تغير الزمان والرجال. كانت التمفصلات الثنائية في المغرب تقضي في زمان ما قبل الاستعمار بانقسام الناس إلى شرفاء وعوام، وصارت خلال الاستعمار بين الوطني والخائن، ثم في بداية الاستقلال إلى الثمانينيات بين الدولة والمعارضة. أما منذ التسعينيات من القرن الماضي فقد صارت كما أختزلها بين اللاعب والجمهور. ورغم كل هذه التغيرات الذي حدثت في الزمان، فإن الذهنيات ظلت على ما هي، بل إنها لم تزدد إلا ترديا مع تبدل نوعية العلاقات ومحدداتها. كان ميثاق تبادل المسؤوليات هو الذي يضبط إيقاع تلك التمفصلات ويعيّن توازنها. ومنذ أن صار اللاعب يمارس اللعبة السياسية بدون اعتبار للجمهور، لأنه يلعب، وعينه على ما يدره عليه اللعب، صارت الممارسة بدون حس وطني.
حين تكون ممارسة السياسة بدون حس وطني تصبح خيانة للمسؤولية. وعدم مراقبة اللاعب، ومحاسبته، تقصير في أدائها. وكل المشاكل التي صار يمارسها بعض الجمهور في الملاعب، من شغب وتكسير للممتلكات العامة ليس سوى تعبير عما وصلت إليه العلاقة بين اللاعب والجمهور. وحين يتابَع الجمهور، ويقصَى اللاعب من المتابعة والمحاسبة تتأكد طبيعة العلاقة الجديدة التي تنم عن تصدع الميثاق الوطني الذي يقضي بتحميل المسؤولية للجميع وعلى درجة واحدة من المحاسبة عبر تطبيق القانون الذي ينبغي أن يسمو فوق الجميع.
صارت المسؤولية السياسية كرة، ألسنا في «لعبة الديمقراطية» تتداولها الأرجل، ويلقيها كل إلى الآخر متملصا منها، ليس لتسجيل إصابة في مرمى الخصم، ولكن لإلقائها في مرماه الخاص، ليعمل على تعداد الأهداف التي حصل عليها ضد الفرق الأخرى. كان المدرب يبدل اللاعبين كلما رأى تهاونا في الأداء. تماما كما كان يختار المنتخب الذي يمكن أن يرفع الراية الوطنية عاليا. وحين يفشل الفريق في إحراز النصر، كان يقال من مهمته، أو يستقيل تلقائيا بعد انتهاء المباراة. ومنذ أن صار ما يهم اللاعب هو أن يكون في الواجهة، والمدرب يتقاضى راتبه الخيالي سواء انتصر الفريق أو انهزم. وحتى في حال الهزيمة، وعندما تفسخ عقدته يستفيد مما يتضمنه العقد، صارت الهزيمة والنصر سيان. فما دام المهم هو احتلال الموقع في الميدان، فلا يهم الجمهور ولا أفق انتظاراته، وإذا ما مارس شغبه في الملاعب، فلا يمكن إلا تعريضه للقانون الذي يعاقب مرتكب الاحتجاج والمعلن عن الرفض.
وجدتني أستعيد ثنائية «اللاعب والجمهور» بعد خطاب العرش الثامن عشر في 29 تموز (يوليو). وككل خطابات الملك كان قويا وموضوعيا في تشخيص الأزمة البنيوية التي يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: فقدان الثقة بين اللاعب والجمهور. فلا اللاعب يضطلع بواجبه، بحس وطني ومسؤول، على النحو الأمثل الذي يحقق توقعات المجهور، ولا الجمهور راض عن الأداء. ولا يمكن لذلك إلا أن يؤدي إلى أن تكون آثاره واضحة في تأزيم الوضع الاجتماعي، وتوتر العلاقات بين مختلف الأطراف خلافا لما كان متوقعا بعد أحداث 20 شباط (فبراير)، وما تلاها مع خطاب 9 آذار (مارس) الذي فتح مجالا جديدا وأفقا مستقبليا واعدا. وما عرفه الحراك في الريف، وفي بقية المناطق في المغرب سوى دليل على هذا المآل الذي يضرب في العمق ما كان بإمكان المغرب أن يكون عليه بالقياس إلى بعض الدول العربية التي ما تزال تعيش هول الكارثة.
جاء الخطاب الملكي ليلخص هواجس الشعب وانشغالاته وهمومه وليترجم ما يحس به ويعانيه، فكان التجاوب معه من لدنه، ويكفي للمرء أن يتابع مع ما يجري في وسائل التواصل الاجتماعي ليظهر له ذلك بجلاء. وأي قراءة فاحصة لما يتم تداوله بصدد الخطاب، والذي يمكن أن يكون موضوع بحث علمي، لا يمكنها إلا أن تدل على ما وصلت إليه ثنائية اللاعب والجمهور في المغرب المعاصر.
إن فقدان الثقة جاء وليد غياب تحمل المسؤولية. وإذا كانت الأحزاب والمنتخبون والبرلمانيون والمسؤولون في مختلف القطاعات يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية فإن السؤال الذي يمكن طرحه هو: لماذا لم يتحملوا مسؤولياتهم؟ وهل هم في مستوى المسؤولية؟ وما هي ردود أفعالهم على الخطاب الذي كان يقصدهم مباشرة؟ هنا نجد ذهنية «اللاعب» الذي يتملص من المسؤولية، ويعمل على إلقائها على غيره. ولقد عودنا المعلقون الرياضيون على تبرير الهزائم بانحياز الحكم إلى الخصم، أو بالطقس غير المناسب، أو بإصابة أحد اللاعبين… أو ما شاكل ذلك من المبررات الواهية. إن الأحزاب المعنية بالخطاب تبنت ما جاء في الخطاب الملكي، ونوهت به، وكل منها يتوهم بأنه يقصد خصومها، وأنه لا يعنيها. وفي إحدى الرسائل المتداولة على الواتساب إشارة واضحة إلى مجموعة من «المسؤولين» يقول كل منهم لغيره إنك المقصود؟
أليس هذا ما يجري وسط الملعب حين يتقاذفون بينهم السباب، وكل يتهم الآخر بأنه لم يحسن التسديد إليه، أو لم يمكنه من الكرة ليسجلها؟ وفي إحدى الصور من البرلمان، يصل الأمر بأحدهم، وهو يتحدث عن مكافآت تقاعد البرلمانيين إلى أن يتحدى الجمهور بقوله بأن رفض تقاعد البرلمانيين ليس سوى حلم أو وهم، وينهي بالقول الذي يثير ضحك رئيس الجلسة، والتصفيق: من أعطانا أخته فليأت لأخذها؟ أي ذهنية هذه التي تسخر من الذي صوت عليه؟ إنه لا يحترم الجمهور الذي أوصله إلى الميدان (تحدث عن الفيسبوكيين) لأنه ببساطة لا يلعب من أجل هدف سام، ولكن فقط لضمان عيش ما بعد التقاعد؟ هذا اللاعب هو نفسه الذي يلعب في المنتخب بدون حس وطني، وكل ما يعنيه هو الحصول على المكافآت الخيالية؟
إن الفيسبوكيين الذين تحدث عنهم البرلماني ساخرا، مستشهدا بما قاله عنهم رئيس الحكومة هم الجمهور المغربي، بل إنهم الشعب المغربي الذي ينتظر من المسؤول الاضطلاع بواجبه. لقد تغير الزمان، وصار المواطن المغربي يهتم بشؤون السياسة التي يكتوي بنار من لا يتحمل مسؤوليتها. إن مستخدمي الفيسبوك في المغرب وصل إلى 13 مليونا، وحين يتم تداول ما قيل تحت قبة البرلمان لا يمكن سوى تأكيد ما جاء في الخطاب الملكي، وهو يتحدث عن الثقة.
لا يمكن للأحزاب ولا للمسؤولين أيا كان المنصب الذي «يحتلونه»، أو الموقع الذي أسند إليهم لاعتبار أو لآخر، أن يضطلعوا بدورهم، كما أنه لا يمكن لأي منهم أن يستقيل لسبب بسيط هو أن الذهنية التي تربوا عليها، وفطموا، تقضي بأن يتصرفوا بدون وعي بالمسؤولية، أو حس وطني. وحتى القسَم الذي يؤدونه لا يرون فيه سوى بروتوكول ينتهي بانتهاء أدائه. فرئيس الحزب، والمسؤول الحكومي أو الإداري لا يرى أنه حمِّل المسؤولية أو الأمانة، والمسؤولية أمانة، لخدمة الوطن والمواطن، وأي تقصير في أدائها سيعرضه للمحاسبة. إنه حين لا يعرف أنه «مسؤول»، و»متابع» يتصرف بهذا الوعي، ولا سيما حين تكون النماذج أمامه لا حصر لها.
إن الخطاب الملكي وهو يضع يده على الجرح الحقيقي، كان في رأيي نقدا موضوعا وذاتيا لما آلت إليه الأوضاع في ظل تسيب المسؤولية وعدم تقديرها ممن حُملوها. وإذا كان ربط المسؤولية بالمحاسبة ضروريا، كان لا بد من العمل على تغيير الذهنيات. «المسؤولية الوطنية» هي الورشة الكبرى التي يجب العمل على فتحها لدخول زمن سياسي بديل.
كاتب مغربي
سعيد يقطين