الرواية كإشارة واحدة

حجم الخط
1

ماذا يحدث للقارئ بعد أن يقلب آخر صفحة من صفحات الرواية التي يحملها بين يديه؟
لن تنتهي تلك الرابطة بمجرد الوصول إلى كلمة النهاية، فلا بد لكل ما حدث هناك على الورق المطبوع أن ينتقل إلى القارئ وأن يمتزج ويتكاثف على شكل عملية تفسير، وفي الغالب على شكل تصور ذهني، لا يستطيع الحدس الذي أمضى أياما في حالة ترقب أن يبقى عاطلا عن العمل، سيتحرك جهازه التأويلي لينتج معادلا جماليا أو منطقيا أو ربما اجتماعيا، قد يختصر إلى كلمة واحدة أو جملة قصيرة أو إحالة إلى جزء من الرواية أو شخصية من شخصياتها، وربما إلى مجرد رد فعل مليء بالضيق، كرمي الرواية بقوة على الطاولة. يتعلق موقف القارئ النهائي بعدد الوشائج التي تمكنت الرواية من إنشائها معه وبطبيعتها وقوتها، كما يتعلق بما يمتلكه من ثقافة وحضور ذهني وعقد نفسية وحمولات اجتماعية. وهذا النشاط التأويلي عملية لازمة تعقب قراءة أي رواية، ويمكن أن نسميها تفسير العلامة.
حسب خبراء السيميولوجيا وخاصه البرتو إيكو فإن الإنسان «حيوان رمزي» أو هو كائن مهمته فك الشيفرات، وقدم لنا إيكو السيد سيغما الإيطالي الذي يزور فرنسا، في مقدمة كتابه «العلامة» حيث أصيب سيغما المحترم بألم في المعدة فكان عليه القيام بمجموعة إجراءات ليصل إلى الطبيب، حيث سيتلقى العلاج يتضح أن تلك الإجراءات ما كانت إلا نشاطا يشبه عمل الاستخبارات السرية، بفك مجموعة كبيرة من الشيفرات ليصل إلى الطبيب، شيفرات خاصة بشركات الاتصالات، وشيفرات خاصة بوزارة الصحة، وأخرى خاصة بإدارة النقل والمواصلات، وأهم شيفرة هي شيفرة اللغة. على الإنسان إذن أن يكون «ديكودر» جاهزا للعمل، من حسن الحظ بأنها وظيفة لا تدعو للقلق كثيرا، ولا تتطلب انهماكا كبيرا لأننا نقوم بفك الشيفرات المحيطة بنا بشكل تلقائي، فكل شيء محفوظ في حقيبة ثقافية يمكن استرجاعه دون عناء.
عملية الفك الشيفري لا تتوقف طالما هناك اتصال بالوسط الخارجي، وسيل العلامات المقبل لا يتوقف، بعضها سهل الحل كالتي واجهها السيد سيغما، وبعضها يتطلب بعض الجهد الثقافي، وربما بعض التفكيك الجمالي، خاصة عندما لا تأتي الشيفرات على شكل علامة منفردة معيارية، بل على شكل حزم إشارية كبيرة، طريقة رزمها وتقديمها وطريقة تعاطي المسؤول معها يفرض عليها القيم الدلالية المناسبة، كتذوق اللوحات الفنية والاستماع إلى الموسيقى، وقراءة الشعر كذلك، وقد وسع بارت مفهوم العلامة لتشمل ظواهر أو نشاطات كعروض الأزياء والمصارعة الحرة والبلاستيك والطبخ، ولكنه لم يقترب من الرواية كعلامة مفردة أو شيفرة مختصرة قصيرة وكثيفة.
العلامة تقنية تواصلية ينتجها الإنسان أو يستهلكها كهدف معرفي، يمكن أن تفضي إلى مدلولات جمالية أو معنوية، تتنوع العلامات بشدة، فكل شيء يمكن أن يكون علامة شرط أن تجد له تأويلا، أو هي كل شيء أو حدث يحيلك إلى شيء أو حدث آخر، وهذا تعريف قديم جدا ما زال ساري المفعول لبساطته وعموميته، وهو مذكور في قاموس الفلسفة لنيكولا أبا غنانو، قد تكون عملية الإحالة معيارية أو لازمة ثقافية، كإشارة المرور الحمراء التي تعني المدلول ذاته لكل السائقين، ولكن الاستماع إلى أغنية قد يحيل كل مستمع إلى مدلول مختلف، في هذا النوع من العلامات يكون للمتلقي دور حاسم، وقد يلعب المتلقي الدور الأكبر حتى في مجالات علمية دقيقة فقد تلقى بطليموس إشارة الكون بطريقة مغايرة للطريقة التي تلقاها بها نيوتن، بدوره كان لإنشتاين تفسير مغاير كليا للكون ذاته، دون أن نعتبر أن أيا منهم كان مخطئا، ويمكن إدراج الأدب ضمن هذا النوع، ونحن هنا لا نشير إلى قارئ محدد متخصص كالناقد الذي ينتج نصا طويلا موازيا قد يمثل بدورة علامة، ولكن المقصود ذلك التأمل القصير الذي يمارسة قارئ أعتباطي لينتج مدلوله الخاص.
عندما يتسلم عضو لجنة تحكيم نزيه في مسابقة للرواية مجموعة من الروايات ويباشر في القراءة، فالمطلوب منه انتقاء عدد قليل لتكون ضمن القائمة القصيرة، لذلك يقوم بوضع درجة لكل رواية، تمثل هذه الدرجة المدلول بالنسبة لعضو التحكيم، وهو الحصيلة التي استنتجها من الرواية. المدلول هنا قيمة تفاضلية تتضمن حكما أدبيا مختصرا في رقم بين الصفر والمئة، أو كلمة ذات محتوى كمي كجيد أو حسن، تمكن عضو اللجنة من فك شيفرة الرواية وإعطائها رتبتها المناسبة بعد قراءة موجهة هدفها تقييمي، واستخدام مرجعياته الثقافية والأدبية. تساهم عملية القراءة في إنتاج شكل المدلول النهائي، لأن عضو اللجنة ذاته عندما تنتهي المسابقة ويحصل على المكافأة المالية سيذهب في إجازة إلى شاطئ البحر، وتحت الشمس الساطعة ورطوبة البحر المنعشة قد يقرأ رواية بهدف الترفيه. ليس في وارد عضو اللجنة السابق كتابة نص نقدي للرواية التي قـــــرأها فهو يكتــــفي بوضعها جانبا على الرمل وقد يبتسم وهو يعدل من وضعية نظارة الشمس على عينيه، ويستعيد ببطء شخصيات الرواية أو شخصيتها الرئيسية، أو يسترجع موقفا محددا مفصليا أدى إلى حدث مهم، تأخذ الشخصية أو الحدث المستعاد موقع الدرجة الرقمية ليس كتفاضل، ولكن كمدلول يميز هذه الرواية، بحيث يمكن أن يسترجع عضو اللجنة السابق هذه الشخصية أو هذا الحدث عند رؤية هذه الرواية مرة أخرى خلف زجاج إحدى المكتبات، كما يستشعر السائق الخطر بمجرد أن يرى ضوء الإشارة الحمراء.
قراءة الرواية تجربة إنسانية كالتأمل في الكون الذي أنتج نظريات مفيدة، عملية تمثيل لحشود الشخصيات والأحداث والاستعارات لتكوّن شيء يحيل إلى شيء آخر، لن نبحث عن ذلك الشيء عند الكاتب فهذه «أصولية أدبية» تم تجاوزها، يجب ألا نقفز فوق النص ولا أن نتقصد البحث عن مدلول بشكل صناعي، فالمدلول ليس كيانا ماديا مدفونا بين السطور بطريقة سحرية، هو شيء يهيم فوق النص على ارتفاع منخفض،لا يمكن القبض عليه ولكن يمكن تشكيله ببطء بالطريقة ذاتها التي نستخلص فيها المدلول من جملة قصيرة فيها استعارة شعرية جميلة، فالرواية مجرد جملة طويلة تحتوي على عدد أكبر من الاستعارات، وقد تحتوي على عدد أكبر من الرموز والأيقونات التي ترتبط مع بعضها بشكل نحوي أو سردي أو سببي، يمكن إرجاع مجموعها أو تبسيطه إلى إشارة واحدة بعملية هضم ذهنية تستخدم فيها العصارة الثقافية المختزنة، قد لا يرتبط المدلول الناتج بمكونات الرواية البلاغية ولا بأبطالها ولا بأحداثها ولكن كل ذلك يمكن أن يكون حاضرا فيها، لتبدو العملية كلها وكأنها تفسير اعتباطي يخضع لقواعد قليلة ومتغيرات لا حصر لها لتكوين ذلك الشيء الذي ندعوة علامة وعلامة واحدة فقط خاصة بقارئ محدد. أما إذا قرئت الرواية ومرت أحداثها ولم نكن قادرين على التعبير عنها الا بنص طويل فعندها يتميع المدلول وقد يصاب جهاز التأويل بالحيرة والالتباس، وعند حضور هذه الرواية أو استحضارها أو مرورها فلا يظهر إلا التردد كموقف معرفي منها.

٭ كاتب سوري

 

الرواية كإشارة واحدة

محمد يعقوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية