النص الإبداعي، بكافة أجناسه، هو مقترح تغيير ثقافي وليس إعادة تسجيل لوقائع أو مجريات اليومي، كما يقترح البعض، تثبيتا لواقعية النص أو تحديدا لهويته المكانية (الوطنية).
النص الإبداعي، وكما تقول لغة الشعر، هو عملية (هدم للذة لبناء ألم أكثر لذة)، وهذا يعني أن النص، كمقترح ثقافي، هو عملية هدم وتقويض وخروج على حالة تناقض أو إشكالية فهم لوضع راكد لم يعد قادرا على تقبل أو هضم الأوضاع والمقترحات الثقافية التي تفرضها سيرورة وصيرورة عجلة الحياة في تشوفها وتطلعها للتطور الحضاري ومعطياته الجديدة.
هذا الفهم (الشاذ!!) في الثقافة وطريقة التفكير العربيتين هو أشبه بعملية إقامة برج إيفل في الواقع والبيئة الثقافيتين العربيتين في مطلع القرن الثامن عشر، وما كانت ستواجهه من إستنكار، عملية (هدر) كل أطنان الحديد التي إستخدمها ذلك المهندس الفرنسي (إيفل) في إقامة برجه العملاق… كمعلم جمالي (في ظاهره) لا أكثر!
العقل العربي الذي ينطلق من مبدأ العملية والإستخدام الأمثل للأشياء، وفق طريقة تفكيره المحافظة المتوجسة والمعادية للتجريب ولما كل ما هو جديد وهادم للقديم والراكد، لم تخترقها، في تاريخنا الثقافي الحديث، سوى بعض العقول الصادمة والجريئة، التي إمتلكت الجرأة على تبني مشروع (هدم اللذة القديمة) من أجل بناء (ألما أكثر لذة)، من أمثال نزار قباني وأدونيس وسعدي يوسف ويوسف ادريس والطيب صالح وجبرا ابراهيم جبرا وحيدر حيدر ونصر حامد وسيد القمني وفرج فودة… وبعض الأسماء القليلة الأخرى، التي لا يكاد يشهد أثرها الثقافي، بسبب قلتها ومحاربة جهدها.
لقد ظلت فكرة عملية إقامة برج إيفل (بالمقصد المجازي للفكرة طبعا) في العقل والثقافة العربيين ووسائل التعبير عنها، فكرة عصية على التقبل والهضم، وخاصة في حقل الرواية، وذلك لعدة أسباب، أهمها هو إصرار العقل والذائقة العربيين على حصر الرواية، كجنس إبداعي مستحدث ومستورد، في ثوب الحكاية الفنتازية والخرافة الاسطورية، عبر رؤيتها (ذائقيا) من خلال (خرم) حكايات ألف ليلة وليلة، بمحمولها الحكائي لا بنائها الإشاري والرمزي، أولا، وثانيا إصرار الذائقة والرؤية الأكاديمية (النقدية الرسمية!!) على حصر جهد الرواية العربية في محمول الجهد التعليمي (التلقيني المدرسي)، من دون المحمول الإبداعي التطلعي؛ أي تلقينها للطلبة كمجموعة من التقانات والمحددات والشروط الشكلية التي تستوفي عبرها، كعمل، مسمى رواية، لا عبر أهدافها الثورية ـ الثقافية ومحمولاتها التقويضية لما عفى عليه الزمن من الأفكار والرؤى والبنى المفهومية والقيمية للحياة وطرق العيش فيها والتعامل معها.
وكما ظل أدونيس وسعدي يوسف، وإشتغالاتهما التي بلا جمهور ـ بتوصيف أدونيس ـ كبرج إيفل رمزي في تأريخ وحياة القصيدة العربية الحديثة، ظلت الأعمال الروائية الكبيرة (الهادمة للذة العابرة) محدودة العدد والأثر في الحياة الثقافية العربية، كمقترحات ثقافية تقويضية تدعو لهدم الخرائب القديمة من أجل إقامة (ابراج إيفل) في مكانها… تكتشف عقولنا النائمة وذائقاتنا المتحجرة، (وكما حصل مع الحكومة الفرنسية، ذات غفوة عقلية وحسية، وفكرت بإزالة برج إيفل لعدم جدواه الاقتصادية… ثم عدلت في النهاية عن ذلك القرار) أنها كانت أجمل وأهم منجزاتنا الثقافية والحضارية وأشدها أثرا في خروجنا لدنيا الحداثة ومعاصرة العالم وتأريخه من حولنا.
طبعا من نافلة القول أن نقول أن العيب ليس في طريقة تفكير أو توقد ذهنيّ أدونيس وسعدي يوسف، لأن كل أرض هي صالحة لإقامة برج إيفل على ترابها (مجازا وتجاوزا طبعا)، وطبعا هذا ينطبق على العقول التي تنتج الرواية أيضا، إلا أن (إيفل الرواية العربية) أبت الذائقة ـ قبل الذهنية الثقافية العربية ـ أن يقوم لغايته التي إبتدع من أجلها، وذلك لتقولب الذائقة الثقافية العربية على الشعر كوسيلة تعبير أولا، وثانيا لأن الرواية أكثر سعة و(فضائحية) في كشف المستور من حالة التخلف التي يعيشها العقل والذائقة العربيين، وكذلك أكثر جرأة في تقديم مقترح تغيير للحالة الثقافية القائمة التي يعيشها العقل العربي، ولهذا تحارب الرواية و(رؤيتها الهدامة) وبغطاء ودفع سياسي مؤدلج غير بريء، سواء من قبل السلطة التعليمة الأكاديمية أو من السلطة السياسية، ممثلة بمنافذها الثقافية الرسمية.
تأتي أهمية الرواية كإقتراح ثقافي واسع الأثر وشديد الوقع من واقع كونها صيغة حياة بديلة لواقع مأزوم أو متخلف أو معتم عليه من قبل السلطة السياسية، ولهذا وقفت السلطات السياسية العربية بكل قواها لتحجيم دورها في البلاد العربية عبر منافذها التعليمية (الأكاديمة على وجه الخصوص) ومنافذها الرقابية المباشرة… أو غير المباشرة، كما ظهر مؤخرا، عبر الجوائز المخصصة للرواية، والتي إنتشرت خلال السنوات الأخيرة بصورة ملفتة للنظر، وركز عليها الاهتمام الدعائي والإعلامي، رغم كل ما ألحقته من أضرار (تحجيمية) بالعملية الإبداعية وحرية التفكير عبرها، وما أشرته ـ هذه الجوائز ـ من دور تسطيحي للفعلين الإبداعي والثقافي.
ولعل أهم ما بات يهدد إبداعية هذا الجنس الأدبي هو الإشتراطات والمحددات التي باتت تفرضها المدرسية النقدية العربية ولجان تحكيم الجوائز، المكونة من أفراد هذه (المدرسية) في أغلب الأحيان، والتي صارت هي المعايير (الرسمية) لفوز الرواية بإحدى هذه الجوائز، وعلى خلاف ما يدلل عليه تأريخ هذا الجنس الإبداعي، والذي يختصره (كوتزي) كما يلي: (إن كلمة رواية تعني شكل الكتابة التي لا قواعد لها… أي التي تخلق قواعدها الخاصة وهي تتشكل)… بمعنى أن الرواية هي الجنس الذي يصنع قواعده خلال فعل تشكله، سواء الفنية أو الثقافية الإستهدافية للعقل والذائقة الثقافيين لأي مجتمع من المجتمعات.
ولعل مثال الروائيين السوريين، حنا مينة (المحافظ في رؤيته والمجسد لركود النظرة الإجتماعية والسلطوية فيما طرح وعالج في رواياته الواقعية ـ الإجتماعية) وحيدر حيدر، (الثوري الهدام للراكد والمتطلع أبدا للتجديد) خير مثال على ما نقول.. فالأول عاش راضيا ومرضيا عنه من قبل السلطة ومنح الجوائز والإهتمام، بإعتباره يمثل حاجات ومعاناة المواطن، (لأنه كاتب الشعب، بتصنيف نقاد السلطة الرسميين) والثاني عاش مطاردا مشردا ومغضوبا عليه من قبل سلطة بلاده، لأنه مثل بالنسبة لها، عنصر هدم مشاغب، سعى لتحريك ماء البحيرة الراكد، وعلى خلاف ما أرادت تركيزه وتثبيته حكومة بلاده، وعيا وطريقة تفكير وإستقرارا يمنحها البقاء في السلطة بلا منغصات ثورية وتقلبات سياسية، قد تسحب الكراسي من تحتهم.. ولهذا جاءت روايات حنا مينة بصيغة الحكايات البكائية المتوجعة على آلام المحرومين من أبناء الشعب، في حين جاءت روايات حيدر حيدر بصيغة المقترحات الثقافية البديلة… والإستفزازية طبعا، التي تطرح رؤاها بروح ثورية مقوضة وقالبة للقائم الراكد، والمحرضة على إقامة (إيفل بديل وحديث) على أنقاض خرائب القديم المتداعي… من الأفكار والرؤى التي لم تعد تتماشى مع روح العصر.
إذا فالنص الإبداعي، والرواية منه على وجه الخصوص، هو مقترح ثقافي تشوفي لما هو قافز على ومتجاوز لما هو قائم من نظم التفكير وطرق الرؤية، من أجل معاصرة حياة المجتمع لسيرورة العملية التأريخية، في متطلبها الحضاري والثقافي، يطرح البديل (المشاغب) والهادم لوثن الإستقرار، والمطوح بقداسته، من أجل إحلال بديل المعاصرة والتحديث… مهما كان (مشتطا) ومفزعا لرؤية السلطة، سواء كانت سياسية أو ثقافية مؤدلجة ترى الحياة بلون واحد… لون ركودها… المستقر على سطح البحيرة… دون الإلتفات لما يعيش تحت ركود ذلك السطح من حيوات وأسئلة وأحلام وتشوفات تطالب بإستحقاقاتها.
كاتب عراقي
سامي البدري