الروائي المصري أشرف العشماوي… ليس للنوبي إلا الريح

حجم الخط
0

القاهرة ـ من عبد السلام الشبلي رحلة جديدة إلى القاهرة، يقودها الروائي المصري أشرف العشماوي، متبنيا متاهة سردية، أفضت إلى «تذكرة وحيدة للقاهرة» الرواية الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية 2016.
في البداية تشعر أنك أمام عملٍ كلاسيكي يحكي عن بعض الباشاوات والزعماء الذين عاصروا نهايات عهد الملك فاروق، قبل أن تنتقل الرواية فجأةً إلى أقصى جنوب مصر، حيث حياة أخرى بعيدة عن الرفاهية والحضارة الغربية، التي كانت تشهدها القاهرة، بين معشر النوبيين الذين بدأوا يتحسسون رؤوسهم خوفا من ضياع هويتهم منذ عهد آخر ملوك مصر، عندما بدأت مشاريع نهر النيل بالتنفيذ، وما صحبها من غرقِ وموتِ وتهجيرِ الآلاف منهم.
في خطين متوازيين شكلا متشابكين مضموناً، تسير رواية العشماوي، منطلقة من حياة بدر في كنف أبيه شفيق باشا المغازي الوزير في الحكومة المصرية، حيث حياة الرفاهية المفرطة، والتشبع بالغرائز التسلطية التي أخذها من جلسات نادي الجزيرة في العاصمة المصرية، صحبة والده الذي كان من أكبر المراهنين على سباقات الخيل.
في المقابل يظهر الطفل عجيبة النوبي ابن سائق السفير البريطاني ويليام ويلكوكس في بلدته النوبية حيث التماسيح التي يراقبها تمر في نهر النيل والحكايا التي يسمعها عن صيد التماسيح وتحنيطهم كعبرة ودليل على القوة والشجاعة، وقصة حب طفولية لابنة العم مسكة، وتساؤل مستمر عن والده عجيبة الأكبر، الذي مات غرقا بصحبة السفير، هل كان شهيدا قتلَ من يغرق أهله، أم مات منتحرا؟
يكبر الأطفال وتكبر تطلعات مصر إلى التحرر من الاحتلال والملكية، حين جاء موعد ذلك في 1954 عندما كان عجيبة عاملا صغيراً في نادي الجزيرة، قبل أن يستيقظ صباح الثالث والعشرين من يوليو/تموز عندما أعلن مجموعة من الضباط المصريين عزل الملك فاروق وتولية ابنه بعد مغادرته للبلاد، وهنا تتشابك قصة بدر وعجيبة.
الأول يسقط من أعلى قمم المجتمع إلى حياة لم يتعود عليها بعد أن صادر المجلس الثوري كل أملاك العائلة التي أصيبت وعائلات أخرى بالتهميش الانتقامي، أما بالنسبة لعجيبة فالوضع لم يتغير كثيرا، فالحكم الذي رحل كان يسمح للمحتل بمشروعات تغرق أهله النوبيين، أما الذي جاء متمثلا بجمال عبد الناصر، فيريد أن يغرق ما تبقى من النوبيين ويهجرهم، بالسد العالي الذي سيقضي على بقية القرى النوبية.
كل ذلك يجري على لسان شخصيات العشماوي، القاضي الذي ابتعد بنفسه عن منصة المحاسبة، ليكون ناقلا أمينا للتاريخ الذي عرفته مصر، من دون أن يوجه الاتهام لأحد، تاركا الأمر لقارئه الذي سيحكم في نهاية الأمر على فترة مهمة في تاريخ مصر.
أبطال العشماوي جلادون وضحايا، سواء بأسمائهم الحقيقية أو المتوارية خلف الاستعارة التي أعطت أبعادا أخرى للعمل، فتشعب في زاويا أخرى سيكون لها الأثر الأكبر في التطورات المقبلة، حيث يصبح بدر بالتعاون مع باتريشيا اليهودية مشروع جاسوس لجهة غربية لها غاياتها في الاساءة للجمهورية الوليدة.
يفرغ بدر ما فيه من تشوهات الزمن الذي انقلب عليه في عجيبة الذي أكل الزمن منه وشرب، لتصبح القصة بينهما علاقة جلادٍ يتلذذ ويتفنن في امتصاص دماء ضحيته التي تتعلق بحبال الأمل في عودة غير ممكنة إلى أرض ستصبح قريبا مجرى لنهر غيرته السدود فابتلعت مياهه كل ما يحيطه.
لا يجد عجيبة بدا من لحاق بدر الذي أوصله لنهايات متكررة يزيد فيها الألم، فمن عملية تزوير تفقد عجيبة هويته ليصبح فارس السوداني، إلى التهرب منه وتركه لغدر الزمن الذي أفقده أصبع كفه اليمنى بعد مشاجرة كان على عجيبة الاختيار فيها بين خسارة كرامته أو أصابعه، وأخيرا إلى قدر يرميه بين يدي بدر ثانية، لكنه هذه المرة كانت في جنيف.
بدر وعجيبة مرة أخرى في صراع جديد بين مجتمع مخملي مزيف، وآخر فقير معدم من أبسط حقوقه، الاستغلال عنوان اللقاء دوما، وتهاوي وضع النوبيين في مصر الشعرة التي يقصم فيها بدر ظهر عجيبة بصحبة باتريشيا التي أوهمت الضائع النوبي بأن زوجته وابنه في جنيف، حيث لجأ كما أخبرته كذباً طمعا في شخصية مثيرة تستثمر في إثارة العالم ضد مصر.
عجيبة بطل حكايات الموت غرقا والتهجير قسرا من قرى النوبيين، هكذا رأته باتريشيا، أما بدر فوجد فيه ضالته لاستكمال عمله الممنوع في تزيف العملة وتصديرها إلى العالم الذي منح عجيبة ثلاث جنسيات وديانتين ليتحول من مصري نوبي مسلم إلى سوداني مسيحي وأخيرا سويسري يحمل اسم مسيو برنانر.
استغلال حالة النوبي تصل إلى آخرها عندما أصبح مصيره سجنا سويسريا بتهمة التجارة بالعملة المزيفة، تركه بدر مرة أخرى وحيدا، ليخرج بعد سبع سنوات محملا بأسرار عمل جلاده التي رواها له زميل السجن السنغالي الذي مات في ظروف غامضة كان لبدر يدٌ فيها.
يقسم على الانتقام، لكن أي حيلة إلى ذلك، فعجيبة الضعيف لا يستطيع إلى بدر سبيلا، كل ما يملكه كلمات وتهديدات استطاع بدر إخمادها بترفعه الارستقراطي الذي لم يفقده إياه الزمن الماضي، لا فرصة أمام عجيبة للهرب سوى ما يقدمه له بدر من وعود بالعودة إلى مصر والعيش في النوبة.
هناك عند بحيرة السد العالي، حيث وفى بدر بوعد من الوعود الكثيرة التي منحها لعجيبة طوال حياتهما، كان الخنجر الموسوم بالتماسيح الذي أخذه من بدر أخيرا يداعب يده، ينظر عجيبة إلى بدر بابتسامة مبتسرة لم يتعودها، كان بروده أشبه ببركان سينفجر، حيث لحظة فارقة في حياته وحياة بدر أيضا.
رغم تفاصيلها الكثيرة، إلا أن هذه الرواية كانت كاشفا حقيقية لمعاناة النوبيين المصريين الذين فقدوا هوياتهم وأرضهم، فكانوا الخاسر الأكبر في تلك المشاريع التي بنيت لتطور مصر، حيث دفن الكثير منهم تحت الماء، وهجرّ آخرون بعيدا عن أرضهم التي لم يعوض الكثير منهم عنها.
يهرب العشماوي من الرواية التاريخية الكلاسيكية، فيوظف التاريخ بالأحداث التي يسردها، ليظهر التاريخ في قالب النص، رغم الفترة الطويلة التي غطاها بداية من 1933 حتى سبعينيات القرن الماضي، ما يمنحه قوة حكائية أكبر تنقل القارئ بين جانبي الرواية التاريخي والدرامي السياسي.
لا تخلو الرواية الواقعة في 470 صفحة من الجمل والتراكيب الشعرية حيـــــث تزخر بالوقفـــات الوصفية والخواطر التي تركزت في جلها على لسان عجيبة، ولهـــــا ما يبررها من تلك التقلبات التي عاشتها هذه الشخصية التي رســـــمت حولها رواية جزء من شعب لم يجد من يرشده إلى هويــــته التي ضــــاعت في زحام التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الروائي المصري أشرف العشماوي… ليس للنوبي إلا الريح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية