الزلزال البريطاني ـ محاولة لقراءة الحدث

يصعب إيجاد كلماتٍ تفي الحدث حقه، إلا أن عملية الاستفتاء في بريطانيا وما أسفر عنه التصويت من اختيار الخروج من الاتحاد الأوروبي، حدثٌ بمثابة زلزالٍ لا أقل.
كما يصعب تصور تداعيات ذلك الحدث الفاصل في التاريخ الحديث، الذي سيُعد بداية مرحلةٍ جديدة من تطور الصراع الاجتماعي – والاقتصادي وتعبيراته السياسية.
فكأي ظاهرةٍ جديدة قد يسهم اشخاصٌ وقوى اجتماعية في تحفيزها والدفع إليها، إلا أن أحداً لا يستطيع أن يجزم بالمسار الذي ستتخذه في مرحلة تخلقها وتشكلها.
في هذا السياق،لا بد أن اعترف بأنني أدهشني الكثير من ردود الأفعال والانطباعات من كثيرين ممن أعرف، التي تحاكي الكثير مما راج وتم تسليط الضوء عليه في وسائل الإعلام الغربية والبريطانية بوجهٍ أخص من انطباعات العامة والعابرين، الذين تتم محاورتهم في الشارع، فيعبرون عن سعادتهم أو سخطهم من نتيجة الاستفتاء، وتحوم في أغلبها في محور الهوية والعداء «للمهاجرين» و»المختلفين عرقياً».
بكل تأكيد هناك الكثير من العنصرية التي طفت على السطح إبان الجدل على التصويت، مما تم الإفصاح عنه عقب النتيجة كأنها كانت بمثابة تصريحٍ للجهر بالمكنون من الأحقاد والكراهية والرفض للآخر، خاصةً حين يكون أنجح أو يصور مستولياً على لقمة عيشٍ عزت على المواطن، في ظروفٍ اقتصاديةٍ ما تني تزداد صعوبة، لكن ظاهرةً بهذا الحجم الفريد الذي يفتح الباب على مجهولٍ حقيقي يؤذن بتفكيك ترتيبات الأوضاع الأوروبية والعالمية بالتبعية.
ظاهرةٌ كتلك حمالة أوجهٍ بامتياز، وتعبر عن تغيراتٍ هيكليةٍ غائرة العمق في مواقع الطبقات الاجتماعية في بريطانيا، وفي تطورات أوضاعها السياسية والاقتصادية وطريقة تمثيلها في العملية السياسية البريطانية التقليدية، بالإضافة إلى قضايا الهوية التي ذكرنا.
لقد بدأت العملية التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي برِهان: فرئيس الوزراء كاميرون قامر بالمزايدة على حزب «استقلال بريطانيا»، الذي كان يطالب بالفكاك من الاتحاد الأوروبي ويمين حزبه، اليمين بصفةٍ عامة، كان الرجل على شبه يقين بأن نتيجة الاستفتاء ستكون بالسلب، ما كان كفيلاً بتعزيز موقفه أمام حزب «استقلال بريطانيا» ويمين حزب المحافظين، إلا أنه فوجئ بالنتيجة فكانت الصدمة وكان التنحي.
لقد صوت الناس لأسبابٍ عديدة منها ما يتعلق بالاقتصاد، خاصةً غيظهم من المبالغ التي تساهم بها بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وما يعتبرونها ديكتاتورية الاتحاد الأوروبي في التشريع وسن القوانين واتخاذ القرارات، بالإضافة إلى الخوف من المهاجرين وطوفان اللاجئين الذين يعيشون على معوناتٍ تمول من الضرائب المحصلة من المواطنين، إلا أن المغزى أشمل وأبعد من تصوراتهم ودوافعهم الشخصية، وكما هي الحال في كثيرٍ من سوابق التاريخ الفاصلة، فإن الناس يصنعونه هكذا، بدون إدراكٍ منهم بينما هم منهمكون في السعي وراء مصالحهم.
المؤكد أن أخطر ما أسفر عنه ذلك الاستفتاء ونتيجته هو الكشف عن تلك الهوة العريضة العميقة التي تفصل بين المجتمع والعملية السياسية في بريطانيا، كما عرفناها، خاصةً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث تكرست بصفةٍ عامة ثنائية حزب محافظين – حزب عمال اللذين يتبادلان الوزارة، والآن تبين أن ذلك الترتيب التقليدي لم يعد يعبر عن آراء واتجاهات وتصورات قطاعاتٍ متسعة من الجمهور، وأن تلك النخب من السياسيين المحترفين القابعين في»ويست منيستر» وفي البرلمان ليسوا أكثر من «فقاعة « في تشبيه البعض، فقاعة منبتة الصلة بأرض الواقع، فقاعة تعبر عن مصالح وانحيازاتٍ اقتصادية، تسير بالقصور الذاتي وتدين باستمرارها لعزوف الناس واغترابهم المتزايد عن العملية السياسية برمتها، وليس من عجبٍ في ذلك، فالحزبان من الناحية الفعلية متقاربان، خاصةً بعد أن طرح حزب العمال عنه الكثير من «قشرته» اليسارية (بغض النظر عن رأيي الشخصي من الأساس في «يسارية» حزب العمال المزعومة) حتى صار الحزبان من الناحية الفعلية تنويعاً على نغمٍ واحد.
لقد كان التصويت صرخة تمردٍ واحتجاجٍ ورفضٍ لـ»مؤسسة» السياسة التمثيلية والحاكمة في بريطانيا. صرخةٌ زلزلت البناء البريطاني حتى أعمق أعماقه، لا لسببٍ آخر سوى أنها انفجرت من كوامن غضبٍ وسخطٍ غائري العمق.
كما يمكن اعتباره تقرير حالٍ أو كشف حسابٍ عن وضع بريطانيا الـ»ما بعد» ثاتشر و»وصفتها» النيوليبرالية: لقد تبنت المرأة الحديدية ذلك النهج والانحياز الاقتصادي عن قناعاتٍ ذاتية، لكن الأهم من ذلك في رأيي كان السعي للهروب من مأزق الصراع مع النقابات العمالية القوية آنذاك بتغيير وجه بريطانيا الاقتصادي نحو اقتصاد خدمي ما-بعد- صناعي وتفتيت تلك القاعدة العمالية الصناعية، أي إنهاء الصراع بتغيير شروطه ولاعبيه؛ وهذه هي النتيجة: إفقارٌ وتجريفٌ لمناطق بأكملها وتراكم ثرواتٍ لدى أخرى وتزايد للفجوات بين الأغنياء والفقراء وكسادٌ وأزمات ٌاقتصادية تعد بأن تكون مزمنة، ومن اللافت للغاية هنا أن كثيراً من المناطق الإنكليزية التي كانت يوماً ما صناعية صوتت للخروج، بينما صوتت لندن، مدينة المصارف الكبيرة والخدمات المالية والنقدية للبقاء. قد يصور رجل الشارع البسيط لنفسه المهاجر تجسيداً لأسباب مشكلته، ومزاحماً له على السكن ولقمة العيش، بيد أنه قد لا يفطن أو لا يذكر الأسباب الأبعد لوضعه البائس المتزايد التدني، ولن يعدم أي بلدٍ في العالم مهيجين ديماغوجيين غوغائيين من عينة نايجل فاراج من حزب استقلال بريطانيا ليزايد على وضعه متهماً الأجانب.
