الرواية وأسرار الشجر

حجم الخط
0

كثيرا ما يربط القراء بين السيرة الذاتية للكاتب وما ينتج من قصص أو روايات، لكنهم في الغالب لا يعرفون أن لأدب السيرة خصائصه ومواصفاته من حيث: عزلته، فرديته، انتقائيته (في عالمنا العربي)، ورؤيته التي قد لا تخرج عن نطاق كاتبه، وهي على أي حال خصائص لا تندرج تحت عنوان الرواية أو القصة.
لكن، حين تبلغ الرواية حد إقناع قارئها وناقدها، بأنها تمثل سيرة ذاتية لكاتبها أو لسواه ـ على الرغم من أنها ليست كذلك ـ فهذا يعني أنها نجحت في اقتيادهما إلى مخابئ وهمية، وفخاخ وحيثيات سحرية تمكنت من تحويل الخيال إلى حقيقة مصادق عليها من قبل القارئ الذي لا يقتنع في حالات كثيرة بأن أحداث الرواية ليست حقيقية، وأن حياة كاتبها الشخصية بعيدة عنها.
صحيح أن الروائي لا يستطيع استبعاد ذاته كلية عن مشروعه الروائي، غير أن هذا لا يعني هيمنه الذاتي على الموضوعي الذي تترسم حدوده خارج إطار الذاتي عبر التفاهم معه، ومعروف بالطبع، أن كتاب الرواية والقصة يوظفون ثقافتهم وتجاربهم في أعمالهم، وهو أمر طبيعي وضروري، إذ من أين يأتون بموادهم الأولية؟ من الخيال؟ لكن الخيال أيضا، مبني على الواقع، وهو إضافة إلى هذا عملية يمارسها مخيال مرتبط بعقل بشري يقيم عملياته الحيوية مستفيدا من عناصر خبرة الكاتب، ثم يقوم بعملية التمثيل المعقدة التي لا تنتهي إلا حين الانتهاء من الكتابة، لهذا فإننا نمعن في تعسفنا وظلمنا للرواية، أو أي جنس أدبي آخر، إذا ارتكزنا على سيرة الكاتب وحدها في تفسيرنا لعمله.
شيء واحد فقط هو الذي يمكننا فعله لتفسير العلاقة بين السيرة الذاتية والإبداع، وهو أن نعيد تفكيك العناصر المكونة للرواية مثلا، وإعادتها إلى أصولها التي حدثت في الواقع المعيش، لكن هذا يبدو أشبه بمحاولة تجريد أوراق الشجر من صفة الإبداع، عبر إرجاعها إلى عناصرها الأولية: التربة، الماء، ثاني أوكسيد الكربون، الطاقة والضوء… بمعنى أن نقوم بتحليل عملية التمثيل الكلوروفيلي وإعادتها إلى عناصرها ومكوناتها الأصلية.
هذه العناصر تمثل واقعا أرضيا قائما وملموسا، إنها أصول محسوسة، وهي جزء من «السيرة الذاتية» لكوكبنا، لكنها بتفاعلها تنتج شيئا مختلفا تماما، لا يشبه أيا من تلك العناصر المكونة لها، إنه النموذج الإبداعي: الورقة الخضراء التي لا يمكنك أن ترى فيها شيئا من التربة أو الكربون أو الطاقة أو أشعة الشمس.
إن الخبرات والتجارب والأحداث التي عرفها أو عاشها الكاتب، تمر في ما يسميه «جورج لوكاش» معمل الروح الذي يستعصي حتى على الفهم العلمي، هناك تتم ممارسة التأثيرات العميقة التي تحيل الخبرات والتجارب إلى نتاج إبداعي مختلف عن مكوناته التي قد تكون جزءا من الواقع، لكنها على أي حال، تعكس رؤية الكاتب على الرغم من امتناعه عن التدخل فيها، أو فرض تلك الرؤية. والمسألة هكذا تبدو أكثر جلاء، فتجارب الكاتب الشخصية، ثقافته ومعارفة، سيرته الذاتية، وخبراته، كل هذه شكلت المادة الخام التي تكون العمل الإبداعي منها، وربما تتطلب الدقة ألا نستخدم عناصر السيرة الذاتية في تفسيرنا أو فهمنا للرواية، ولو فعلنا ذلك، فسنكون مثل من يطلق مسميات «الماء والتربة والطاقة والضوء…» مجتمعة على ورقة الشجرة، من دون النظر إلى ما هو إبداعي فيها.

روائي فلسطيني

جمال ناجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية