عد السرد بأكثر من صوت أو السرد متعدد الأصوات من سمات التجريب الروائي وقد اكتسب مشروعيته وأهميته تحديدا منذ ظهور تنظيرات باختين ومسألة حوارية الرواية التي فتحت الباب لكتابة روائية يتعدد رواتها ويتنوعون حتى لا نعرف تماما متى يخرج علينا راو جديد في مسار المغامرة الروائية، وتظل تقنية تعدد الرواة علامة حداثية تنتسب إلى الرواية الجديدة…
وقد استعمل الروائيون تقنيات عديدة لخوض هذه التجربة فتخرج علينا أصوات رواتهم متشابكة، فهذا الراوي الضمني وذاك راو أول وذاك راو ثان، وذاك صوت شاهد أو مخطوط أو رسالة، فظهرت الرواية الجديدة عبارة عن لقاء أصوات متعددة تتناوب الحكي وتتجاذب أطراف الحديث… إن الرواية المتعددة أو الرواية بأكثر من صوت هي رواية تقنع بامتياز، حيث يتوزع صوت الراوي هنا وهناك، وهي رواية دمقرطة حيث المجال متاح للحكي وللحكي المضاد وللرأي الآخر، وهي بالتالي توسع إمكانيات القراءة والتأويل وتفتح الرواية على فنون أخرى قريبة منها كالمسرح والسينما… والمتأمل في هذا المسار يلحظ أن الرواية كثيرا ما تجاوزت تعدد الأصوات إلى تعددية أخرى على مستويات الأشكال السردية، حيث تنفتح الرواية على اليوميات والرسائل والتقارير والكتابات الصحافية وغيرها من أنماط الكتابة… وربما فاجأ هذا التعدد القارئ وكسر انتظاراته الأولى ودفع الرواية إلى تسلق أغوار ومغاور تخييلية عديدة… وقد أصبح حضور هذا التوجه بارزا في عدة أعمال روائية عربية جديدة…وقد حرصت فاتن كشو في روايتها «زمن الكلام الأخير» على أن تغترف من جماليات هذا التعدد وما يحدثه من حوارية فتناوب على السرد عدد من الرواة هم بعض شخصياتها ومنهم الكتورة نسيمة والفتاة نور الديماسي وكاظم العراقي وسليمان وزهرة ومهدي ونزيهة حشانة وغيرهم..
لقد استنطقت الكاتبة أغلب الشخصيات وجعلتها تساهم في بناء الحكاية وتدلي بأصواتها ووجهات نظرها وتبوح بما يجيش في صدورها… كما تعددت الأشكال السردية بدورها حيث السرد الذاتي والمذكرات والخاطرة والشعر، وهو ما يجعل النص الروائي مفتوحا لمختلف الأجناس الأدبية، وهي ظاهرة أخرى بدت مطروحة في مختلف التجارب الروائية الحديثة، حيث يميل الجنس الروائي إلى أن يكون ذا صبغة كرنفالية باختينية…
ورغم البعد الواقعي في هذا النص الروائي، وتمحور الحكاية حول مكونات سردية واقعية من شخصيات اجتماعية مألوفة… شخصيات صهرتها المدينة في فضاءاتها ودفعتها نحو الحياة، تمارس الحلم والحب وتقع في المحظور والخيبة وتدور في فضاءات واقعية، إلا أن الكاتبة أحدثت نوعا من التخييل العجائبي وذلك بتجاوز الزمن وتخيل الكتابة بعد عقود من الآن، وما يحدث من وسائل اتصالية استعملتها المحامية في رحلتها «مسحت بإصبعي على صفحة الشاشة الإلكترونية، فبدا لي وضع طائرتي الشخصية فايو فأشرت إلى شاشتي لتبدأ عملية الشحن وأجدها جاهزة ريثما استعد للسفر…». وتضيف «ركبت فايو التي رحبت بي في حال صعودي إليها، إذ هي تعرفني بالموجات التي يطلقها جسمي وانفتح باب المستودع تلقائيا نتيجة لذلك..».
لعل الكاتبة تكتب نصها بنزعة حالمة بالغد ومحاولة توظيف الخيال العلمي وهي حوارية أخرى بين النص السردي التخييلي وبين نص الخيال العلمي… كما يلمس القارئ بيســـر أن الكاتبة كتبت نصها بلغة تحفل بالشعر الذي يــــرد كنص أو عبارات وتراكيب متأثرة بالكتابة الشعرية، فثمة بين السطور تخــييل وتصوير على نهج الشعراء ولعل المخطوط الذي نسب إلى شاعر عراقي وعنوانه «حبيبتي» و«الأغنيات الحزينة» وهو مخطوط متخيل طبعا قد أضفى الكثير على حضور الشعر في هذا العمل، ومن مقاطع ذلك قوله:
«بنات المعبد سيرقصن حولك رقصاتهن الساحرة… أنت الآن على أرجوحة من الورد والياسمين في درجة من الحب والحنين… لا تعبئي الآن بالغزاة ولا بنعالهم الغليظة ولا بنيرانهم الحارقة… أنت هنا في هذا الماء الدافئ تنشدين لبنات أوروك ترانيم الحياة وهن يسقين الخمور على سيقانك المرمرية…».
أستطيع القــــول في هذا المستوى أن فاتن كشو قد بثت في عملها العديد من علامات النضج الروائي فكتبته بنزعة حوارية تحاور فيها الرواة والأشكال السردية وتحاور فيها الخيال السردي والعلمي وتحاورت فيها لغة الشعر ولغة السرد وهو ما انعكس على الحكاية التي جاءت بدورها حاملة لحوارية فكرية واجتماعية…
حكاية تداخل زمنها واستعملت فيها الكاتبة تقنية الانحراف السردي، ليبدأ السرد انطلاقا من إعلام الدكتورة بوجود جثة ويمضي استرجاعيا حينا واستباقيا حينا آخر… حكاية تنطلق شخوصها حالمة وباحثة عن الحياة، ولكنها تقع في مستنقع الحياة…حكايات عشق تتحدى الظروف والزمن والقيم، ولكنها تفشل في النهاية… مسحة خيبة تنتهي عندها العلاقات الحالمة في هذه الرواية وينكشف سر الجثة وتظل الدكتورة فوق ضريح الحبيبين تعرض قصائد الحبيبين..
زمن الكلام الأخير» فاتن كشو- زينب للنشر تونس
٭ باحث تونسي
رياض خليف