هل الرواية حكاية يقصها شخص يجيد فن الكلام؟ سؤال يحتوي عددا من كلمات علم السرد أو السرديات، لكنها ليست منه، بل هي تعبير عن معنى القص، والحكي، قبل أن يصبح لفظ «السرد» قاعدة أساسية لعلم حديث يهتم بدراسة الأجناس التعبيرية والإبداعية التي تتخذ «السرد» نوعا لها، من قبيل: المذكرات واليوميات والحكاية الشعبية والعجيبة والسيرة الذاتية والمرويات التاريخية، والمرويات الوعظية… فالسرد ليس جنسا أدبيا كما يعتقد العديد من الكتاب والنقاد على حد سواء، بل السرد نوعٌ نصيّ، تشترك فيه كخاصية مميزة عدة أجناس أدبية بعضها أدبي والآخر غير أدبي.
أما السرديات أو علم السرد فيختلف عما سلف، فلمْ يهتم بمحتوى القول والتأثير المباشر في المتلقين (المستمعين)، وتلقينهم العِبر وتعريفهم على/ بالنماذج العليا التي يجب احتذاء آثارها. من أجل الارتقاء في سلم المجتمع، بل وضع/تْ نصب عينيه هدفا آخر أملته التطورات العلمية والنزعة التجريبية التي غذتها مجموعة من النظريات النقدية الوضعية التي ملت من الحديث عن «غراميات الكاتب الموضوعي وبطولاته الوهمية» أكثر من الحديث عن منجزه الإبداعي وعن طريقة تحقق الإبداعية وأدبية النصوص؛ كيف أنجز النص ما أنجزه من جمالية وتأثير وانتشار؟ لقد تحول السؤال من: منْ أنجز النص؟ وماذا قال في النص من حكايات وأفعال خارقة مذهلة تشد الأنفاس؟ إلى البحث في كيفية صياغة كل تلك الأفعال والصور المؤثرة وبنائها؟
إن ما يخلق الجمال في النص ليس محتواه بل الطريقة التي يتم بها بناء ذلك المحتوى وترتيبه في فضاء موزع بدقة بين الشخصيات المتخيلة والأفعال المنوطة بها. لقد قامت النظريات الوضعية الجديدة بقلب تصور الكتاب والنقاد والقراء عن الحكايات والمرويات التقليدية (الشفهية والأسطورية والخرافية العجائبية والوعظية والدينية والبطولية) ونقلت مفهوم الجمال من المحتوى إلى طريقة وصياغة المحتوى ومن الانفعال الشخصي إلى التجربة الجماعية، ومن التسلية إلى محاولة كشف أسرار الإنسان وعالمه المحيط به، ونقلت الاهتمام من الحكاية إلى اللغة التي بواسطتها تروى الحكايات، واعتمادا على التجربة الواقعية والتحولات التي شهدها العالم الجديد تحول مفهوم البطولة وصورة البطل من النموذج الأعلى المثالي الذي لا يقهر إلى معنى الإنسان البسيط الذي يصارع يومه وشبيهه من أجل البقاء، كما أن الحربين العالميتين كانتا سببا في فتح أعين القراء وتوعيتهم على حقيقة مروعة:» الواقع أغرب من الخيال، والإنسان في صراعه اليومي قد يمثل قيما أرقى وأسمى من بطل خيالي يصارع الطواحين الوهمية”.
هل يعني ما سبق أن السرديات أو علم السرد لا يهتم بالمحتوى؟ هذا الفهم يدل على البساطة في الوعي، لأن السرديات وإن جاءت متأثرة بالتجارب الشكلانية الروسية وبالدرس اللساني السوسوري وبالبنيوية، وهي كلها نظريات وضعية تجريبية تسعى إلى تحويل الآداب وعموم العلوم الإنسانية إلى علوم حق، خاضعة للقياس والتجربة العلمية، عبر علمية ومنطق اللغة، إلا أنها ما استطاعت أن تنفي المحتوى والمضمون، ولكنها أخضعته بدوره كمحتوى اجتماعي وفكري وثقافي وديني وأدبي للتجربة ووضعت له «نحوا» خاصا به، حتى يتم الفهم والتواصل بين الفئات الاجتماعية المختلفة من قراء اللغة والمتخيل المشتركين.فالنص ليس مجموعة من الألفاظ أو مجموعة من الجملة المتراصة اعتباطا، بل هي نظام محكم، غايته الإفهام، والتواصل العادي في الاستعمال اليومي والتواصل الإبداعي الذي يتوسل إلى الفهم بمستويات لغوية أكثر تعقيدا وخاصة.
يقف وراء بناء السرد وعي السارد الجمالي ومقصدية الكاتب الموضوعي، من جهة، ومن أخرى وعي القارئ وثقافته، وبالتالي فإن المسؤول المباشر والفعلي عن خاصية التركيب في البناء الروائي الكاتب الموضوعي وليس السارد أو القارئ؛ فالسارد مجرد علة لغوية، لا يحمل وعيا ولا ثقافة ولا موقفا خاصا به لأنه يمثل لغويا صوت الكاتب، والقارئ الذي يستقبل العمل الروائي يساهم بدوره في إعادة تركيب البناء بما يناسب ويوافق معرفته وثقافته ووعيه ومواقفه.
في رواية «أفرهول» للكاتب زياد محافظة، عدد من الشخصيات الروائية، هذه بعضها: مازن الإمبريالي، سعاد، سليم الماجد، محمود عواد، معالي خليل شكري، إيملي، كارمن، جيرمي واطسون، ناريمان، الدكتور غراهام مارفن، معالي أبو سلطان، أم صابر، أبو صابر، حمزة أبو اليمان، نجوى، مروان معدل، أبو الفضل القندهاري، وغيرهم. العدد مهم، ولكنهم من حيث بناء المحكيات وتركيبها السردي قليلة، وإلا كان حجم الرواية سيصبح ضخما، والحشو والإطناب عاملي تدمير البناء وتدمير القصة وتدمير تركيز واهتمام القراء، وربما شتات ذهن وفكرة الكاتب ذاته.
لذلك فالمحكيات المتعددة ليست مرتبطة بعدد الشخصيات، بل بموقف ومقصد الكاتب، أي بالغاية الجمالية ومفهوم الرواية ووظيفتها عند المؤلف الموضوعي، وبذلك أيضا يجعل الكاتب تركيز سارده أو سُرَّادِه على بعض الشخصيات دون أخرى، وهنا أورد ثلاثة أصناف في رواية زياد محافظة «أفرهول”:
– شخصية مركزية: تتحكم في الحبكة السردية، فالرواية نص، والنص نَسْجٌ وحِيَّاكَةٌ، وتكون صاحبة المحكي هي الإطار.
– شخصيات رئيسية: لها أدوار فاعلة أو ثانوية في بناء السرد ومتخيله، فيكون لها محكي تام ومستقل، والأخرى يكون لها محكي ناقص، غير تام، لأنها تقوم بوظيفة تكميلية لا تقم معلومات عنها كبيرة تميزها وتمنحها دورا فاعلا في البناء والتأثير وتحديد الموقف من قضية أو فكرة…
– شخصيات شبحيَّة: بدون محكي شخصي، لا تام ولا ناقص، أسماء يرد ذكرها في الكلام أو في جلسة أو اجتماع.
الشخصية المركزية في رواية «أفرهول» وبدون منازع: مازن الإمبريالي، وهي صاحبة المحكي الإطار، ومن ملامح وعي الكاتب بتركيب العمل الروائي، اشتغاله على محكيين لذات الشخصية، المحكي الأول غيري، تبرز فيه أفعال وصفات الشخصية عبر محكيات غيرية، والمحكي الثاني ذاتي، جاء اعترافا في الفصل (21)، ليؤدي وظيفتين الأولى وظيفة سردية «خاتمة» السرد ونهاية الرواية، والثانية، أراد لها الكاتب أن تكون «صدمة» في الوعي، و”مُفارَقة» تكسِّر أفق انتظار القارئ وتوقع الشخصيات المشاركة، و”كاشفة» لحقيقة باتت ملازمة لإنسان الألفية الثالثة، وهي: «ازدواجية» الوعي والموقف والشخصية.