ليس من عجبٍ إذن في ضوء ما أسلفنا أن نجد صدى ذلك الزلزال في الأحزاب السياسية، وبغض النظر عن تلال الأكاذيب والمعلومات المبتسرة والمزورة، فالرسالة واضحة لهم، وإن تمت تغطيتها بضجيج خطاب العداء للأجانب، ولئن كان حزب المحافظين يشهد صراعاً شرساً على السلطة، فإن الأثر الأفدح والأهم في رأيي هو ما يحدث في حزب العمال، ذلك أننا نرى تصدعاتٍ رهيبة فيه وحرباً دامية مستنزفة تشن ضد رئيسه جيريمي كوربن. لقد انتخب الرجل الأكثر يساريةً من قبل قواعد الحزب ليجد نفسه منذ أول يوم في صراعٍ شرسٍ مع كتلة حزب العمال البرلمانية الأكثر يمينيةً. بدا لهم الرجل بخطابه وقناعاته صوتاً من الماضي يذكرهم بالتأميمات والأفكار الاشتراكية التي نسوها من منطلق فلسفة، «الزمن تغير» السهلة التي تساق للرد على أي اعتراضات أو نقاشاتٍ مبدئية؛ لقد تصالحوا هم أيضاً مع النيوليبرالية، ولم يبق لديهم من الاشتراكية سوى أناقة ووجاهة الكلمة، وربما شيٌء من المزاج الثقافي والهوياتي. ميل كوربن الأساسي كان للخروج من الاتحاد الأوروبي فراراً من تلك النيوليبرالية، لكنه استجاب للضغط فتبنى سياسة البقاء. هنا تكمن غلطته في رأيي، إذ كان يتعين عليه المضي مع قناعاته؛ ثم جاء التصويت بالخروج في المناطق التي ذكرنا آنفاً والتي تعد تقليدياً مناطق دعمٍ قاعدية لحزب العمال، لتسلط الضوء على الفجوة بين القاعدة والتمثيل الحزبي وانكسار عرى التواصل والتماهي بينهما وبين تلك الكتلة البرلمانية من المتحذلقين المتأنقين، الذين ذبلت كل الفوارق بينهم وبين المحافظين تقريباً فصاروا الصورة الممسوخة المقلدة، الأردأ بالضرورة، من المحافظين في نظر جمهورهم التقليدي. هناك الكثير ليقال وما سوف يقال في المستقبل، لكن أي حديثٍ يسقط الحرب على العراق وتبعاتها والتعامل مع أزمات الشرق الأوسط يعد تقصيراً مخلاً، ولعلها مصادفة مدهشة أن يتم نشر تقرير شيلكوت عن الحرب وعن الدور المنحط الذي لعبه توني بلير فيها. لقد كانت الحرب على العراق في رأيي أعلى نقطة والنتيجة لذلك الانحياز الاقتصادي النهبي، وقد فشلت باقتدار، حطمت بلداً ومزقت مجتمعاً وشردت أهله، وتسببت بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر في مقتل الملايين وعصفت بتوازنات القوة الإقليمية، وبدأت دورة جديدة من أزمات اللاجئين في المنطقة وهزت ثقة المواطنين الغربيين، والبريطانيين تحديداً في حالتنا، في ساستهم الذين ثبت أنهم أفاقون كاذبون مزورون مدلسون متآمرون لصوص ومجرمو حرب، ويبدو أننا ـ الناطقين بالضاد ـ نقسو على أنفسنا، فالخواجات هم الآخرون لا يتعلمون من أخطائهم؛ يتصورون أن حرباً يشنونها في مكانٍ بعيدٍ من العالم لن تترك أثراً عليهم؛ لم يتعلموا من درس العدوان الثلاثي الذي كتب شهادة وفاة الإمبراطورية البريطانية فوُحلوا في العراق بوجهٍ أخص وأفغانستان.
مرحلة جديدةٌ من تطور الصراع، في رأيي هذا هو ما نشهده. مرحلة ستتكشف سماتها في مقبل الأيام، بتعقيداتٍ وتغييراتٍ شديدة الأهمية. لقد بدأت بريطانيا الثورة الصناعية، ثم عرفت الإمبريالية وبناء الأمبراطورية ثم خاضت وما تزال التجربة النيوليبرالية، وها هي الآن تقتحم مرحلةً جديدة من الصراع، قد تشهد تحلل وتفكك كياناتٍ قومية وأحلافٍ إقليمية وعسكرية كالاتحاد الأوروبي، ومن يعلم ربما حلف شمال الأطلسي. لا يعني ذلك بأي حالٍ من الأحوال أن ذلك الطور أفضل أو أكثر تسامحاً وتقبلاً من سابقه، فهناك دائماً الحل الإنساني وآخر بربري، وفي غياب إرادة وحراك لتحقيق مجتمعٍ أفضل فلا يبقى سوى بديل الجشع والتفاوتات والعنف والعنصرية والحروب والدماء وتدمير البيئة والبربرية، وربما فناء الجنس البشري.

٭ كاتب مصري

الزلزال البريطاني ـ محاولة لقراءة الحدث

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية