بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: في يوم واحد رحل أديبان عراقيان، أثرا بشكل مباشر في الساحة الثقافية العراقية، أولهما قاص له تجربة مميزة في عالم السرد، وفي البحث عن التاريخ والعشائر وتاريخ الأدب، وهو القاص والروائي عبد عون الروضان… والثاني أصدر منذ ستينيات القرن الماضي عشرات المجموعات الشعرية وكان من تلاميذ السياب، حتى أنه لم يستطع الخروج من معطفه؛ على حدِّ قوله، وهو الشاعر محفوظ داود سلمان.
عبد عون الروضان
77 عاماً عمر الروضان، قضى أكثر من ثلثيه قاصاً وروائياً وباحثاً، فهو المولود في شتاء عام 1939، حسب ما يقول في يومياته: «كانت الامهات يؤرخن لولاداتهن وأفراحهن ووفياتهن بما يصادف من أحداث طبيعية أو غير ذلك، كالفيضانات والأوبئة التي تجتاح الناس، أو الغزوات أو الحروب القبلية وغيرها. تقول والدتي في ليلة مطيرة استمر فيها المطر ثلاثة أيام حتى كادت تغرق المدينة، وحتى قال البعض إنه الطوفان آت. في تلك الليلة ولدت على ضفاف دجلة في مدينة العمارة جنوب العراق من أبوين عراقيين عربيين».
كانت ولادته منبعاً للسرد، وحياته كنز حكايات استقاها من مدينة العمارة والجنوب العراقي، حتى أصدر أكثر من مجموعة قصصية ورواية، فضلاً عن أبحاث في موضوعات كثيرة دارت أكثرها حول التاريخ العراقي والأدب العربي، ومن إصداراته: «بيت في مواجهة الشمس» 1976، «المدارات» 1979، «رجل في ذاكرة الرجال» 1984، «النجوم لا ترحل بعيداً» 1987، «مرايا متقابلة» 1993، «قفص من فضاء» 2000، فضلاً عن روايته «زائية الوجد».
وفي الكتاب الذي أصدره عنه القاص والروائي جاسم عاصي، يقول عنه: الكتابة عن تجربة القاص والباحث عبد عون الروضان تتطلب النظر إلى مجمل تلك الاهتمامات. لأنها أثــّرت وأثــْرت نصه بما امتلكته من محمولات معرفية من جهة، وما وفرته من مساحة للرؤية إبان إنتاج النص من جهة أخرى. فشمولية ثقافته ظاهرة معرفية ساعدت على تصعيد وتيرة النص لديه. غير أن جانباً مهماً في اشتغاله لابد من التنبيه له، وهو يخص تشكل شخصيته الاجتماعية والأسرية التي لعبت دوراً كبيراً في ترصين كتاباته، ومنحها روحاً حية. ويضيف: عبد عون الروضان في مجمل مسيرته الأدبية والحياتية؛ لم يترك فجوة من دون أن يشغلها الإبداع. فمن التعليم وتجاربه من خلال معايشة بيئات مختلفة، إلى التقاعد والتجوال بين أروقة متون المعرفة داخل العراق وخارجه، وسعيه للدراسة وتمكّنه من الأداء بلغات أخرى. كل هذا كان بمواجهة تراجيديا حياتية قلما تعرّض لها أب ومبدع كبير وحساس مثله. غير أن صبر الرجال اجتمع في رجل واحد، جسدها أكثر في مثابرة مستمرة لإنجاز أعمال بحثية خارج اهتمامه الأدبي، غير أنه وجدها تصبّ في داخله. وفعلاً هي بمثابة المعين الذي يُعين الكاتب ويلوّن أجواء نتاجه في القصة والرواية. فاختياراته للمعاني والأشكال والرموز كانت أهم ما يُميّز نصه. كذلك قدرته على تقريب الخاص من العام، ونقصد بذلك؛ الكيفية التي يستطيع من خلالها تعشيق الهم الذاتي مع الهم الجمعي.
وفي رؤيته للنص الأدبي واختيار العنوان، يقول الروضان في مذكراته: «إن العنوان يتأثر باللاوعي ويفرض ضوابط معينة، واشتراطات خاصة. هذا العنوان لا يصلح.. لماذا؟ وهذا العنوان لا يصلح؟ لماذا أيضاً؟ أظل أبحث وأبحث. أحد العنوانات قابل للتطوير. هناك شرفة في الطابق الخامس عشر من فندق ما، بطل القصة محتجز في الشرفة، لا يستطيع دخول غرفته، لأنه خرج فأوصد الباب وراءه. هو سجين، لكنه في الفضاء الرحب. إشكالية من نوع ما يمارس حريته بشكل كامل، لكنه في قفص. ماذا أسمي هذه القصة؟ وضعت عدة عنوانات: سجين في الفضاء.. لا.. عنوان عادي.. أسير الفراغ.. لا.. قفص في فضاء.. لا.. فيه الكثير من المباشرة. وأخيراً جاء الفرج.. قفص من فضاء.. عنوان جميل، لقد تحول إلى قفص…».
لعل الثقافة الشاملة واحدة من أدوات المبدع لإنتاج نص يتسم بالثراء والإحاطة المعرفية، ودراسة اللغة الأخرى واحدة من تلك الروافد التي أغنت نص الروضان، بما وفرته له من العناية بالحبكة القصصية والمعمار وتنشيط الرؤى المنفتحة على آفاقٍ واسعة، ونعني بها الفضاء القادر على تأسيس نمط من البناء الذي يُحفـّز على القراءة. فالحبكة دليلٌ للمتلقي وهو يتسقط حيثيات النص ضمن المعاني والبناء. هناك كم هائل من النصوص الروائية والقصصية التي لا تشي ببعدها المعرفي بسهولة، وأخرى تظهر من خلال المعاني أو البناء. ونصوص الروضان واضح فيها مثل هذا التأثير، الذي نراه يمنح النص الرصانة والقدرة الفنية من جهة، وإغناء للمعاني وإثراءها من جهة أخرى.
من جهته، يشير الناقد عباس خلف إلى أن تجربة الروضان ينطبق عليها قول النفري «كلما تتسع الرؤيا تضيق العبارة»، تجربة واسعة وكبيرة ومتنوعة، ندرك أن ثراء الأشياء ينطلق من محمولات أدبية وفكرية وفلسفية معمقة يتعايش معها الفنان ببعدها الفني والأدبي، لكي تكون زاداً للكتابة الإبداعية، وهكذا نفهم أن ما خاض فيه المبدع على مدى سنوات إنتاجه الأدبي، سواء في عمله الصحافي أو الإشراف على بعض برامج التلفاز الثقافية أو في مجال الإبداع السردي.
محفوظ داود سلمان
بعد عامين من ولادة عبد عون الروضان، ولد في المدينة نفسها الشاعر محفوظ داود سلمان، غير أنهما رحلا في العام نفسه وفي اليوم ذاته وفي المدينة عينها: بغداد.. إلا أن سلمان أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة البصرة، وتخرج في قسم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد عام 1963، ليعمل بعد ذلك في وكالة الأنباء العراقية، ومن ثم بالتعليم الثانوي، ثم عاد للعمل في وزارة الثقافة والإعلام منذ عام 1970 في دائرة الإعلام الخارجي. وخلال تلك السنوات أصدر سلمان عدداً من المجموعات الشعرية، منها: «صلاة بدائية» 1976، «مملكة الأنهار» 1986، «انتظريني بثياب القتال» 1987، «يوميات طرفة بن العبد» 1995، «عالم بلا حدود» 1997، وغيرها الكثير..
وفي حديثه عن تجربته الشعرية، يسرد سلمان: يقول بعضهم في البدء كان الشعر، وإن الشاعر طفل حالم يبحث عن يوتوبيا لا وجود لها، ويريد أن يعيد بناء العالم وتركيب الكون وفق أنساق في مخيلته، وعندما يبدأ مشروعه فهو يشتغل على الكلمات أو على اللغة، مثلما يلعب بالخرز الملون أو بالأصداف. إذا كان مثلي قد ولد على ضفاف نهر دجلة في لواء العمارة عام 1941 وتحت دوي مدافع الحرب العالمية الثانية. ولواء العمارة ترك في نفسي نقوشاً محفورة على حجر منها شخص اسمه إبراهيم حميد مكي كان يسارياً في الأربعينيات وكان يردد:
يا ظلام السجن خيم
إننا نهوى الظلاما
ما ظلام السجن إلا
فجر يوم يتسامى
فسقطت في الغواية وأصبح مثالي الذي أبحث عنه. وفي العمارة دخلت مدرسة فيصل الثاني تقع في سوقها الكبير، وأذكر جدرانها التي ينمو الملح فيها وجرسها الحديد على شكل حدوة حصان. وفي العمارة ركبت لأول مرة باخرة بريطانية تسمى «دامراه» في نهر دجلة وكنت أعتقد أنني في البحر ارتاد فضاءات جديدة، وهذا ما جعلني وأنا أعود إلى البصرة التي انتمي إليها حيث النهر والشراع والنخيل أتوحد مع أنهارها وبحرها».
ويضيف سلمان: عند ما بدأت اشتغل على اللغة كان ذلك في متوسطة غازي للبنين، التي تقع على جسر الغربان، في الوقت نفسه الذي كتب فيه سعدي يوسف قصيدة سالم المرزوق «إلحاح» عام 1956 وبدأ دعوته لكتابة شعر بصري محلي، ولم أستطع مقاومة هذه الدعوة. وأنا اعتقد أن البصرة هي غرناطة سعدي مثلما كان لوركا، له غرناطته. وداره على طريقي عندما أذهب إلى السوق القديم في البصرة وأردد دائماً أمام بابه تلك العصافير. وكان في ذهني أن الشاعر لا يمكن أن يكون شاعراً إلا إذا دخل السجن، وأنا أخطو خطوات الجواهري في «تنويمة الجياع» والسياب في «فجر السلام» وكاظم السماوي التي كنا نتداول قصيدته «الحرب والسلام» حاملاً خطاباً شعرياً وميولاً استعراضية في داخلي. وحين تحدث الناقد فاضل ثامر عن تجربة محفوظ، أشار إلى أن الشاعر محفوظ صياد جوائز.. وفاز بكثير منها.. يكتب ملحمة شعرية في أي موضوع يتناوله. تحول من الإنتاج السريع والعاجل إلى الإنتاج النوعي الجيد. تجربته هل نصفها بشاعر ستيني؟ لأنه حاكى خالد علي مصطفى، أو سبعيني لأنه أصدر أول قصائده في عام 1976.. وأضاف: محفوظ تربى على القصيدة السيابية الخمسينية. وقد وجدت له مجموعة المقبرة في الخمسينات… مجموعة مراثي. حتى أسلوبه سيابي كذلك طريقته بالتكوين والغنائية. هو حالة مستعصية، أي لم يحسب على جيل ما، وهي تجربة بحاجة إلى بحث أكبر وأعمق لتحديده.