الرّبيع العربي… حديث ذو شجون

حجم الخط
1

منذ ما يقارب الرّبع قرن، ومع حلول اللحظة الصّفر الّتي حدّدتها الولايات المتّحدة وبداية الهجوم الكوني على العراق (عاصفة الصّحراء)، وأنا حينها في ربيع العمر وريعان الشّباب، كتبت قصيدة ونشرتها على أعمدة الصّحافة المكتوبة. ورغم مرارة اللّحظة وعمق الوجع، خضّبتها ببصيص من التّفاؤل والأمل فعنونتها «إلى العراق الأجمل» وختمتها بتضمين لمعاني إرادة الحياة اقتبستها من البيت الخالد لأبي القاسم الشّابي فقلت: «إذا الشّعب يوما يخطّ صراطا تَرَ القدر انساق فيه انسياقا» … وسقطت بغداد، وسقط العراق… وسقطت ورقة التّوت ولمّا تهدأ العاصفة.
يوم أعدموا صدّام حسين، كان يوم عيد الأضحى. ويوم أعدموا أخاه برزان، فصلوا رأسه عن جسده. بشاعة المشهد لم تتركنا نستوعب أنّه لم يكن سوى إرهاصا يشي بقدوم مرحلة عنوانها «سنأتيكم بالذّبح».
قد يتساءل بعض المتابعين لتطوّرات الأحداث في المنطقة والعارفين بخصوصياتها: لكنّ من وقف وراء ما ذكرت من ممارسات في العراق هم من الشّيعة، في حين من يبشّر بالذّبح ويمارسه اليوم هم من السّنّة.
هذا «التّضارب» ليس إلا نموذجا لتشعّب الصّراعات واختلاط الأوراق وتشابكها وترجمة لتبادل المواقع والأدوار. مجرّد قوس فتحته لأخلص للفكرة الموالية، فأنا لا أريد الحديث في الطّائفيّة وعن الطّائفيّة لقناعتي أنّها لا تعدوأن تكون سوى أداة تؤجّجها وتستعملها بعض القوى لرعاية وحماية مصالحها.
تشعّب الصّراعات واختلاط الأوراق وتشابكها نقرأه أيضا في سؤال أحد الإعلاميّين للرّئيس أوباما وهويحاوره: «سيّدي الرّئيس، نحن مع من، ومن نحارب بالضّبط؟ ففي سوريا، نحن نحارب تنظيم أي أنّنا ضمنيّا متحالفون مع إيران والنّظام السّوري وحزب الله، وفي الوقت ذاته نحارب الحوثيّين في اليمن أي أنّنا ضمنيّا نلتقي مع السّعوديّة وقطر وتركيا «. تبسّم الرّئيس أوباما ممتعضا ونظر إلى المحاور نظرة ازدراء تكاد تنطق بالجواب الّذي أراد إخفاءه. فالتّاريخ والأحداث أثبتا أنّ الولايات المتّحدة تتحرّك دائما وفق مصالحها الاستراتيجيّة الّتي تلتقي كلّيّا مع مصالح إسرائيل.
سقط العراق فبكيناه ولازلنا… وتقدّم بنا قطار السّنين رويدا رويدا لندلف إلى مطبّات خريف العمر، وتلك سنّة الحياة…
وذات شتاء، تململت تونس وهبّت رياح ثورتها فدغدغنا عبق الياسمين وأزفت بشائر الرّبيع العربي… لكن سرعان ما انقضّت القوى الإمبرياليّة على المنطقة وراحت تحرّك بيادقها فوق رقعة الأحداث للإبقاء على مصالحها. فأشعلت نيران الطّائفيّة، والقبليّة وأوقدت حطب التّجاذبات والصّراعات السّياسيّة العقيمة بين الفرقاء. وصنعت الإرهاب ودعّمته ثمّ لبست جبّة المدافع عن الحرّيات والدّيمقراطيّة وباقي مفردات «القيم الكونيّة» لترفع شعار محاربة الإرهاب وهي تعلّة تمكّنها من إيجاد موطئ قدم على الأرض لإحكام قبضتها على خيوط اللّعبة. وما تواجد طرفي الصّراع البارد ومعسكريه في أرض سوريا اليوم إلا دليل على تبادل الأدوار والتّسابق نحوضمان موقع فوق ركح الأحداث. النّتيجة لكلّ هذه المستجدّات كانت إرباك سيرورة الأحداث وعرقلة صيرورتها فغلبت قوى الجذب إلى الوراء ولم يُزهر الرّبيع العربي، ولم تستنشق الشّعوب العربيّة أَنابَه إلى حدّ اللّحظة… وصرنا لا ندري أنبكي العراق، أم سوريا، أم اليمن، أم ليبيا، أم أيّ البلاد العربيّة؟؟
نحن تربّينا على مصطلحات ومفردات تُحيل في الغالب على معجم الهزيمة والانكسار، فتذوّقنا النّكبة، والنّكسة، والحصار، والاجتياح، والاحتلال والتّقسيم وغيرها من المرادفات… واليوم، خَفَت وهج الحلم بسرعة فأفقنا على حقيقة أنّ الرّبيع العربي ليس إلا أضغاثا أعادتنا إلى المربّع الأوّل: مفردات المرارة والخيبة وحقيقة أنّ نسائم الرّبيع الموعودة كانت تؤذّن لبداية العاصفة ( وكلمة العاصفة ليست هنا من باب المجاز وإنّما هي للتّلميح إلى أنّ ما نعايشه اليوم من حيث الملابسات، والغايات، والنّتائج لا يختلف في جوهره عن عاصفة الصّحراء الّتي أشرت إليها في بداية المقال. وليس الاختلاف بين الحالتين إلا اختلافا في الدّرجة لا في الماهية).
الحديث ذوشجون! وأنا أسوق هذه الخواطر، لا أراني متفائلا. قطعا، أنا لست متشائما تماما. فقط، أنا أقف أمام المرآة موقف المتسائل لأعيد طرح سؤال الإعلامي الأمريكي: في خضمّ هذه الصّراعات والتّجاذبات، ونحن في مفترق الثّنايا، هل نعرف بالضّبط نحن مع من ومن معنا؟؟
الخوض في هذه المسألة يحيلنا بالضّرورة على سؤال لا مفرّ منه: من المقصود بـ «نحن»؟ وهل في مقتضى حالنا يجوز التّكلّم في صيغة جمع متجانس تخوّل له عناصر التقائه تشكيل وحدة إقليميّة لها نفس الآلام والآمال والطّموحات والمواقف؟؟ قطعا الحقيقة عكس ذلك! فالدّول العربيّة ورغم أنّ ما يجمع بينها من عناصر التّاريخ والجغرافيا ومكوّنات الثّقافة والهويّة أكثر بكثير ممّا يفرّق بينها، تتحرّك وتتخذ مواقفها كمجموعة من «الأنانات» المنفردة وفق بعض المصالح الضّيّقة والذّاتيّة لتجد نفسها في النّهاية متموقعة في تحالفات لا تخدم بالضّرورة مصالحها المشتركة بل هي تخدم بصفة مباشرة أوغير مباشرة مصالح وأجندات القوى الإمبرياليّة المسطّرة منذ عدّة سنوات. وهذه المصالح تصبّ حتما في النّهاية في خانة حماية إسرائيل وأمنها ومصالحها.
نحن إذا لسنا مع أنفسنا بل أنّنا في أحيان كثيرة ضدّ أنفسنا وضدّ مصالحنا وهذا جزء كبير من المشكلة تسعى الإمبرياليّات لتأبيده وإعادة إنتاجه ويمثّل كسر حاجزه والتّحرّر منه أوّل خطوة على درب التّطلّع إلى لعب دور فاعل وإيجابي في الأحداث وتوجيهها وفق مصالحنا.
لعب دور فاعل، والأخذ بزمام الأمور يحتّم توفّر مبدأ السّيادة الفعليّة واستقلاليّة القرار وهذا ليس متاحا الآن لعدّة أسباب أكتفي بالتعريج على اثنين منها:
قلّة الموارد والصّعوبات الاقتصاديّة الّتي تواجهها بعض الدّول العربيّة تجعلها في حاجة إلى مساعدات وقروض وتبقيها بالتّالي في حالة تبعيّة وتجعلها تقبل جميع أشكال التّنازلات لإرضاء الجهات المانحة لهذه «المساعدات».
بعض الدّول العربيّة الّتي تمتلك موارد وثروات هائلة (وهي من المفروض أن تكون سيّدة قراراتها) تعرف عدم تجانس وتضارب مصالح بين الشّعوب والأنظمة القائمة. ممّا يجعل هذه الأنظمة تسعى إلى توفير حماية لوجستيّة وعسكريّة للبقاء في السّلطة عكس إرادة شعوبها، لتنتهيَ في فلك الإمبرياليّات كشكل من أشكال المقايضة: البقاء في السّلطة مقابل التّنازل عن استقلاليّة القرار.
للخروج من عنق الزّجاجة، يجب على الدّول العربيّة اكتساب ثقافة العمل والإنتاج وجعله قيمة وأحد مكوّنات الهويّة ويجب العمل بالتّوازي على إيجاد أسواق وشراكات أكثر تكافؤا وتوازنا (مع بعض دول أمريكا الجنوبيّة أودول شرق آسيا مثلا) كما يجب على الشّعوب أن تتعلّم من تجربة «ثورات الرّبيع العربي» أنّ الثّورة يجب أن توفّر لنفسها ضمانات النّجاح (قيادة، فكر، تأطير، أهداف واضحة…) وأن تطرح البدائل وتسارع بالتّغيير وإلا فإنّها تبقى لقمة سائغة لمختلف القوى المضادّة للثّورة للانقضاض عليها وسرقتها.

أ.د المنتصر العامري
طبيب، أستاذ جامعي تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية