القاهرة ـ «القدس العربي» : بينما كانت العائدة من الاعتزال حلا شيحا تثير مزيدا من الجدل، وتظهر في فيديو جديد بدون حجاب عائدة للأضواء، كانت المعارك تشتعل قبيل عيد الأضحى مباشرة بين سلطة لا ترى في الأفق سواها، ونخبة بعض أفرادها يستخدمون خطابا استعلائيا في عزلة عن الأغلبية، فيما السواد الأعظم من المعارضين يراهنون على قرب الخروج من محنة الاستبداد، رغم القبضة الأمنية المهيمنة على كافة مرافق الحياة.
قبل العيد سكب يحيى القزاز اعترافا على الرصيف: «لم تعد لنا مطالب سوى المعاملة الحسنة في السجون وأثناء الاعتقال». ومن معارك امس في الصحافة المصرية، الهجوم على الإخوان من قبل سليمان الحكيم: «لو كانوا ملمين بأبجديات السياسة لأدركوا أن المأزق التاريخي الذي غرقوا فيه ليس هو الوضع المناسب لتقديم مبادرات، أو فرض شروط، أو تحقيق مطالب، ولكنها أوهام القوة وغرور التمكن». أنور الهواري كان متحليا بكامل شجاعته أمس: «الرئيس مسؤول أمام الله، والمسؤولون – كبيرهم وصغيرهم – مسؤولون أمام الرئيس، والشعب مركون على هامش الصورة (مفيش ديكتاتورية أكتر ولا أوضح من كدة )».
وما زال الهجوم على السفير معصوم مرزوق يتواصل على ألسنة كل المقربين للنظام، فضلا عن الكتائب الإلكترونية التي تطلق سهامها ضد الرجل على مدار الساعة، ومن بين الذين سقطوا صرعى المعارك الممثل خالد أبو النجا، الذي تربص له أحمد جلال في «الأخبار»: «أبوالنجا ترك الفن وتفرغ لدعم الشواذ كعادته، وقال بالنص إن المثليين ولدوا بميول رومانسية للجنس نفسه وهذا موثق علميا ومؤكد ككروية الأرض، والجهل بهذه الحقائق هو ما ينقص المجتمع لفهم ما يعانيه المثليون».. وقد اهتمت الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 16 أغسطس/آب بالمشروعات الجديدة التي افتتحها الرئيس السيسي وتعهده بعدم المساس بدعم الفقراء، وحفلت الصحف بهجوم واسع على تركيا ورئيسها.
إحذروا الفتنة
البداية مع عبد اللطيف المناوي القلق جدا في «المصري اليوم»: «قلتها من قبل، وأقولها مرة ثانية. الحريق آت. أشتم رائحته بكل وضوح، فالفتنة النائمة هناك من يوقظها، بجهل أو بدونه، لكنها باتت قريبة من الإيقاظ. لأن من ستصيبهم اللعنة كثر، ويمارسون أدوارهم بكل همة، يمارسون إشعال الحرائق بكل جهد، في مجال كان يفترض أن يكون أساسا للتنافس الشريف، وعنصرا للتقارب. الحريق الذي يتأجج يوميا عبر ساحات الفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديدا «الفيسبوك» الذي بات يتنفسه المصريون مثل غيرهم في المنطقة العربية. يضيف المناوي: حالة الاستقطاب مستمرة بين من يناصرون تجربة نادٍ جديد في الدوري المصري ومحطته الفضائية وكل ما تقدمه، ويكتبه القائمون على صفحته في «فيسبوك»، ومن يرفضون. ساحة الرياضة صارت كالحرب. يقذف كل فريق فيها بحمم النار على الفريق الآخر، لكن الجمهور هنا سيكون أول الضحايا، وأندهش فعلا ممن يواصلون إعجابهم بنبرة التعالي التي يتحدث بها القادمون الجدد، وأندهش من قبول البعض بموقع المتلقي بدونية غريبة. لكن ما لا يعلمه هؤلاء، المعطي والمتلقي بدونية، أنهم بذلك يؤججون نارا لا نعرف حدودها. تماما مثلما أندهش من حالة الصمت التي تنتاب من في يدهم أمر إطفاء نار هذه المباراة الملتهبة وغير المتكافئة، أتحدث هنا عن عقلاء وعن مسؤولين، عليهم أن يمارسوا دورهم الرئيسي المنوط بهم في الأساس، حتى لا يتحول الأمر إلى أزمة لا يُحمد عقباها. نعم، قد يشتعل الحريق في مباراة واحدة. هندوراس والسلفادور، مثلا، اندلعت بينهما حرب سميت «حرب الأربعة أيام» بسبب مباراة كرة قدم جمعت بينهما. إنكلترا وألمانيا كادت أجواء مباراتهما معا في نصف نهائي كأس الأمم الأوروبية في عام 1996 أن تشعل حريقا قديما كانت آثاره قد زالت بمرور الزمن، وهي الأجواء التي استخدمت فيها سيرة الحروب العالمية السابقة، إلى حد نشر الصحافة العالمية صورا للاعبين قبل المباراة وهم يرتدون خوذات الحرب».
لوجه الله
الأسئلة تلاحق محمد سيف الدولة في «الشعب»: «ما الذي يدفع كل هذا العدد من المفكرين والسياسيين والكتاب والشخصيات العامة والشباب، وكل الذين يتمتعون بتاريخ مشرف وتعليم جيد وثقافة واسعة ووعي وذكاء لا بأس به بالإضافة إلى حسن تقدير للأمور، أن يستمروا في نقد ومعارضة عبد الفتاح السيسي ونظامه ومؤسساته، رغم علمهم وتيقنهم من العواقب التي يمكن أن تطالهم، بدءا بالحصار والتشهير والمنع من الكتابة، نهاية بالاعتقال والسجن؟ ولماذا يرفض كبار الكتاب رفضا قاطعا أي تعديل أو مونتاج أو توجيه أو رقابة على مقالاتهم، حتى لو كان الثمن، المنع من الكتابة والنشر وخسارة قنواتهم الوحيدة للتواصل مع قرائهم؟ ولماذا يكون هؤلاء الكتاب المحظورون محل احترام وتقدير عشرات المرات من أمثالهم الذين قرروا التواؤم مع السلطة والخضوع لخطوطها الحمراء؟ لماذا لا يهرب ويتراجع المتظاهرون أمام الغاز المسيل للدموع وهراوات الأمن المركزي؟ لماذا تؤدي التهديدات الأمنية للمعارضين إلى نتائج عكسية، فيزدادون تحديا ومعارضة؟ لماذا تحتفي القوى السياسية على مرّ التاريخ بقياداتها وعناصرها التي صمدت ولم تكسرها إجراءات التحقيق والتعذيب وسنوات السجن والاعتقال الطويلة؟ لماذا لا يستسلم آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال؟ ولماذا يتسابق شبابهم على الاستشهاد كل يوم؟ يجيب الكاتب: إنها النفس البشرية التي جبلها الله على العزة والكرامة.. ويؤكد سيف الدولة على أي سلطة رشيدة، أن تحسبها بالعقل والمنطق، وأن تقرأ التاريخ وتستوعبه جيدا، وأن تدرس طبيعة النفس البشرية وقدرتها على التحمل، وأن تتعرف على شخصية شعبها وتحترمها وتتقي غضبها ولا تستهين بها».
ناس وناس
من أبرز الغاضبين على النظام ورجاله يحيى حسين عبد الهادي، أحد رموز حركة كفاية وحملة «لا لبيع مصر» الذي ضاقت مقالاته بالصحف كافة فلم يبق له سوى «المشهد»: «ما أتحفنا به السيد مهاب مميش الذي قال نصَّا (بالنسبة لنا كعسكريين لا نستطيع أن نقتنع بمدني كان مدرسا أن يكون قائدا أعلى للقوات المسلحة) يقصد الأستاذ الدكتور محمد مرسي. جاءت هذه العبارة الكارثة في حديثه لـ«المصري اليوم» قبل أسبوع في ذكرى مرور ثلاث سنوات على تفريعة قناة السويس.. وهي مناسبةٌ كانت أدعى لصمت المسؤولين عنها من منطلق «إذا بُلِيتُم فاستتروا».. لكن إعلام الصوت الواحد أفرد مساحاتٍ للسيد مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس (وأشياء أخرى) لم تُفرَد لرؤسائها التاريخيين مجتمعين (محمود يونس ومشهور أحمد مشهور وعزت عادل) وبعد أن حَصَّن نفسه بتصريحٍ افتتاحىٍ وصف فيه التفريعة بأنها «عملٌ وطني أثبت عبقرية السيسي» صال وجال وانطلقت تصريحاته بلا تحفظٍ ولا حساب.. مُخَّلِفا وراءه كثيرا من اللغط والسخرية.. مثل ما سماه الدكتور حازم حسني (الحساب الاقتصادي على الطريقة المميشية).. لكن عبارته الآنفة تجاوزت كل الحدود. لو كان السيد مميش قد قال مثلا إنه لم يكن مقتنعا بمرسي بالذات لعدم كفاءته لما كان في ذلك خطأ.. فهذا رأيه، ورأي آخرين، وحقه كمواطنٍ.. ولكنه ارتكب في بضع كلماتٍ ما يوجب المساءلة القانونية (في دولة قانون).. فقد تحدث بلسان العسكريين بغير صفةٍ (وبدون أن يفوضوه).. رافضا الانصياع لرئيسٍ لأنه من وجهة نظره لا يصلح قائدا أعلى (أي رئيسا) لمجرد أنه مدني كان أستاذا جامعيا».
ضحايا الحكومة
«الضريبة العقارية تسببت في هجوم واسع على الحكومة لكنها، كما يؤكد محمد الهواري في «الأخبار» ليست ضريبة جديدة فقد كانت مطبقة من سنوات طويلة باسم العوايد، ولكن تغيير المسمى هو السبب في ما حدث من بلبلة بين المواطنين، إضافة لتأخر أعمال الحصر والسداد بأثر رجعي واختلاف التقييمات بين لجنة وأخرى وعدم العدالة في تقدير الضريبة في بعض المناطق. اعتقد أن العودة للعوايد على المساكن القديمة مع إعادة النظر على تقديرات الضريبة طبقا للقيمة الإيجارية، سوف يشجع المواطنين على سداد الضريبة إضافة لتوعية المواطنين بأهمية الضريبة التي يخصص 25٪ منها لتطوير المناطق الخاضعة للضريبة العقارية وتأهيل الخدمات فيها، تدفع المواطنين للالتزام بالسداد، حيث سيعود جانب من الضريبة عليهم مباشرة، والباقي يعود عليهم من خلال استثمارات الدولة في المرافق والخدمات. وأنه من الضروري أن تخصص مصلحة الضرائب العقارية عددا من القادرين على الدعاية الإيجابية لهذه الضريبة لتوضيح كل ما يجول في خاطر المواطنين حولها، مع ضرورة إخطار المواطنين الذين تنطبق على وحداتهم السكنية قيمة الضريبة العقارية، طبقا للحصر الفعلي وليس الحصر المكتبي، حيث يلجأ بعض العاملين في الضرائب العقارية إلى رخص البناء بدون التحقق من إتمام الإنشاء، طبقا للرخصة، إضافة إلى أهمية التوعية وإرسال الإخطارات للمواطنين، حتى يتأكد المواطن من تطبيق الضريبة عليه من عدمه، وحتى لا نشهد هذا التكدس على مكاتب الضرائب العقارية، وحتى نوفر التيسيرات للمواطنين في سداد الضرائب».
أوهام مميش
من أبرز معارك أمس الخميس الصحافية الهجوم الذي شنه نقيب الصحافيين السابق ممدوح الولي في «الشعب»: «ها هو رئيس هيئة قناة السويس يعلن عن تحقيق القناة أعلى إيرادات سنوية على مدى تاريخها، خلال العام المالي 2017 – 2018 المنتهى آخر شهر يونيو/حزيران الماضي، وهو ما أكد عليه الجنرال المصري خلال مؤتمر الشباب الأخير، حينما ذكر أن قناة السويس استعادت قيمة الأموال التي تم صرفها على حفر القناة الجديدة (التفريعة) خلال العامين الأخيرين. وذكر رئيس هيئة قناة السويس أن القناة حققت إيرادات 5.6 مليار دولار في العام المالي الأخير بزيادة 600 مليون دولار عن العام المالي السابق، وبالطبع لم يذكر أن العام المالي الأول لافتتاح التفريعة الجديدة شهد انخفاض إيرادات قناة السويس، عن العام المالي السابق لافتتاحها بنحو 240 مليون دولار، كما تناسى أن العام المالي الثاني بعد افتتاح التفريعة استمر في انخفاض إيراداته، عن العام الأول بعد افتتاحها، بنحو 177 مليون دولار. وإذا كان رئيس الهيئة يتباهى بتحقيق 5.6 مليار دولار، فهو يعلم أن إيرادات القناة كانت 5.2 مليار دولار في العام المالي 2007- 2008 أي قبل عشر سنوات، كما كانت إيراداتها 5.4 مليار دولار خلال العامين الماليين السابقين، على افتتاح التفريعة السابعة للقناة في أغسطس/آب 2015، إذ سبقتها ست تفريعات، بداية من فترة الإدارة الفرنسية لها، ثم خلال حكم الرؤساء عبد الناصر والسادات ومبارك. وبدلا من المقارنة بالماضي، الذي يشير لقلة الفارق الذي تحقق في الإيرادات في العام المالي الأخير، فإن المقارنة لأداء القناة خلال السنوات الثلاثة الماضية بعد افتتاح التفريعة السابعة، بما تم إعلانه من قبل هيئة القناة عن مستهدفاتها لسنوات ما بعد التفريعة، يشير إلى عدم تحقق أي من تلك المستهدفات، سواء في عدد السفن العابرة للقناة، أو لصافي حمولة السفن العابرة أو للإيرادات المتحققة خلال تلك السنوات».
لا أحد يهتم بها
أزمة الصحافة تتواصل وهو ما يحذر من تبعاته نقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة في «الأهرام»: «كانت الصحافة ــ ولا تزال ــ تقوم بدور توعوي وتنويري مهم جدا لا تنافسها فيه أي وسيلة أخرى، ورغم تعددية الوسائل وكثرتها ومحاولاتها الحلول محل الصحافة، فإنها ربما تكون قد نجحت في جذب عدد من رواد الصحافة، إلا أنها فشلت فشلا ذريعا في أن تكون بديلا لها، لأن معظم هذه المنصات تحولت إلى منصات أكاذيب وشائعات، ويكفي أن مارك زوكر بيرج مؤسس الفيسبوك اعترف أكثر من مرة بأن الفيس لا يصلح أن يكون وسيلة إعلامية، واعتذر أكثر من مرة أيضا عن تحول الفيس إلى وسيلة لنشر الشائعات والأكاذيب وانتهاك الخصوصية. ربما لا تكون أزمة الصحافة الحالية أزمة محلية خاصة بمصر فقط، لكنها موجودة في بعض بلدان العالم الأخرى، لكن المشكلة تفاقمت هنا ــ نتيجة عدم الوعي والجهل المنتشر ــ فازدادت الأزمة على مثيلاتها في الدول الأخرى. من هنا تأتى ضرورة دق جرس الإنذار لمحاولة تشخيص الأزمة والبحث عن حلول لها، لأنها أزمة تتعلق بوعي مجتمعي ومستقبل أمة، ويكفي أن نشير هنا إلى أن قراءة الصحف لا تزال قوية في العديد من دول العالم المتقدمة تكنولوجيا، التي تسبقنا بمئات السنين في هذا المجال مثل اليابان، أم التكنولوجيا، التي يصل فيها التوزيع إلى أرقام كبيرة تصل إلى ما يقرب من 70 مليون نسخة يوميا، وبمعدل يقترب من 60٪ من عدد السكان، حيث يبلغ عدد السكان هناك نحو 130 مليون نسمة، ولا تزال الصحف اليابانية هي الأكثر توزيعا في العالم».
حتى «الحيوانات»
«إدارة حديقة الحيوانات تدرس رفع سعر تذكرة الدخول لـ25 جنيها يومين في الأسبوع، الحديقة التي هربت منها الأسبوع الماضي، وفق ما يؤكد عمر طاهر في «المصري اليوم» عدة نسانيس، تم القبض عليها وظهرت في الصورة بائسة، رغم تأكيد مدير الجنينة أن النسانيس متزوجة وتعيش حياة سعيدة، وهو في حد ذاته كذب، إذ يصعب الجمع بين الاثنين، إلا إذا كان المتبع هو شغل القرود، قرأت تعليق أحدهم على الفكرة قائلا، إن القرار في مصلحة المواطنين وهو موضوع أصبح مستفزا. لبانة «مصلحة المواطنين» ترهلت وراح سُكرها، وهي كذبة كبيرة يرددها ببغاوات تجلس في مكاتب رائحتها ديتول، فلا يوجد شخص واحد قادر على إحصاء مصلحة المواطنين من كل الجبايات التي يتم جمعها حتى هذه اللحظة، أو إحصاء «خراب المصالح» المترتب عليها، بالأمس وفي حدود كيلومتر واحد في شارع قريب، شاهدت محلين «بيجيبوا ضلفها» حرفيا، واحد يبيع الجينز، والآخر محل ساندوتشات كبير، وعلى مقربة محل آخر كتب «تخفيضات 75٪» وهو تخفيض لم يشاهده الواحد من قبل إلا في قيمة الجنيه بمن يحمله، تخفيض يقول لك صاحب المحل من خلاله ضمنيا «إديني بس مواصلاتي أروح بيتنا»، مع ذلك وقف العاملون داخل المحل يتابعون عبر فيسبوك موبايلاتهم فيديوهات كوميديا كباتن مقاهي نزلة السمان، وهم يحاورون كباتن الكرة العالميين في قناة فالوب إف سي التي أخرجت للبشرية الطفل المعجزة. إدارة المرور تحصل الضريبة الجديدة لكنها لا تستطيع أن تمنحك ترخيصا لعام، تمنحك رخصة مؤقتة عليك أن تجددها بعد كام شهر، لأنهم لا يمتلكون «سيستم واضح» يقول لهم إن ما يفعلونه مضبوط، المستشفيات الكبيرة للعلاج فيها أجر وللحصول على فاتورة منها أجر آخر، فالجميع يخبئ الحقيقة هربا من جحيم الضرائب».
المجد لأردوغان
«عدة عوامل شكلت مجتمعة أسباب صمود العملة التركية أمام أعنف حملة اقتصادية تتعرض لها، وهي حملة صدرت بشكل علني من أكبر ديناصور مالي في العالم، وربما في التاريخ، وفق ما يشبه جمال سلطان في «المصريون» الولايات المتحدة الأمريكية، يأتي في مقدمتها روح التحدي التي مثلها موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فلم يهتز أبدا وعملته تترنح بقسوة مفاجئة، وقال أردوغان أن الذين فشلوا في تحقيق مآربهم بالانقلاب العسكري لن يفلحوا بالانقلاب الاقتصادي، وحقق موقف الرئيس التركي استنفارا لمشاعر الكرامة الوطنية في تركيا، فصدرت بيانات من جميع الأحزاب المعارضة والشخصيات الرئيسية تعلن تأييدها للموقف الرسمي ودعمها للرئيس أردوغان، وتناسى الجميع مشاعر المرارة التي خرجوا بها من الانتخابات الأخيرة. وتشعر بأن تركيا كانت على قلب رجل واحد، وبدون شك فقد كانت التغريدة «الاستعراضية» التي أعلن فيها ترامب حربه الاقتصادية على تركيا، كانت سببا في دعم موقف الرئيس التركي، لأنه لم يعد بحاجة إلى التأكيد على «مؤامرة» تتعرض لها بلاده، ولا رغبة في الإذلال، ولا يحتاج لإثبات تعرض بلاده لحرب اقتصادية مهينة، بقصد كسر إرادتها وإذلالها، كل ذلك أثبته ترامب بغشومية معتادة منه، عندما أطلق تغريدته التي يشير فيها إلى حزمة إجراءات «لتأديب» تركيا. من الأسباب المهمة للغاية في خسارة أمريكا جولتها الأولى مع تركيا، هو مشاعر القلق التي انتابت دول الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن تركيا ما زالت لم تدخل ضمن الاتحاد، إلا أن الأزمة كشفت عن عمق التداخل بين الاقتصاد التركي والاقتصاد الأوروبي».
تركيا تتألم
على عكس المتفائل جمال سلطان يبدو أشرف البربري في «الشروق» متشائما: «بدلا من أن يعيد أردوغان النظر في سياساته وخياراته التي قادت إلى هذه الكارثة الاقتصادية، نراه يتقمص شخصية الزعيم الأوحد الذي يحاربه العالم، وتبنى خطابا شعبويا دينيا بلا مضمون حقيقي، فيدعو الشعب إلى «إخراج الدولارات والذهب من تحت الوسائد» لدعم البلاد في مواجهة «الإرهاب الاقتصادي والحرب الاقتصادية» التي يشنها المتآمرون في العالم ضدها. ويقول «إذا كان معهم الدولار فنحن معنا الله» بدون أن يقدم للناس «وثيقة تثبت أن الله معه وليس مع الناس الآخرين». الاقتصاد التركي يدفع ثمن سنوات الاستبداد، وانتهاك سيادة القانون والتلاعب بالدستور منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف 2016، حيث استغلها أردوغان للتنكيل بمنافسيه الحاليين والمحتملين، فانطلق يصادر الشركات والممتلكات ويفصل آلاف الموظفين والضباط والقضاة، ويغلق آلاف المنافذ الإعلامية، ويتحرش بالمؤسسات المستقلة في البلاد، وكله بتهمة «التورط في محاولة الانقلاب والتعاون مع فتح الله جولن». كما انطلق يشعل الصراعات والخلافات مع دول العالم من هولندا إلى أمريكا ومن مصر إلى الإمارات، للظهور أمام أنصاره بمظهر المحارب الذي يواجه العالم، بدون أن يتوقف عند حقيقة أنه لم يحقق إنجازه الاقتصادي والاجتماعي في سنوات حكمه الأولى، إلا من خلال نظام سياسي تعددي، ومؤسسات سلطة بينها توازن واضح للقوى، وسياسته الخارجية تقوم على أساس «صفر مشكلات». وما بين أردوغان وحزب العدالة والتنمية 2002، وأردوغان وحزب العدالة والتنمية 2018، تظهر الحقيقة الواضحة للجميع، وهي أن الاستبداد والرئيس الملهم الذي يعمل وحده، الوصفة السحرية للكارثة في أي دولة».
إرحل
الحرب ضد أردوغان لا تخلو منها صحيفة، ومن بين المشاركين فيها مكرم محمد أحمد في «الأهرام»: «تجمع تقارير رجال الاقتصاد والبنوك والمُحللين السياسيين والاقتصاديين، على أن الرئيس التركي أردوغان هو سبب كارثة بلاده، وأن خروج تركيا من أزمتها الراهنة رهن بمدى قدرتها على إنشاء نظام اقتصادي ومالي وسياسي جديد، يكون فيه القرار متجردا من دوافع حاكم فرد يعتقد أن جميع مناحي الحياة في تركيا لا بد أن تمضي على النحو الذي يريده، لأنه الوحيد الذي يعرف الحل الصحيح، ورأيه بات ونهائي، لا يستطيع أحد أن يراجعه، وزاد من مشكلة أردوغان أنه اختصر كل السلطات في قراره، أنهى منصب رئيس مجلس الوزراء، وقلّص سلطات البرلمان واستحوذ على سلطات المصرف المركزي، الذي انتفى دوره ولم يعد قادرا على كبح جماح التضخم، لأن أردوغان عكس كل الخبراء والاقتصاديين يُصر على الإبقاء على سعر الفائدة منخفضا، رغم ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الركود الاقتصادي وزيادة حجم وارتفاع الديون وعجز الموازنة. والواضح أن إصرار أردوغان على الإبقاء على سعر الفائدة منخفضا يعود إلى أن مصالحه ومصالح أسرته وأصهاره الذين يعملون جميعا في قطاع التشييد والمقاولات، وحققوا ثروات هائلة، تكمن في الإبقاء على تكلفة الديون منخفضة، لتزيد أرباحهم على حساب الصالح العام، وما زاد الطين بلة أن أردوغان في فترة حكمه الأخيرة، بعد أن أصبح الحاكم بأمره، سلطانا على البلاد، عين البيرق زوج ابنته الكبرى يسرا وزيرا للمالية والتجارة، لينفذ سياساته التي زادت الوضع سوءا، وتتسم بالديماغوجية والشعبوية، وإثارة النعرات الوطنية الضيقة، وخوض المعارك بالشعارات، كما فعل في قضية القس الأمريكي أندرو برنسون الذي رفض الإفراج عنه رغم إلحاح الرئيس ترامب، وأبقى عليه رهن الاعتقال».
ولي العهد.. للهاوية
«كانت الخسارة السعودية بسبب الأزمة مع كندا، كما يراها عبد الله السناوي في «الشروق»، فادحة في الميديا الغربية والمنظمات الحقوقية والأوساط الأكاديمية، وهذه لا يستهان بها في حسابات السياسة والصور. كادت تتقوض صورة ولي العهد محمد بن سلمان كرجل إصلاحي تبنى قضية قيادة المرأة للسيارات، وسمح بحفلات موسيقية وسينمائية في مجتمع مغلق. لاحقته صورة المستبد، الذي يعتقل الناشطات اللاتي يطالبن بحقوق المرأة. ويصادر حريات التعبير، رغم اتساع الطبقة الوسطى السعودية التي حصل بعض أبنائها على تعليم متقدم في الجامعات الغربية. بتقديرات حقوقية دولية فإن الهدف السعودي من التصعيد المبالغ فيه مع كندا، وقف الضغوط عليها لإجراء تحقيقات نزيهة وشفافة وعادلة في جرائم الحرب في اليمن، وآخرها مقتل (29) طفلا على الأقل في قصف جوي استهدف حافلة. هكذا فإن ذرائع الأزمة لا تلخصها ولا تفي بحقائقها الأساسية. الأمر نفسه في الأزمة التركية. تكاد الأعصاب أن تتلف تماما تحت ضغط انهيار عملتها الوطنية، التي خسرت نصف قيمتها في غضون نصف عام. لا يعقل ــ بأي منطق طبيعي ــ إرجاع ذلك الانهيار إلى تدوينة كتبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن توجهه لمضاعفة الرسوم الجمركية على الصادرات التركية من الحديد والألومنيوم. مشاكل الاقتصاد التركي بنيوية وسياساته المالية أوصلته إلى نقطة الانهيار. العقوبات الأمريكية كاشفة وليست منشئة للأزمة. الاقتصاد الذي يهتز بتدوينة فهو عليل ومنكشف».
نوفمبر.. لا تأتي
«في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، من المفترض طبقا لتسريبات إسرائيلية، أن تكون حكومة نتنياهو قد بدأت حربا على حزب الله تدق طبولها الآن، كما يلمح محمد عصمت في «الوفد»، أصوات صهيونية متطرفة، تتزامن مع شن غارات جوية على مواقع إيرانية محددة. أكثر من يروج لهذه السيناريوهات هو الإعلامي والأكاديمي الإسرائيلي إيدى كوهين، لا أحد يدري حتى الآن ما هو الجانب الواقعي أو الجانب المؤجل أو الجانب الخرافي في كلام كوهين، لكن كل الترجيحات تشير إلى أن إسرائيل تستعد فعليا لمواجهة جديدة مع حزب الله. الجيش الإسرائيلي أجرى منذ عدة أيام مناورة عسكرية ضخمة شاركت فيها قوات من عدة أفرع لأول مرة في تاريخها، تحاكي مواجهة عسكرية مع قوات حزب الله، قد تستغرق عدة أيام أو ثلاثة أسابيع. للوهلة الأولى يمكن القول إن حزب الله ربما ينتظر هذه المواجهة مع إسرائيل، لكي يستعيد بعضا من شعبيته في البلاد العربية التي فقدها في السنوات الأخيرة، لكنه في الوقت نفسه يعاني من إنهاك عسكري حقيقي، بعد مشاركته في القتال إلى جانب حكومة بشار الأسد، ضد الفصائل المناوئة لها، وفقدانه العديد من كوادره العسكرية المتميزة، في الوقت نفسه الذي يستهدف فيه نتنياهو ضرب حزب الله لإضعاف إيران وسوريا من جهة، والتقرب من الدول السنية المناوئة لهذا المحور الشيعي من جهة أخرى، لكنه في النهاية يغامر بمستقبله السياسي كله لو نجح حزب الله في تكرار انتصارات 2006، وحتى يأتى نوفمبر/تشرين الثاني، ستظل المنطقة في هذه الدوامة إلى أن تتلقفها دوامة أخرى، بدون أن ندرب متى بالضبط نتجه بشراعنا نحو شاطئ النجاة».
غزة تنتظر
نتحول نحو القطاع، حيث ترى جيهان فوزي في «الوطن»: «أن التسوية السياسية التي تهدف لتحسين أوضاع السكان في القطاع سلاح ذو حدين، حيث يواجه نتنياهو معارضة داخل حكومته، وتحديدا من وزراء يعارضون التوصل لتسوية مع حماس، لا سيما سيطرة السلطة على غزة مجددا، فكل محاولة لإعادة سيطرة أبومازن على غزة، والربط بين السلطة في الضفة وغزة، عبر معبر آمِن سيمر عبر إسرائيل يشكل تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل، وبالتوازن الديموغرافي بين إسرائيل والفلسطينيين، لم تكن تلك المعارضة الوحيدة، فرئيس السلطة الفلسطينية، كما صرح مسؤولون فلسطينيون، مستاء من تدخل القاهرة في غزة، ولا يرغب في استمرارها، ويبدو أن حبال الثقة بين السلطة والقاهرة آخذة في التآكل، وباتت ضئيلة للغاية، خصوصا بعد أن لمحت السلطة، من خلال تصريحات لأكثر من مسؤول، عن سأمها من التدخل المصري في الشأن الفلسطيني، وضيقها من اللقاءات المتكررة بوفود حماس بدون التنسيق معها، رغم أن القاهرة تبذل جهودا حثيثة للتوفيق بين حركتي فتح وحماس منذ يوليو/تموز الماضي، ضمن مساعي التوصل لهدنة بين إسرائيل وحماس في غزة، وظلت المساعي المصرية للتهدئة مستمرة، رغم التصعيد الإسرائيلي وتبادل إطلاق الصواريخ على جانبي القطاع، حتى لا يحدث التدهور الذي سيتأثر به جميع الأطراف. موافقة حماس على الورقة المصرية كشفت حجم التوتر الحادث داخل السلطة تجاه التدخل المصري، فحركة فتح ليست سعيدة بالوساطة المصرية، خاصة بين حماس وإسرائيل ومساعيها لإبرام صفقة شاملة تضم هدنة طويلة المدى في غزة، ومبادلة أسرى بين حماس وإسرائيل، وإتمام المصالحة بين الحركتين، والسلطة الفلسطينية بدأت تنتقد الدور المصري علنا، وتلقي اللوم على المسؤولين المصريين».
لا اجتهاد مع نص
ومن غزة لتونس عبر الوطن بصحبة محمود خليل الغاضب من الرئيس التونسي: «العبارة اللافتة التي ذكرها الرئيس السبسي، «لا علاقة لنا بالدين أو القرآن أو الآيات القرآنية» تعكس رؤية شديدة العجب للدولة المدنية، تحدّدها في دولة «اللادين»، في حين يتصالح كثيرون على أن الدولة المدنية هي الدولة التي تفصل بين الدين والسياسة، بدون أن تشطب عليه في الحياة، فتحترم تعاليم الدين بالقدر نفسه الذي تُحترم به الوثائق الدستورية والقانونية التي تدار بها دنيا السياسة. هل يمكن مثلا قبول قرار سيادي بمنع الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج، تأسيسا على فكرة «لا علاقة لنا بالدين والآيات القرآنية» ونحن دولة مدنية؟ نصوص الميراث في القرآن الكريم قطعية الدلالة – بالمصطلح الفقهي – ولا تحتمل التأويل، والله تعالى رضي بأن يرث الذكر مثل حظ الأنثيين. المهم أن تُمنح المرأة ميراثها، لأنه في بعض المجتمعات – مثل المجتمع المصري – لا تُمكّن المرأة في أحوال معينة من ذلك، لذا فقد تعجبت للغاية من أمر بعض من أعجبهم الطرح الذي قدمه الرئيس السبسي وروّجوا له، في وقت لم يتناول فيه أحدهم مسألة حرمان المرأة من الميراث. إنه تطرف من نوع جديد ذلك الذي يدعو إلى شطب آيات من القرآن الكريم. أخشى أن أقول إن لجوء الرئيس التونسي، ومن يحذو حذوه إلى إثارة هذه القضايا لا يعدو محاولة لـ«الغطرشة» على الفشل السياسي والاقتصادي في إدارة الدولة، فالمساواة ما بين المرأة والرجل في الميراث لن تحل المشاكل الاقتصادية التي تواجه الشعب التونسي، وأظن أنها أولى بجهد ووقت الرئيس التونسي، كما أظن أن حيلة احترام الدستور التي يحتال بها السبسي لشطب آيات القرآن الكريم لا تنطلي على طفل».
حسام عبد البصير