الرهان على الغيب

حجم الخط
0

لم يكن هذا لقاء تاريخيا، مصيريا أو حاسما. فالابتهاجات في اليمين سخيفة وكذلك فرك اليدين في اليسار زائد. دونالد ترامب لا يعرف بعد ما يريد من نفسه ومن الشرق الأوسط. فهو رئيس غير متبلور مع إدارة غير متبلورة لم تنجح بعد في ملء شواغر المناصب الاساس حوله، ومن تلك التي اشغلت يستقيلون بفضائح مدوية.
شخصية ترامب معروفة ومكشوفة، وهو غير مدين بشيء لأحد وليس له مشكلة في أن ينقلب على الأصدقاء أو يتنكر للتوافقات أو ينتهك الاتفاقات. فتاريخه التجاري مليء بمثل هذه الأحداث وكل من تابعه في العقود الاخيرة يعرف بان ترامب يرتجل في ظل الحركة.
حتى لو نجح نتنياهو في أن يوقع ترامب أمس على قرض سكن، دون أن ينتبه، فإن احدا لا يمكنه أن يضمن بأن تحترم الشيكات. فلترامب قوانين خاصة به، وهو يقررها ولن تكون له مشكلة في ان يلقي بمن يجب ان يلقي به من تحت عجلات باص ما يأتي أولا من أجل تحقيق هدفه حقيقي، الذي هو دونالد ترامب.
وبالتالي، وبعد ان قلنا كل هذا، فان ما رأيناه أمس هو بالأساس طقوس مخطط لها، استعراض ودي منسق وتصريحات متملصة لا يمكنها أن تشهد في شيء على ما سيحصل على المحور بين واشنطن والقدس ورام الله في السنوات القريبة القادمة. نقطة.
بعد ملاحظة التحذير الطويلة هذه، فإن الصورة التي انكشفت أمس في المؤتمر الصحافي مختلطة: المؤشرات السيئة لليمين هي حقيقة ان ترامب تحدث عن التزامه بصفقة سلام بين إسرائيل والفلسطينيين وحقيقه انه توجه لنتنياهو وقال انه ينبغي التوقف للحظة بالاستيطان، أليس كذلك؟ كما أنه شرح لنتنياهو بأن «على الطرفين ان يتنازلا» في الطريق إلى تلك الصفقة الحلمية التي يخطط لها. «أنت تعرف هذا يا بيبي، صحيح؟»، ابتسم ترامب ونتنياهو ابتسم أقل بكثير وفضل التشديد على «الطرفين!»، وترامب أشار في مرحلة لاحقة: «انت لا تبدو متحمسا جدا للمفاوضات». وكل هذا قيل بابتسامات واسعة وبلغة جسد رومانسية، ولكن محظور النسيان بان لغة جسد ترامب يمكنها أن تتغير في غضون ثوان. فرئيس يصرح في المؤتمر الصحافي العلني الأول له مع رئيس وزراء اسرائيل بان من الأفضل التوقف للحظة مع المستوطنات، لا يمكنه أن يكون صديق المستوطنات.
ان ضوء التحذير الذي ينبغي أن يشتعل في اليسار هو حقيقة أن في المرة الأولى منذ اختراع فكرة «حل الدولتين» وقف رئيس امريكي بصوته واظهر عدم اكتراث تام بها. «دولتان، دولة واحدة، كيفما اتفق»، قال ترامب، «ما يتفق عليه الطرفان، يسعدني».
فضلا عن حقيقة ان احتمال أن يكون ترامب يعرف ما هو «حل الدولة الواحدة»، يقترب من الصفر، وفهمه للمادة مترد جدا، فان هذا القول أثار على الفور حلقات رقص فرحة في المناطق. ها هو، دفن حل الدولتين. نفتالي بينيت، بشغفه الثابت، نشر بيان تأييد فاخرا والكل سيلتقي هذا الصباح ليتبادلوا تحية الخلاص في الكنس. وبالفعل أيها الرفاق، لا يبدو لي ان هذا هو الواقع. فعندما سيفهم ترامب من ضد من، وعما يدور الحديث وما هي آثار كل حل كهذا، سيكون أقل بكثير عدم اكتراث مما كان أمس.
السطر الأخير بقي مثلما كان: هذه خطوة واحدة في رحلة طويلة ستشبه لدى دونالد ترامب قطار الجبال. من هذه الناحية، فان وضع إسرائيل أصعب بكثير مع ترامب مما مع كل رئيس امريكي آخر، بمن في ذلك اوباما. ثقافته الادارية مختلفة، التزامه بالالتزامات مختلف، الأنباء الزائفة مسيطرة في بلاطه وولاؤه يتغير بوتيرة النار (اسألوا بوتين).
ليس ثمة في هذه المرحلة ما يرحب به، وليس ثمة ما يبعث على الفرح. فنحن لا نزال بعيدين عن معرفة إلى اين يريد ترامب ان يسير، مع من ومتى. ولما كان لن يتحقق اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين، فان «صفقة الأحلام»، التي يحلم بها ترامب لن تحصل، و»التسوية الإقليمية» لن تأتي، فالسؤال الحقيقي هو في أي مزاج ستترك هذه الاخفاقات ترامب وماذا سيفعل حين يقف أمام الازمات. من يعرف الإجابة على هذا السؤال مدعو لان يراهن.

معاريف 16/2/2017

الرهان على الغيب

بن كسبيت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية