انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الرهان الرياضي الإلكتروني، حيث برزت مواقع (شركات) عالميّة برؤوس أموال ضخمة كجزء من نسيج المنظومة الرياضيّة التجاريّة. ولا تتعلق المسألة بالرهان أو القمار في حد ذاته، فهو ظاهرة ضاربة في القدم، بل بالأحرى بتحوّل عولميّ يقوده من جهة أولى انتشار تغطية الإنترنت واستعمال الأجهزة المعلوماتيّة من الكمبيوترات التقليديّة إلى الهواتف الذكيّة، ودعم رياضات جماهيريّة وتعميم انتشارها من جهة ثانية، وتعمل الأخيرة كقاعدة عمل للرهان الإلكتروني.
الدولة ومسألة السيادة:
دخل الرهان الإلكتروني تونس مع بروز الظاهرة، وقد طرح منذ البداية اشكاليات قانونيّة واحراجا للدولة. حيث ينص القانون التونسي على احتكار الدولة لجميع أنشطة الرهان، وتجمعها ضمن منشأة عموميّة هي «شركة النهوض بالرياضة» التي يتمثل دورها حسب موقع الشركة في «النهوض بالأنشطة الرياضيّة وتشجيع تمويلها وذلك بتنظيم مباريات وتكهنات رياضيّة وبكل العمليات التابعة لها. وهي بذلك إحدى أهمّ آليات التمويل العمومي للرياضة في تونس».
تقع إذنْ عمليات الرهان الإلكتروني خارج إطار احتكار الدولة لأنشطة الرهان ويعتبر تبعا لذلك كل متعاط أو موفّر لتلك الأنشطة مخالفا للقوانين الجاري بها العمل. لكن السؤال هنا هو: هل باستطاعة الدولة فعليّا منع الرهان الإلكتروني؟
الإجابة على السؤال مركبة، فمن ناحية لا تستطيع الدولة إغلاق المواقع الإلكترونية المنظمة للرهان، فهي تعمل خارج المجال السياديّ للدولة، إضافة إلى عجزها عن تعطيل الوصول إليها نظرا لتوفر برامج تجاوز، منتشرة على نطاق واسع، قادرة على كسر الحصار المضروب على المواقع. إذن من ناحية تقنيّة، تجد الدولة (أو بالأحرى الشكل الحديث للدولة- الأمّة أو الدولة المجاليّة) نفسها عاجزة عن إيقاف ظاهرة سائلة، بتعبير عالم الاجتماع زيغمونتباومان، عابرة للحدود ومحطّمة للسيادة.
كما يلاحظ من ناحية ثانية انتشار محلاّت توفّر هذا النوع من الأنشطة خاصّة داخل الأحياء الشعبيّة، ورغم رواج أخبار بين الفينة والأخرى عن تدخل الأجهزة الأمنية «الرادع»، إلا أنّ أعداد المحلات آخذة في الارتفاع. وقد تردد على مسامعنا، خلال بحثنا عن سبب استمرار أنشطة محلاّت الرهان الإلكتروني غير القانونيّة، أنّ الأخيرة يحميها في الأغلب عناصر من الأجهزة الأمنية نفسها الموكل لها غلقها.
الشباب والرهان الإلكتروني:
من الطبيعي أن يقبل جزء من الشباب التونسي على الرهان الإلكتروني خاصة في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة (في حدود 15٪ حسب الأرقام الرسميّة) وانتشار مزاولة الأعمال الموسميّة أو الهشّة. وقدلاحظنا (وهي ملاحظات جزئية لا يمكن بأيّ حال تعميمها) تكوّن مجموعات من الشباب تتشارك الولع بالرهان الرياضي الإلكتروني، وغالبا ما يكون مركزها المقاهي الشعبيّة.
تتشارك مجموعات الشباب الخبرات والتجارب والتكهنات فيما يتعلّق بمباريات كرة القدم خاصّة، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى تشارك اللّعب أي توزيع أموال المجموعة على عدّة ورقات. وأخبرنا الشاب (ف) أنّ أغلب الشباب الذين يعرفهم يقسّمون الرهانات بين أوراق تحوي مقابلات سهلة نسبيّا، أي أنّ حظوظ فوزها مرتفعة فيما تنخفض جائزتها الماليّة، وورقات أخرى تحوي مقابلات صعبة، وأحيانا من دوريّات كرة قدم هامشيّة أو من رياضات أخرى أقلّ جماهيريّة، تكون حظوظ فوزها منخفضة لكن جائزتها الماليّة مرتفعة، على هذا النحو يضمن المراهن نوعا ما استرجاع أو المحافظة على موارده الماليّة من خلال الفئة الأولى من الأوراق فيما يعقد آماله على الفئة الثانية لتحقيق حلمه بالفوز الكبير، أي بالجائزة الماليّة الأكبر.
وتتّسع الدائرة لتحوي أفرادا آخرين من غير المراهنين، حيث تشكّلت فئة تتاجر بالعملات الصّعبة، المستعملة في الرهان، خاصّة مع توجّه عدد الشباب إلى تكوين حساباتهم الخاصّة على مواقع الرهانات والتخلّص من «التبعيّة» للمحلات الموفرة للخدمة، وذلك لتحقيق حريّة أكثر في اللّعب، إذ يمكنهم حينئذ المراهنة في الأوقات وبالطريقة التي يريدونها إضافة إلى تجنّب المخاطر القانونيّة المحتملة المرتبطة بالمحلاّت غير القانونيّة. وتتكوّن فئة المتاجرين بالعملات الصّعبة، إضافة إلى المتاجر المعني، من موفّر للعملة غالبا ما يكون مستقرا في إحدى الدول الغربيّة، وشبكة من الزبائن المحليّين. ويشرح لنا (س) الممارس لهذا النشاط، أنّ سير عمله يتطلب إضافة إلى ما سبق ذكره، الحفاظ على سعر صرف مناسب يمكّنه من المنافسة في السوق، إذ يسعى لإبقاء سعر العملة في مستويات مستقرّة حتى يتمكن من بناء علاقة ثقة بينه وبين زبائنه.
كما يتجاوز دور شبكات الشباب مجرّد تقاسم الخبرات والتجارب ليؤسس أسلوب حياة، له طقوسه ولغته ورموزه. كما تخوّل لهم تشارك الأحلام وقصص النجاح كنوع من الأيديولوجيا الحاثّة على الاستمرار. إذ تنتشر بينهم قصص نجاح شباب آخرين في تحصيل ثروات من وراء الرهان الإلكتروني، وقصص عن دهائهم في طرق اللّعب، وصولا إلى مناقشة طرق صرف الثروة المبتغاة عند تحصيلها. ويتأكد لنا من خلال سماعنا أحلام هذه الفئة من الشباب، بحثهم عن الاستقرار، فمنتهى أحلامهم هو تحقيق موارد ماديّة مستقرة ومستقبل ثابت وإن كانت المراهنة سبيلهم لذلك، هم شباب يبحثون عن أرض صلبة في عالم سائل.
٭ كاتب من تونس
حبيب الحاج سالم