيسي؛ وإيران سعيدة بما يجري على تخوم صنعاء، لكنها منشغلة بالعراق، وبسوريا، ونطاق تدخلها لدعم الحوثيين محدود، ومسقوف أيضاً، سياسياً وعسكرياً.
النقطة الثانية، في جانب آخر من «المسألة الحوثية»، هي أنّ شعارات التحرك الحوثي الأخير إنما ترتدّ بالحركة إلى أيامها الأولى، وإلى منطلقاتها الاجتماعية تحديداً؛ حين اتخذ «التمرد» صفة الاحتجاج الشعبي على الأوضاع المعيشية والخدمية والصحية والتعليمية في منطقة صعدة، بالذات. آنذاك، كما تبدو الحال اليوم كذلك، كانت صعدة منطقة منبوذة ومهملة ومنفلتة من قبضة الدولة المركزية، يقطنها 700 ألف نسمة، لا يخدّمهم سوى مشفى واحد، ولا تتوفر لهم مياه الشرب النقية، والكهرباء نادرة، وأوضاع المدارس متردية، والخدمات الحكومية شبه منعدمة، والشائع الأكبر هو ثلاثي الأمية والبطالة والأوبئة.
النقطة الثالثة، ضمن تطوير هذا الخطّ ذاته، أنّ الحوثيين، حتى بعد الارتقاء بشعاراتهم المعيشية، بحيث امتزجت بـ»هوية» مذهبية مفادها وقف سياسة الحظر التي اعتبروا أنّ السلطة تمارسها ضدّ أتباع المذهب الزيدي، ومساواتهم بما يتمتع به أتباع المذاهب الإسلامية السنّية؛ ظلوا، مع ذلك، يلعبون على حركات احتجاج أهل الجنوب، فطالبوا بإنهاء سياسات التمييزضدّ المحافظات الجنوبية ومنحها حقوقاً فيالإعمار والتنمية مساوية لما تتمتع به محافظات الشمال. وذاك موقف لم يكن عارضاً أو تكتيكياً طارئاً في الواقع، لأنّ حسين الحوثي والشيخ عبد الله الرزامي (الرجل الثاني في الجماعة) كانا قد سجّلا أحد أوضح المواقف الإسلامية الشمالية في هذا الصدد، حين انسحبا من جلسة مجلس النواب احتجاجاً على إعلان الحرب ضدّ الجنوب، سنة 1994.
النقطة الرابعة تعود بالمسألة إلى واحد من أهمّ جذورها: أنها لم تبدأ كحركة مناهضة لسلطة علي عبد الله صالح، بل كان العكس هو الصحيح. وقبل أن تنقلب إلى حرب حقيقية بين الجيش اليمني النظامي، ورجال الميليشيات الحوثيين؛ وقبل أن يسقط في مختلف عملياتها قتلى بالآلاف وجرحى ومشردين بعشرات الآلاف، معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال… قبل هذا كلّه كان صالح، منذ العام 1986، هو الداعم الأوّل لخلايا الحوثيين الأولى، التي بدأت على هيئة منتديات دراسية وتبشيرية بريئة المظهر.
وكان التكتيك بسيطاً، بقدر ما هو مفضوح، ومألوف لدى هذا الطراز من الطغاة: داوِ سُنّة اليمن، جماعة الإخوان المسلمين و»حزب الإصلاح» تحديداً؛ بالتي قد تكون الداء، أي التيار الزيدي الشيعي، الشبابي والاحتجاجي!
ميراث معقد، إذاً، هذا الذي يتوجب على الرئيس اليمني الحالي، عبد ربه منصور هادي، أن يعالجه: ليس بوصفه شأناً يمنياً، يندرج ضمن شجون مشاريع الإصلاح السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فحسب؛ بل كذلك لأنه جزء من الشطرنج السعودي ـ الإيراني، حيث تتراكم القطع، وتتقاطع، وتتلاطم، وتتبدّل أدوارها… في غمرة أنواء عاتية، تعصف بالجميع!
صبحي حديدي