■ يعتبر السؤال – حسب طبيعة التفلسف- هو استدعاء المعرفة وطلبها، أو ما يؤدي إلى المعرفة… والسؤال بحث وتساؤل، وليس بالضرورة أن يكون له جواب واحد يغنيه عن الأجوبة الأخرى، لأنه قد يتحول إلى مشكلة أو إشكالية فلسفية، وقد يختلف الجواب لسؤال واحد وهذا حسب اختلاف زوايا النظر والرؤية والاقتناع.
ولما كان «السؤال هو رغبة الفكر» (كما قال موريس بلانشو) بناء على قصديته التي تروم استجلاب المعرفة، فإنه لا يمكن الاستغناء عنه، سواء في النص الفلسفي أو النص الأدبي، لخصوصيته ودوره في طرح القضايا، سواء بقصد الوعي بها أو بقصد نقدها.
النص الأدبي تكمن قوته الإبداعية في مدى قدرته على إقلاق القارئ/المتلقي، والسير به نحو التفكير والدهشة التي تتمثل في الانفعال والرجة الوجدانية، فالفكرة «تنعش إحساسنا بالعجب والدهشة، بإظهارها الأمور المألوفة بمظهر مألوف»، و«الكشف عن إمكانات غير معروفة». والدهشة يقول عنها هيدجر «إن اندهاش الفكر يعبر عن نفسه بالتساؤل». وهي مرحلة طرح السؤال والإحراج… وأقصد أن النص لا يُهادن ولا يستسلم أمام قارئه، فهو إما أن يجيب عن تساؤلاته المفترضة التي ترافق فعل القراءة، أو أن يطرح بدوره أسئلة تستفز المتلقي وتحرضه على التفكير والتأويل، ونص يفتقر إلى الأسئلة يفتقر إلى الكثير. والأسئلة قد تكون فلسفية، وجودية أو ذاتية، أو تتعلق بالمجتمع والحياة والوجود، أو بالتاريخ والثقافة عموما، أو تكون نقدية وقد تكون أسئلة تتعلق بالكتابة نفسها.
القراءة مُساءلة للنص، وكل قراءة لم تنبنِ على مبدأ السؤال، أو تنطلق منه، ليست قراءة جادة، لأن فعل القراءة يقتضي المُساءلة والتساؤل والبحث عن الإجابات والمعنى… وفي الوقت ذاته هي مسؤولية، فالقارئ مسؤول عن استنتاجاته، مسؤول عن فهمه للنص. وكل قارئ له نصه المفترض المنبثق من النص الأدبي. وإذا كانت «القراءة تبدأ بالسؤال!» فإن أول ما نحتك به ونحن نروم قراءة مجموعة «وداعا شوبنهور» للكاتب المغربي عبد السلام الجباري، هو العنوان، بصياغته اللفظية. فالأسئلة التي يمكن أن تتناسل حوله، تتلخص في (السبب والقصد والغاية) أي ما سبب الوداع؟ وما قصديته؟ وما غايته؟ ثم ما الدلالة الرمزية أو الوظيفية لاسم شوبنهور؟
الكاتب واع بدور العنوان الاستفزازي، باعتباره نصا مصغرا لا يمكن الاستغناء عن فاعليته، ثم هو واع بأهميته في أداء المعنى، لاسيما حين وظف اسم شخصية فلسفية تحيل على مدرسة فكرية فلسفية.
السؤال عند عبد السلام الجباري لا يقف ولا يتوقف ولا يُهادن، فهو حاضر باستمرار في جمله القصيرة أو الطويلة، حتى إن لم يشر إليه بعلامة الاستفهام، يُطلُّ علينا من بين نصوصه، أو يتحول النص إلى سؤال كلي أو ينتهي بعلامة استفهام تترك للقارئ مهمة البحث النظري أو صياغة موقف ورؤية. وكل سؤال يستدعي سؤالا آخر. لأن طبيعة التفلسف، أن كل سؤال يتبعه جواب، ويتحول الجواب بعده إلى سؤال، وقد قال السارد: «أليست الفلسفة، هي عبارة عن أسئلة وأجوبة كما قال ياسبرز؟». ولأهمية السؤال عند القاص فقد كرر عبارة «فكان السؤال» داخل نص «كارل ياسبريز» مرتين. وفي نص «إياك أن تنسى لورا»، قال: «إنها بداية السؤال والتساؤل». أما في نص»خلف شجرة التوت» قال السارد: «هل أقول إنه زمن الأسئلة/أسئلة الفرح والحزن، أسئلة الألم والقلق، أسئلة المستقبل». وفي نص «العطر والإخصاب» قال: «إنه زمن الأسئلة».
نرى من هذه الاقتباسات أن الكاتب عليم وواع بضرورة السؤال، وبأهميته، وبجدواه، لهذا جاءت النصوص التي بلغت 33 نصا، ملأى بالأسئلة على اختلاف وتعدد حقولها المعرفية:
– أسئلة الوجود:
لا يكلُّ الإنسان من طرح أسئلته الوجودية التي تقلقه، ذلك لعدم اكتفائه بالمسلمات، بل يطمح إلى إيجاد متسع آخر للجواب خارج إطار أي تأثير تقليدي مرجعي. ولهذا فقد وظف الكاتب الأسئلة الوجودية ضمن المجموعة، ليعطي لشخصياته الساردة حقها في أن تفكر وتتأمل وتسأل، أو لعله بدوره يفكر من خلالها، خاصة أنه في كثير من النصوص يوجهها حيث يريد، أو يُقوِّلها ما يريد أن يقوله. ومن أمثلة الأسئلة الوجودية التي وردت: « لماذا أتيت إلى هذا العالم؟»، وحتى إن كان هذا السؤال سبق طرحه عبر تاريخ الفلسفة والفكر، فهو جاء في سياق النص مختلفا، إذ أن الجواب طرحه السارد بشكل ساخر، ليخالف تحديدا ما قاله الأولون: «لأعيش.. هذا ما يفعله الآخرون، لا داعي لتكرار ما قاله الأولون» ولعل الإشارة هنا مفادها أن الإنسان المعاصر لم يعد يهمه تحديدا سؤال الوجود بقدر ما تشغله قضايا العيش وكرامة العيش، فمن يفتقد سبل العيش الكريم لن يعطي لهذا السؤال الفلسفي أي أهمية، بقدر ما يرى فيه ما قد يلبي له مطلبه المعيشي.
– أسئلة الذات
في النص القصصي لا يمكن إقصاء البعد الذاتي. فالذات هي منطلق بناء القصة القصيرة، سواء تعلق الأمر بهموم وقضايا فردية أو جماعية أو إنسانية. كما أن الوجود الفردي للشخصيات في مواجهة الآخر والغير، ومواجهة العالم الخارجي، هو من بين اهتمامات القاص، فإذا كانت أسئلة الوجود واحدة من القضايا المطروحة في المجموعة، قصد إثارة فعل التساؤل والبحث عن الأجوبة الفلسفية العميقة، وعدم الاكتفاء بالمسلمات، فإن أسئلة الذات الفردية تتمركز حول قضايا شعورية تخص شعور الفرد (ألمه، حزنه، حنينه، شعوره بالخوف، إحساسه بالافتقار إلى الشجاعة، قلقه) وتارة، تخص المجتمع والآخر.
ومن الأسئلة الذاتية قول السارد في سياق الاستفهام والاستنكار: «أم أنه الخوف من الآخر؟»، وهذا سؤال يحدد طبيعة العلاقة التي تربط ذات الإنسان بالآخر، على اعتبار أن الآخر دائما يشكل خطرا محدقا يهدد الأمن الذاتي، وهذه طبيعة بشرية أنه يخشى مَنْ (وما) لا يعرف.
– أسئلة الكتابة
الكتابة تشكل لدى عبد السلام الجباري هاجسا مقلقا، لهذا فلا غرابة أن نجده في مجموعته «وداعا شوبنهور» منشغلا بإيجاد نص لا يشبه نصوصا أخرى، (في رحلة التجريب) بحثا عما لم يُكتـــب، نقرأ: «قلت لماذا لا أرمي بهذه الخربشة مع باقي الخربشات الأخرى؟ لم يحالفني الحظ في كتابة ذلك النص، الذي أكتوي من أجـــله.. نص لا ينتمي إلى عالم الظلام ولا إلى عالم النــــور. نص يوجد خارج هذين الإطارين، نص، يشبه رائحة العمر الجميل».
ثم إن قلق الكتابة يتحول عند الكاتب إلى السؤال، الذي يحاول من خلاله أن يشارك المتلقي في إشكاليات المفاهيم التي تخص الكتابة. والكاتب كما يقول موريس بلانشو: «يعتقد أنه يخبئ في ذاته قارئا ما يكتب، يحس أن بداخله جزءا من القارئ، جزءا حيا وملزما، قسطا من القارئ الذي لم يوجد بعد»، لهذا فهو في الكتابة يكتب عن الكتابة: يعتبرها عبادة: «أنا أعبد الكتابة وأشفى بالكتابة وأغتسل بالكتابة إذا كنت جنبا»، ويتساءل: «لماذا الكتابة تبدأ بالماضي؟»، وقلق السؤال دائما يتجلى في طريقة طرحه على لسان الشخصيات: «الحكاية مدخل إلى كتابة القصة…هل الحكاية قصة؟»، «هل الحكاية/ القصة تأويل، صورة؟».
– أسئلة المعاني والأشياء
يسوق الكاتب داخل هذه النصوص جملة من الأسئلة الفلسفية، التي تعيد تركيب المعاني ومفاهيم الأشياء حسب أنساق مختلفة. والذي يبدو أن السؤال عند القاص مقصدي، ولا يرضى بإجابة مستعملة مستهلكة، فقد نرى أنه يطرح أسئلة تستفسر عن أشياء ومعان معروفة بداءة وبداهة، والجواب المفترض أو الذي يكون متوقعا سيبدو سهلا إن ركن إلى الأجوبة الجاهزة، لكن مقصد الكاتب ليس ذلك، فالطرح ينفتح على كل التصورات الفلسفية، فالسؤال العلمي يختلف عن السؤال العادي بكثير، كما يختلف عن السؤال الفلسفي، فهو يسأل مثلا: «إذن ما معنى المجيء»، «ما المقصود بالطبقة؟»، «قلت في سري.. ما الفرق بين الطمأنينة واللاطمأنينة؟»، «ما علاقة أنماط التفكير بالحزن والفرح؟». إنها أسئلة يتخذها القاص متكأ لتشكيل خطاب النص.
بمثل هذه التساؤلات يبني الكاتب خطاباته ويؤسس نصوصه، في إطار جدلي فلسفي، تتسم بالتنوع على مستوى اختلاف المنابع الفكــــرية، والتعدد على مستوى الرؤى، والتناقض على مســـتوى الأفكار والمشاعر والحس الذاتي. ولعل نصوص الكاتب تختلف في نسقها عن قالب السرد القصصي المتعارف عليه، لأنها نصوص إشكالية، «ويصعب معها تلخيص المادة الحكائية، لكون الحكاية لا تخضع للبنية المألوفة»، فتبدو نصوصا ذات عوالم خاصة، تتوسل بالمفاهيم الفلسفية لتحقق ذاتها وخصوصيتها.
«وداعا شوبنهور» مجموعة قصصية تقع في 148 صفحة وتضم 33 نصا، صدرت طبعتها الأولى سنة 2015 عن مطبعة سليكي أخوين في طنجة.
٭ كاتب مغربي
رشيد أمديون