الرهان الفرنسي على رئيس بريطاني!

يمكن الافتراض، دون مجازفة، أن الشاب الجامعي اللامع الذي عمل باحثا لمدة عامين مع بول ريكور – أحد أهم فلاسفة القرن العشرين – ما كان ليخوض المعترك السياسي لو كان الأمر يتعلق بمجرد الوصول إلى السلطة. بل لا بد أن يكون للأفكار والقيم دور محوري في تصوره للعمل السياسي. إذ إن ما هو معلوم عن رئيس فرنسا الجديد، منذ صار اسما معروفا أثناء فترته القصيرة في وزارة المالية، هو أنه عازم على النجاح في ما أخفق فيه جميع الساسة الفرنسيين من قبله: أي تغيير بلاد لا يريد شعبها التغيير لأنه متخوف من خسران نظام الرعاية والضمانات الاجتماعية الذي تعود عليه منذ عقود. معضلة فرنسية كثيرا ما تختصر في سؤال شائع: كيف السبيل إلى الإصلاح في بلاد تقاوم الإصلاح؟
أما الإصلاح المقصود، في اللغة السياسية السائدة عالميا، فهو وضع القاطرة الفرنسية على سكة النيولبرالية الاقتصادية التي تعتقد النخب السياسية والاقتصادية، في كثير من البلاد الأوروبية، أنها سر حيوية الاقتصاد في أمريكا وبريطانيا. ولهذا فلا يبعد أن يكون الدور الذي يطمح إليه ايمانويل ماكرون شبيها بالدور الذي اضطلع به توني بلير عندما جعل من بريطانيا بلادا حاضنة للرأسمالية العولمية المنفلتة، وما اقتضاه ذلك من تغيير طبيعة حزب العمال إلى حد أفقده القدرة على تحديد هويته واستعادة ولو قدر محدود من شعبيته. إذ يبدو من المرجح أن حزب العمال سيتكبد هزيمة كبرى أخرى في انتخابات الثامن من الشهر القادم في بريطانيا. هذا رغم نزاهة زعيمه اليساري جيرمي كوربن ورغم ترفعه عن الكذب السياسي المعتاد. وربما يكون ماكرون قد نجح منذ الآن في المسألة الثانية التي نجح فيها بلير، حيث أنه فضح خواء الحزب الاشتراكي على عروشه الايديولوجية المتزعزعة أصلا. بل إنه استطاع بسرعة خارقة أن يتجاوز الأحزاب كافة وأن يكسر قواعد اللعبة السياسية المعهودة. وهو جاد كل الجد في اعتزامه انتهاج سياسة تتعالى فوق الانقسام التقليدي بين يمين ويسار. ومؤداها أن فرنسا لا يمكن أن تحافظ على نظامها الاجتماعي التكافلي إلا إذا تمكنت من معاودة السير في طريق التقدم الاقتصادي. وهذا لا يكون في رأيه إلا باللبرلة والنجاعة.
ومن علائم جرأته وقدرته على تحدي الرأي العام أنه يعرف، كما ذكر الصحافي المتخصص في الشأن الأوروبي جيمس مايتس، أن الفرنسيين مستاؤون من الاتحاد الأوروبي معرضون عنه بقدر استياء البريطانيين وإعراضهم، وأنهم يكرهون فكرة إدخال إصلاحات ليبرالية على اقتصادهم، فماذا فعل؟ قرر أن يداويهم بالتي كانت هي الداء: تنفيذ الإصلاحات الليبرالية، وتعميق الارتباط بالاتحاد! جرأة حقيقية قلّ نظيرها في عالم السياسة الغربية. ولكن ليس العجب في تحدي الرأي العام، فهذا وارد ولو أنه نادر. وإنما العجب في الفوز بأغلبية وازنة رغم تحدي الرأي العام!
وقد استبشرت أوساط السياسة والإعلام في بريطانيا بفوز ماكرون لأنه يبدو لها أنه من نوع الساسة العقلاء، أي المناصرين لرأس المال والمؤمنين بضرورة المرونة في سوق العمل، أي منح الشركات والمؤسسات الاقتصادية حق استخدام الأجراء والموظفين بأقل ما يمكن من الضمانات الاجتماعية وبأقل ما يمكن من التعقيدات الإدارية وحق فصلهم من العمل بكل سهولة وبأقل ما يمكن من الضمانات للأجير. ولهذا كتبت معظم الصحف البريطانية أن فوز ماكرون خبر سارّ لبريطانيا. ولو أنها نبهت إلى أن الإصلاحات التي تحتاجها فرنسا في مجالات قوانين العمل، والرعاية الاجتماعية وتحقيق التنافسية الاقتصادية ستواجه مقاومة شرسة من النقابات والقوى الرجعية الأخرى. وهذا ملمح ثقافي هام. إذ بينما تعدّ النقابات في معظم بلاد العالم من طليعة القوى التقدمية، فإن التصور الأنكلوساكسوني السائد الآن يسلك النقابات ضمن القوى الرجعية!
إلا أن من مفارقات هذا الزمن السياسي المضطرب أن بريطانيا قد هجرت الاتحاد الأوروبي في الوقت الخطأ، أي بالضبط بعد أن بدأت دول الاتحاد تسير بخطى ثابتة نحو اعتناق النموذج البريطاني: المزيد من الخصخصة واللبرلة، والإمعان في تقليص الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة. وها قد أتى أقوى الأدلة على هذه المفارقة: إذ ما كاد يمضي عام واحد على الطلاق البريطاني-الأوروبي حتى قررت فرنسا إسلام أمرها إلى رئيس ليبرالي التوجه بريطاني العقيدة!

٭ كاتب تونسي

الرهان الفرنسي على رئيس بريطاني!

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية