ما معنى أن نكتب رواية؟
هذا السؤال يقودنا إلى إعادة سؤال الواقع الذي يشكل المعيش، هل نحن، الإنسان، نشكل كينونة روائية؟
يقوم الروائي صباحا أو من غفوته الوجودية، ربّما يتأبّط هواجسه أو أورقا لم تكن لتجد طريقها نحو الكتابة لولا القلم الصّغير في أعلى جيب سترته، أوراق تلف وزن اللحم عند قصاب الحي، أو مزق جرائد تلف شيئا من طماطم الأرض الطيبة عند بائع الخضار، أو تلك الأوراق التي تقع مصفوفة على ماسك فوق طاولة المقهى المعتاد، ليستعملها الزبون بعد انتهائه من مزاولة الطقس القهوي اليومي، إنّها طقوس الروائي الأخرى عندما ينتهي من آخر شفطة قهوة تاركا لعابه على بقايا القهوة المتسللة من شفتيه على حواف الفنجان، يتدلى خيط منها على محيط الفنجان ويتدلى آخر في عمقه، إنها أشكال اللعب مع المتخيل.
المتخيل هو رؤية موازية للواقع، وبها يتعدّد، والرواية تجعل من المتخيل مستحيلا ممكنا يسمح بالعيش حيوات أخرى متعدّدة بقدر ما يمكن أن ندركه من السراب. السراب أفق، نتوهم رؤيته، وكلما وجدنا إدراكنا عند حوافه، بنى أفقا آخر، إنّها مغامرة الرواية التي لا يمكن أن تكون جوابا عن سؤال، إنّها الأسئلة حين تبلغ التخييلات مداها الأوسع في تشكيل عوالم موازية.
الرواية عالم المفردة اللغوية التي تنسج حتما عالما من المعنى، أي الدلالة، ولعل الروائي علاء الأسواني في تعريفه لها بأنّها عالم يشبه الواقع لكنّه أكثر عمقا ودلالة، يمهّد لكي يعرّج بوعيه على الواقع المعيش كفاصلة زمنية ومكانية من المتخيّل، ولهذا الاحتمال ما يبرّره فـــي الوعي، إذ الانتظار الذي يشكل جوهر الحياة الإنسانية، انتظار المستقبل في مسار المفاجأة، يجعل من الواقع أكثر انسجاما مع فكرة الكينونة الروائية، لأنّنا في الأخير لسنا سوى حكاية البحث عن حقيقة ما في معترك الوجود، والرّواية تمثل السّقف الأمثل لتمثيل هذه الوظيفة، فهنري جيمس يرى أنّ «المبرّر الوحيد لوجود الرواية هو أنّها تحاول بالفعل تصوير الحياة».
التطبيع المبرّر في عالم الرواية هو ذاك الذي يجعلها في تعالق مع اللغة باعتبارها الجسر الوحيد إلى المتخيل، فالرواية تحتدم فيها الدلالة لتنتج معنى لا يشترك مع الواقع إلا من حيث أن هذا الواقع يمثل التربة التي يعتاش منها المتخيل، فاللغة تعتمر قبعة المفردة لتختفي مفسحة المجال للمستوى التركيبي الذي يجتاز بالمتخيل إلى الدلالة، وحينها نقول عن الحدث الروائي إنّه تخييلي باعتبار عامل اللغة الذي يشتغل على الحدث الواقعي محدثا فيه أغوار التجويف المردّدة صدى المعنى والمجاز كتعبير عميق عن التحول البنيوي والجوهري في مادة التواصل العادية، التي تحيل الأفكار إلى وقائع وأحداث، اشتباك أليم مع المفردة التي تمتزج في تراب التجربة الإنسانية لتقول ما تتودّد إليه الذات الروائية من معالم جرأتها في إحراج السيرورة والعالم، سيرورة الذات الروائية في اختلافها الجري مع العالم كمحاولة أخيرة، لإنقاذ التوافق من رتابة الخضوع للإملاءات الواهية والفارغة وزيف القناعات الباحثة عن الممكن، الرواية سقف الاحتمال واللاممكن لأنها تشكل العالم من خلال اللغة الصائرة إلى المتخيّل.
يتأسّس الفعل الروائي على التيه في أزقة الكلام، الحضور المفاجئ والدائم في بساطة الناس العاديين، البحث عن «حرافيش» يمكن مشاركتهم هم الاكتراث بكلمة يمكن أن تكون معادلا موضوعيا للعالم. نجيب محفوظ لم يكن سوى شخص مرافق للحكاية اليومية للبسطاء داخل أروقة الحارات، صراخ الباعة وتعتعة المكوجي وزعيق النساء وفرح الأطفال حين تدنّس عجلات سيارة أتربة الأمكنة المعزولة في بساطة المتشبّثين بالمعيش، الرواية ليست سوى ذلك الخيط الذي يصل الإكراه بلذّة الحياة اليومية، ليس في جانبها المرتبط فقط بالسعادة، ولكن أيضا الجانب الذي يتحسّس السعادة في براثن الشقاء، لم تكن حياة عائلة «سي السيّد» مع الأب المتغطرس سعيدة بالمعنى الوجداني، ولكنّها كانت كذلك بالمعنى الذي يدمج التجربة في مغالبة الوضع الإنساني المدمن على المحاولة، الرواية هي هذه المحاولة المستدامة للخروج من عنق زجاجة الشقاء، لكن ليس للاسترخاء في أحضان السعادة.
لقد أفصح الروائي النرويجي جوستاين جاردر صاحب رواية «عالم صوفي» الصادرة عام 1991، وهي رواية تحكي تاريخ الفلسفة، حينما سئل عن سبب العودة إلى الفلسفة، علّل ذلك بأنّ ليس كل شيء على ما يرام، فالرواية بهذا المعنى هي المرجع التخييلي الذي يكتنز هامش الضجر والانكسار بحثا عن حقيقة متخيّلة لدفع ذلك الهامش السلبي، لكن ليس بطرح الإجابات، وإنمّا بتوتير فضاء التخييل عبر التشظيات المتتالية داخل الأزمنة المختلفة والأمكنة المتفرّقة والشخوص المنفلتة من إرادة منتجيها، مسار الرواية لا يشكله الروائي، الشخوص هي العوامل الممكنة والوحيدة لسد فجوات القَدَر الروائي.
يزيح خوزيه ساراماغو الحائز جائزة نوبل للآداب الستار عن طبيعة الخطاب الروائي، يقول: إن الحقيقة وحدها غير قادرة على كتابة الرواية»، فالروائي لا يكتب الحقيقة ولو كان أشد التصاقا بها لأنّها هي مادة تشوّفاته، عند مشارفها يبعثر نسق نظامها إلى عناصره البدئية، لكي يعيد تشكيل نسيجها وفق مادة الفن والحدث الروائيين اللذين يتطلبان الانفكاك من عتمة الواقع والولوج في شفاف التخييل، وهو ما يساهم في كسر حاجز الأيدولوجيا بين الذات المنتجة/المتلقية وتجليات الإنجاز الثقافو ـ أدبي البيئوي، وهو ما جعل نص المسعدي غريبا حتى في تلقي جملة عنوانه، «حدّث أبو هريرة، قال»، وتجربة الأدب الأمريكو لاتيني تفسح المجال لكي يعيد الروائي توازنات عوالمه من حيث المخارج والمداخل إلى النص.
فالمعنى في كتابة الرواية، يسطع في محاولة الروائي كممثل للمتلقين عيش أكثر من حياة، باعتبار أنّ المتخيل كينونة معنوية لا تجد صداها الواقعي إلا عبر اللغة، والرواية تشتغل على هذا المنحى لجعل المتخيل واقعا تجسّده لذّة الكتابة متبوعة بلذة القراءة.
لا يحتمل الروائي أن يغتسل من ماء المتخيّل مرّتين، إنّه في كل مرّة يحاول أن يحفر خندقا عميقا لتتفجّر منه الخيالات متجدّدة، حاملة معها ستائر بيضاء تتناثر منها الكلمة مترعة بتراكيب الدلالة، ترفرف في فضاء المعنى ملوّحة بشيء من الإغراء بالمتخيّل النافر بين اليقظة والحلم، وذلك ما يشكل «نبل الرواية» كما يسميه فاسيلي أكسيونوف الذي «يكمن في أنها نوع مفتوح وناقص»، ولهذا حرّرت «النزهة الجالسة» فاطمة المرنيسي من قيد الحرم، لأنها هجرت بها عبر لذّة الخيال بعيدا عن سدود عالم الأنثى المغلق في مدينتها العريقة فاس، فالمتخيل جزء من الاختلاف الذي يرومه هامش الرواية، والذي يعتبر فصلا جوهريا يتأسس على جدرانها، فهامشها «هامش يقظ لا يتحرّك سؤال الاختلاف إلا منه وفيه» حسب عبد الكريم الخطيبي، فالروائي يعيش بين ضفتي الواقع والمتخيّل ليكون الجسر بينهما اللغة التي تحوّل اليومي إلى مادة للفن عبر الهجرة من عالم السدود إلى فضاء العبور، وهو ما لا يعني البتة الانقطاع عن الواقع، بل يؤكد ديمومة سريانه في تفاصيل الرواية، فنحن لا نكتب سوى ما نعيشه، والروائي ككاتب هو «جزء من الحياة قبل أن تهاجر به الحياة إلى الكتابة» كما يرى بول ريكور، وهو ما يكثف المعنى في روائية الكينونة الإنسانية من حيث التفكير نقديا في الفرق بين «رواية الأفكار» و«رواية الحياة»، إذ منذ أن اتُّهمت «الأم» لمكسيم غوركي بأنّها رواية أفكار، تبدى جليا للوعي الروائي دور الروائي كحلقة مرنة تنفصل وتتصل في سياق سلسلة ممتدة بين نسقي الحضور والغياب، ولعل همنغواي كان صادقا في التعبير عن الإنسان ككينونة روائية حين صرّح: «أنا لا أعرف إلا ما رأيته».
كاتب جرائري
عبد الحفيظ بن جلولي