الرمز والهوية في أعمال التشكيلي المغربي عبد الحي الملاخ

حجم الخط
0

عرفت فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي أو ما بعد الاستقلال، زخما معرفيا وفكريا وأدبيا وفنيا ضخما في المغرب، مع بزوغ فجر مفكرين وأدباء كان همهم خلق بصمة مغربية خاصة، بصمة تعي كل مستجدات العالم من معارف وأفكار وفنون. جيل متأثر بأجيال سابقة عنه ومتمرّد عنها، عرف هذا الجيل ظهور أول بوادر الفكر المغربي الخالص (محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، عبد الله الراجع، محمد بنيس، محمد واقيدي… إلخ). أما من جهة الفن ـ الفن التشكيلي ما يهمنا هنا ـ فقد أشرقت شمس مجموعة من الفنانين الذين كانت تدفعهم الغيرة لتطوير الفن المغربي وجعله في المصاف العالمية، وذلك مع جماعة 65 (محمد المليحي، محمد شبعة، فريد بلكاهية، محمد القاسمي… عبد الله الحريري ومن التحق بهم)، جيل متأثر بالرواد (الجيلالي الغرباوي، الشرقاوي…) أو متمرد عنهم في محاولة لخلق هوية تشكيلية مغربية، تعي أهدافها المستقبلية ولا تتنكّر لموروثها الثقافي (هويتها). هنا بزغ نجم فنان تشكيلي مغربي وعى جيدا هذه الأمور وجعلها خلفية مرجعية واستوحى منها مفردات لأعماله التشكيلية.
الحديث عن الفنان التشكيلي عبد الحي الملاخ الذي ولد في مراكش عام 1947، استطاع بعد أربعين عاماً من مزاولة الرسم التشكيلي وعبر العشرات من المعارض الجماعية والفردية في المغرب وفرنسا وفي الأمريكيتين أن يضع بصمته الخاصة به، فالأكف المفرودة بوجه الرائي والرموز والعلامات والحروف والجداول السحرية، التي يضعها في أغلب لوحاته تعطي إحساسا عميقاً بالانتماء إلى الميثولوجيا المغربية، الإسلامية، فالمباخر والأكُفُّ والطلاسم لاتقاء السحر، وتكيات الصوفيين لتعميق الإحساس بالقرب من البيئة المغربية، وتصورات الناس عن الصوفيين، وما يحدث في مجالسهم من فنون إبطال السحر وجلب البركة على الحاضرين إلى تكياتهم، لقد جعل من هذه الرموز والعلامات المبثوثة في لوحاته طريقة حياة وبانوراما عقائدية للناس، مما يؤمنون به من أفكار عن الموت والحياة والخير والشر.
إن أعمال عبد الحي الملاخ بهذا المعنى، تشرب من منبعين تتشبع منهما، لسقي الرؤية الاستيتيقية العامرة بها هذه الأعمال، تشرب من عين الصوفية التي لا تنضب ولا تتوقف عن العطاء والإلهام، وعين الموروث الشعبي، تلك العين التي يستوحي منها مركباته وجمله وصوره الفنية، ليوظفها داخل فضاء اللوحة المملوء.
مبدأ الملء عنده ينطبق على تعمير فضاء اللوحة، وعلى عملية التلوين نفسها، إذ يرتسم الشكل ويتم تلوينه مع الإبقاء على إحاطته (cerne ـ contour)، باعتبار العملية التصويرية عند الملاخ تحتكم إلى مزاوجة التلوين والتخطيط الذي يحدد هيئة الشكل ونطاق اللون في آن. من ثمة، يتخذ الغرافيزم مكانته البصرية ضمن مكونات التشكيل الذي يخضع في الرسم والتلوين إلى قواعد فنون الطباعة التي تستدعي شرط الدقة، ما يجعل من التسطير وتنسيق الأشكال الهرمية المصغَّرة، المصاغة بالتجاور والتقابل والتعاكس والتنضيد، معالجتين تضفيان على الفضاء التصويري طابعا زخرفيا مشفوعا بشحنة تعبيرية قائمة على التغطية وإحداث الحكايات textures المحبَّبة والشفافة، وعلى حركة اليد الموزونة..
فاللوحة عند الملاخ مليئة بأيقونات استيتيقية، تأخذ أصلها من الموروثين الشعبي والصوفي، فهو يتخذ من الحرف التجريدي والرمز التعبيري وكثافة اللون صيغة للتعبير ولرسم ماديات التكوين. بفعل ذلك، تتحوّل الأحاسيس إلى حدوس واللوحة إلى كيان فردي أشبه ما يسميه سارتر بـ«الموجود لذاته»، لذلك يصح اعتبار المفردات التعبيرية والجمالية التي يستعملها الفنان الملاخ في لوحاته علامات وأيقونات يختارها من محيطه لكي يؤلف بها إبداعاته. من ثم، تمضي هذه العناصر في مسارب التكون معبرة داخل تشكيلات تعبيرية عن مفاهيم روحية وصوفية. تعميقا لهذا المنحى الجمالي، سيستقر الحس الإبداعي عند الملاخ على الرمز في منحاه الصوفي والشعبي: الكف، الخميسة، العين… فضلا عن الحمامة التي أصبح يرسمها في جل لوحاته الصباغية..
ويمكننا تلخيص المراحل الفنية في تاريخ هذا الفنان، المراحل الناضجة بالتغيير المستمر والبحث الدؤوب داخل عوالم الماضي والموروث الشعبي، كما النضال النقابي، يمكننا تلخيصها، كما سبق لذلك الناقد محمد الشيكر، إلى ست مراحل كبرى تبدأ بالواقعية الاشتراكية وغطت الفترة من 1972 إلى 1977، وتبلغ ذروتها ابتداء من 2011 مع مرحلة «عين البهاء» التي تتميز بتكثيف ملحوظ في اللغة والبلاغة البصرية والاشتغال الحداثي على الرمز والعلامة. وبينهما جرب الملاخ الحركية والحروفية (من 1977 إلى 1980) في لحظة انتكاس الايديولوجيات الشمولية، وعانق التعبيرية الرمزية (من 1980 إلى 1999) في استعادة للإرث الايقونوغرافي الماضي، ثم مرحلة شعرية البهجة (ما بين 2000 و 2006) التي نزع فيها الملاخ إلى مغامرة التداعي الحر للأشكال والكتل، مستحضرا الذاكرة الأنثروبولوجية لمسقط رأسه، مراكش، قبل ولوج مرحلة حدائق النور (2009 ـ ….) وهي، كتمهيد للمرحلة الحالية، موسومة باستغوار منابع الضوء والأسرار الدلالية للون.
أعمال الملاخ في جوهرها تتمركز حول الولادة والتوالد، حول الشكل الجنيني الذي قد يتحول إلى مساحة هندسية أو رمز أو علامة أو عضو جسدي أو كائن بعينه، كالحمامة مثلا.. هذه العناصر التشكيلية هي أصل الاشتغال عند الملاخ، أما العناصر الإضافية فهي بفعل الاندماج والتوالد، إثر الاشتغال بالمواد والأصباغ والأسندة، فالملاخ من بين الفنانين القلائل، له طاقة كبيرة في التعامل مع اللون لتجسيد الأشكال والفضاءات، وبهما ومن خلالهما الكون كله..
أعمال عبد الحي الملاخ بهذا هي مساحات لونية لامتناهية تعمّرها كائنات ورموز تحيا وتتكاثر واللون المالئ للمساحة ككل. فالملاخ لا يكتفي بالرمز لوحده كطابع تعبيري داخل العمل، بل يجعله أيقونة فوق اللون (الخلفية) الذي يعمل كبعد تجريدي داخل العمل. مما يوّلد توليفا تجريديا ـ تعبيريا. هذا التوليف هو الذي يجعل أعماله تندرج ضمن خانة الحداثة. الحداثة التي همّها التغيير المستمر والتطور اللامنقطع، والتجدد الخلاق. فالحداثة لا تتعارض كليا مع التقاليد، بل تدمجها وتصهرها داخلها لتصير جزءا منها، مما يجعلنا نقول إن الحداثة ليس واحدة، بل مجموعة، فلكل حضارة حداثتها التي تذوب وتنصهر وتلتحم داخل الحداثة الإنسانية التي لا تتوقف على التطور والتجدد. هكذا فهِم الملاخ الحداثة، وهكذا فهم الهوية. فهو يوظف الرموز التراثية داخل قالب فني حداثي. يستعمل له تقنيات متعددة وكثيرة. من حركية اللون وانسيابيته، والتنقيطية، وتفسيح المجال للضوء، الذي يصير له أن يكون خلفية وطاغيا على اللوحة لتركيز الرؤية حول الرموز /الأيقونات /المفردات الموظفة من قبله داخل العمل، التماثلية إذ يحاول أن يجعل من الرموز متماثلة لمحور بصري يخلقه وسط اللوحة، أو افتعال خلخلة في الفضاء عبر تلك الخطوط المستقيمة والمتوازية (أو المتقاطعة)، بالإضافة إلى حضور لونين تمتاز بهما أعمال الملاخ لشكل دائم: اللون الأزرق واللون البني، أما الأول فما هو إلا إحالة صريحة التعبير عن الاهتمام الصوفي من لدن هذا الفنان، وأما الثاني فهو إشارة ظاهرة إلى الموروث الشعبي (لون الحناء) الذي يوليه الفنان كامل الأهمية داخل أعماله، فكم أعرب عن حماسته لهذا الموروث عبر رموزه المتعددة، فالثقافة المغربية ثقافة رمزية بامتياز، فالرمز ما هو إلا اختزال فني بصري لهوية الجماعة كما الفرد.

عزالدين بوركة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية