الرياض وحلفاؤها الخليجيون يصعدون تجاه لبنان وطهران تدخل في خط الأزمة وتعرض خدماتها

حجم الخط
12

الدوحة ـ «القدس العربي»: أسبوع يمر على اشتعال شرارة الأزمة السعودية اللبنانية والمنعرجات التي أخذتها مع انضمام دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء سلطنة عمان إلى الركب واتخاذها لقرارات مشتركة فيما يخص دعوة مواطنيها إلى عدم السفر إلى بيروت، ولا مؤشرات في الأفق حتى الآن توحي بوجود مساع للتخفيف من حدتها أو تسوية الاشكالات العالقة.
الرياض باشرت مسعاها في إعادة رسم علاقتها ببيروت بإعلانها وقف مساعداتها المقدرة بأربعة مليارات دولار كانت خصصتها المملكة للجيش اللبناني. وأعلن وزير الثقافة والإعلام السعودي، عادل الطريفي، أن مجلس الوزراء شدد في جلسته على وقف المساعدات التي تقصد الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبناني. قائلا إن السعودية «تُقابل بمواقف لبنانية مناهضة لها على المنابر العربية والإقليمية والدولية في ظل مصادرة ما يسمى حزب الله اللبناني لإرادة الدولة، كما حصل في مجلس جامعة الدول العربية وفي منظمة التعاون الإسلامي من عدم إدانة الاعتداءات السافرة على سفارة المملكة في طهران.» وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، من جانبه أكد دعم المنامة للمملكة العربية السعودية في قرارها قطع المساعدات عن لبنان إثر مواقف جماعة «حزب الله» العدائية.
الوزير آل خليفة برر الأمر بالتأكيد أن: «القرار السعودي مهم جدا بمواجهة المواقف اللبنانية ضد المملكة، التي وقفت على الدوام مع لبنان ـ وكذلك فعلنا نحن ـ وساندناه في جميع المجالات السياسية والاقتصادية وهذا ما كنا نتوقعه بالمقابل من دولة عربية شقيقة، سيكون على لبنان الآن الاختيار بين أن يكون جزءا من أمته العربية أو أن يكون متحالفا مع منظمة إرهابية.»
تدريجيا اتخذت المملكة قرارا جريئا بمنع مواطنيها من السفر إلى لبنان وجاء ذلك في تصريح لمصدر مسؤول في وزارة خارجيتها «يدعو جميع المواطنين عدم السفر إلى لبنان، حرصا على سلامتهم، كما دعا رعاياها المقيمين أو الزائرين للبنان إلى المغادرة وعدم البقاء هناك، إلا للضرورة القصوى، مع توخي الحيطة والحذر والاتصال بسفارة المملكة في بيروت لتقديم التسهيلات والرعاية اللازمة لهم». ثم أعلنت وزارة الخارجية في دولة الإمارات في بيان أصدرته بهذا الشأن أنها «رفعت حالة التحذير من السفر إلى لبنان إلى منع السفر تماما إلى هناك» . كما قررت وزارة الخارجية الإماراتية، وفقا لبيانها، تخفيض عدد أفراد بعثتها الدبلوماسية في بيروت إلى حدها الأدنى، مضيفة أنها تقوم حاليا بالتنسيق مع الجهات المعنية لوضع هذا القرار موضع التنفيذ الفوري. وجددت وزارة خارجية البحرين طلبها من جميع مواطنيها عدم السفر نهائيا إلى الجمهورية اللبنانية، مبررة ذلك بالحرص على سلامتهم. كما ناشدت الوزارة البحرينيين المتواجدين في لبنان بضرورة المغادرة فورا وعدم البقاء فيه. ثم نحت في ذات الاتجاه قطر والكويت. وبحسب قراءة المتابعين فإن القيادة السعودية تدرك جيدا أن حكومة الرئيس تمام سلام تقف بصعوبة على قدميها أمام التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يتعرض لها لبنان لكنها تمضي قدما في مسعاها بسبب الخلافات العميقة التي تواجهها مع غريمتها إيران وحليفها حزب الله اللبناني الذي تتهمه بمصادرة قرار الحكومة اللبنانية وبالتالي هي تمنح نفسها مصوغا منع مساعداتها لجيشها طالما أنه ليس بين أيد أمينة. حلفاء السعودية عبروا خلال زياراتهم إلى مقر السفير السعودي في بيروت من تبعات القرار على التوازنات السياسية في البلد وقد تؤدي إلى إسقاط حكومة الرئيس سلام حاليا في ظل فراغ كرسي الرئاسة، وشلل المجلس النيابي الممدد لنفسه، وهو قد يضع لبنان بكل مكوناته السياسية والاجتماعية في دائرة الخطر. وتدرك القيادات اللبنانية جيدا أن البلد لا يحتمل أي اهتزازات في الوقت الحاضر نظرا لصعوبة المرحلة، التي يمر بها وهي من الرسائل التي حملها رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام، إلى السفير السعودي علي عواض العسيري حتى ينقلها إلى الملك سلمان بن عبد العزيز. سلام بدوره أعرب للعسيري عن رغبته في زيارة المملكة لتوضيح الموقف اللبناني من التضامن العربي مع السعودية والتأكيد على أن التصريحات والمواقف الصادرة عن جهة لبنانية، في إشارة إلى «حزب الله،» لا تمثل الموقف اللبناني الشعبي والرسمي.
مؤشرات زيارة سلام إلى الرياض لن تكون في القريب العاجل كما كان منتظراً بعد الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء وصدور البيان «الذي رفع من حدة الإشكالات» خاصة وأنه لم يأت بحجم التوقعات للرياض التي لم ترض كثيرا عن ردة فعل اللبنانيين من حلفائها ولا هبتهم التي لم تكن في حجم ما كانت تتصوره بعد ردود فعلها التي يمكن أن تأخذ أبعادا عدة.