يعود مازن الإمبريالي من أمريكا إلى مدينته عَمّان عاصمة الأردن، بعد غياب دام ربع قرن. يعود كما يعود كل مهاجر أنهكته الغربة وحن إلى وطنه وأهله، أو لأنه يرغب في تغيير مسار حياته ببداية جديدة في مكان قديم، هذا المحكي الأول، التمويهي، الذي لا يعلمه القارئ ولا يشي به السرد، فالمهاجرون يشبهوم في العالم سمك السلمون، يرحل بعيدا، ويعيش حياة وتجربة الاغتراب، لكنه يتذكر في الأخير موطنه ومستقره، والمهاجر اليوم يشبه أوليس أو مغامرات الأبطال في الأساطير، تنتهي الحرب بين بني البشر فتبدأ رحلة المغامرات ومصارعة الوحوش والساحرات والجنيات وحوريات البحر والمسوخ الإلهية الأسطورية لتعود إلى الوطن متخفية في لباس الراعي، والغاية الوقوف على حقيقة الزمن؛ سؤال الوجود المؤرق في كل العهود والعصور: ماذا حل بالمملكة، ما مصير تليماك، كيف كان صبر بنيلوب، وماذا عن الرفاق والأهل؟!لا شك أن الزمان غير طباعهم وعمل فيهم بمداه الحادة وحفر أخاديد على نفوسهم ووجوههم.
مازن الإمبريالي، بعد ربع قرن تجمعه الصدفة ـ لأنهُ ما رغب في بعث صداقات الماضي، كما قال ـ وحدها برفاق الطفولة والدراسة، لكن الصدمة كانت مفاجئة، ربع قرن لم يغير في طباع رفاقه وكأنهم خارج الجاذبية، يلوكون الخطابات ذاتها ويكررون الأحلام ذاتها ويمضغون أيامهم ويجترونها بلا انقطاع، يقول:«ليس الأمر مدعاة للدهشة، بل على نحو محير، لم يتغير على معظم من تركتهم ورائي سنوات طويلة الشيء الكثير! فاجأني هذا. أيعقل أن تمر كل تلك الأيام على الواحد منا دون أن تحدث في حياته لأي تغيير يذكر؟ ألهذا الحد يمكن أن يكون المرء محايدا في علاقته بالحياة!».
هذه الحقيقة الأولى الصارخة في وجه الواقع والإنسان العربيين اليوم، ماء كثير جرى تحت الجسر، لكنه لم يجد من يهتم به، وكأن ملاحظة مازن الإمبريالي تنبهنا لسبب أساسي في تخلفنا عن مواكبة الحراك الحضاري والاكتفاء بالاختباء خلف مفاهيم مصطنعة ببلاغة جوفاء من قبيل «صراع الحضارات” وبالتالي الانسياق السهل نحو فقدان الهوية والخصوصية الثقافية والفكرية واللغوية والتاريخية المميزة لنا. فماء النهر يجرى جريان الزمن لا يمكنه أن يعود إلى مصبه. يضيف مازن: «لا يعنني هنا تلك التفاصيل الكلاسيكية التي ترتبها لنا الحياة بطريقتها الخاصة وتقودنا إليها في مرات كثيرة كالزواج أو العمل أو الإنجاب، بقدر تلك الانعطافات التي يمكن أن تحدث فرقا حقيقيا في حياة الواحد منا؛ قدرتنا على تليين الحاضر وتطويعه، اكتشاف المخبوء في أعماقنا، مواجهة المخاوف والتحوط لها، تجاوز تلك الخسارات التي تنهش من كل اتجاه، وسعي الواحد منا لكشف شيء من المآلات الغامضة التي يمكن أن يصلها رغما عن إرادته. هذا ربما ما كنت أعنيه».
زياد أحمد محافظة: «أفرهول»
منشورات دار فضاءات، عمّان 2016
220 ص.
محمد معتصم