أجواء تصعيدية

قرار الرياض لم يقف عند حدود وقف المساعدات والعقاب الدبلوماسي، حيث يتجاوزه في قرارات تطبخ على نار هادئة حيال طرد فئات من اللبنانيين من المحسوبين على حزب الله والتيار الحر. وتشير الكثير من الأنباء التي يتم تداولها بكثافة في مواقع التواصل الاجتماعي عن إعداد لوائح تضم الآلاف سيتم تنفيذها تدريجيا.
وفي السياق والمستوى ذاته من التصعيد الدبلوماسي صنفت المملكة العربية السعودية، 4 كيانات و3 رجال لبنانيين، على أن لهم صلات بأنشطة تابعة لجماعة حزب الله اللبنانية، حسبما قالت وزارة الداخلية السعودية. وقال بيان الوزارة الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية أن «المملكة ستواصل مكافحتها للأنشطة الإرهابية لما يسمى بحزب الله بكافة الأدوات المتاحة». الخطوة السعودية بوضع شخصيات لبنانية في القائمة السوداء تدريجيا سوف تعمم على عواصم خليجية إذ باشرت أبو ظبي الإجراء ذاته وستتلوها دول أخرى ليست بعيدة عن اتخاذ القرار وإن كانت تعتمد لغة صامتة.

جدل في مواقع التواصل الاجتماعي

سريعا وبعد ساعات من القرار السعودي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي العشرات من المقالات التي ينتقد فيها بعض الكتاب الخليجيين اللبنانيين ويتراوح حجم ذلك بين انتقاد خنوعهم لما يسمى املاءات حزب الله إلى المطالبة بضرورة إبعاد كافة اللبنانيين، والغريب في الأمر أن بعض تلك المقالات نشرت في وقت سابق ومنذ سنوات لكنها سجلت انتشارا واسعا في الأيام الأخيرة وهو ما يعكس حالة المزاج والتماهي بين الكتاب وتوجهات السياسة العامة في دولهم ومحاولة اللحاق بركب مزاج حكامها. 

طهران على خط الأزمة

دخلت طهران على خط الأزمة بين لبنان وعدد من الدول الخليجية بعد قرار المملكة العربية السعودية وقف المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، إذ أعلنت استعدادها لتوفير ما وصفتها بـ»المساعدات» للجانب اللبناني في حال طلبت حكومة بيروت ذلك. الموقف الإيراني جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، حسين جابري أنصاري، خلال مؤتمر صحافي في طهران تحدث خلاله عن «السياسة الخارجية التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقضية إرسال أسلحة إلى لبنان» موضحا أن طهران «تقدم المساعدات للبنان في حالة استلامها طلبا رسميا منه.»
ولا تزال الطبقة السياسية اللبنانية منشطرة حيال الأزمة بين من يجتهدون لإرضاء السعودية ويعملون كل ما بوسعهم لرأب الصدع معها، وآخرون اغتنموا الفرصة للتأكيد على أن رهانهم على طهران إيجابي وهو ناجح حتى الآن طالما أن حليف مناوئهم السعودية تخلت عنهم بسرعة.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية