باريس ـ «القدس العربي»ـ صهيب أيوب: في شقة صغيرة، لا تتعدى الـ15 متراً، في إحدى ضواحي تولوز، تستقبل ماديا زوارها. إنهن نساء على الأغلب، يبحثن عن أقدارهن من خلال ممارسة الشعوذة، التي ورثتها السيدة الخمسينية صاحبة الوجه المستدير والملامح القاسية، عن جدتها المغربية، باحثة في عملها عن متعة وشغف وليس فقط عملاً يدر عليها المال، وفق ما تقول.
تضع ماديا في غرفتها الصغيرة طاولة وعليها بخور مشتعل، يزيد من دفء الشقة وحميميتها. إنها أصول مهنة، تنتشر في الخفاء في فرنسا. فهناك عوائل من 5 بيوت، بين باريس ومدينة «بورغ» (وسط فرنسا) وتولوز الجنوبية، قامت بزيارتها. ويبدو أن الاسرار حاضرة بكل ثقلها، فلا أحد يريد أن يتحدث كثيراً، عما يفعله بين الغرف شبه المظلمة والتي تبدو كأنها آتية من مشاهد الأفلام.
تستقبل ماديا النساء فرادى. بعضهن يأتي من أجل الإنجاب أو فك السحر عنهن، أو إخراج الشياطين أو طلبا للشفاء. وثمة نساء فرنسيات يبحثن عن أقدارهن في الحب والزواج، وإخراج الشياطين ايضاً. «إنهن يردن الحصول على حياة أفضل»، تقول لـ»القدس العربي» وهي تؤكد أنها لا تعطي مقابلات صحافية، مكتفية بلقبها في المهنة والذي يشتهر كثيراً، حيث يزرنها نساء من الباسك ومدن جنوب فرنسا وقرى «البيرينيه» وأيضاً من برشلونة واسبانيا، ومدن «البروفونس».
هنا حيث تضم الغرفة الضيقة، كنبة صغيرة وقماشا قرمزياً معلقاً فوق الجدار، تنطق كثير من الأسرار والخفايا. تحاول ماديا، كما تسمي نفسها مساعدة النساء المصابات بالعقم، وتعطيهن أملاً في أن الإنجاب ليس مستحيلاً، وتبيعهن عبوات ماء مرقية أو «تمتمات» توضع في الثياب، «لقد نفعت كثيراً»، تقول، وتضيف أنها تساعدهن فقط. من دون إضافة معلومات كثيرة حول كيف تكون هذه المساعدة وما هي الوساطة التي تقوم بها، مشيرة إلى أن «السحر ليس خرافة. إنه حقيقة علينا تقبلها. وقد نقلت هذه الثقافة من بلادي إلى هنا» مشيرة إلى أن جدتها تعمل في هذا المجال منذ زمن. «لقد علمتني، وصرت مثلها».
تجارة ماديا، ليست سهلة، لكنها في النهاية تجارة مربحة. «أتقاضى 50 يورو على كل جلسة. ومن بعدها تصبح 70 يورو. وكل حسب ظرفه» تقول السيدة الخمسينية، وهي ترتب شالاً وضعته على رأسها.
لكن تجارة ماديا، هي أمل بالنسبة لبعض الفرنسيات. جين، واحدة منهن. وهي امرأة أربعينية، فقدت كل السبل لإعادة حبيبها، ولم تجد بديلاً عن ماديا لمساعدتها. تقول: «كانت ماديا أملي الأخير. لقد استسملت. منعني من التحدث إليه. تركني بعد 10 سنوات من معرفتنا وسكننا مع بعضنا بلا زواج. ولكن ماديا أرجعته لي بعد سنتين من تركه لي»، موضحة: «لولا ما فعلته ماديا لما حصلت على حبي من جديد».
اقتنعت جين بالذهاب إلى ماديا من سيدة مغربية تعمل في الشركة نفسها معها. «قالت لي إن الحل فقط في السحر. ومنذ ذهابي إلى ماديا والأمور أنجزت بسرعة»، تقول جين وهي تبتسم بفرح، وتشرح أن السحر ليس خدعة وقد تحقق فعليا ما أرادته، «حين أخبرت صديقة مقربة لي قالت إني مجنونة. فلا يعقل بإنسانة مثلي أن تقتنع بهذا».
بيت ماديا كما يسمى، حين تذهب النساء للاستدلال عليه، يشبه بيت «عيشة» السيدة الجزائرية القبائلية التي تعلم في هذا المجال في إحدى ضواحي باريس منذ 20 عاماً. السيدة عيشة ولدت في تيزي اوزو، وعاشت جزءاً من مراهقتها في قسنطينة، وعملت «ساحرة». ترفض السيدة الستينية وصفها بـ الساحرة، «أنا راقية شرعية»، أي إنها تقرأ سوراً قرآنية على المرضى والباحثين عن العلاج أو الذين لبسهم الشيطان، «إنه فقه وعلم»، تقول. وتشير إلى أن الفرنسيات صحيح لا يؤمن بالإسلام ولسن مسلمات لكنهم يعترفن بقوة هذا الدين بفك السحر، «إنهن يأتين لأنهن يعرفن ماذا يعني الدين في درء الأذى».
في شقتها هناك امرأة أخرى تساعدها، تنظم أمورها، وتجلس السيدات تحضر لهن ماء أو تضيفهن أكواب الشاي بالنعناع. «إنها مهنة لكني أقومها لأني الفرنسيات يحتجن إلى إيماننا العميق» على ما تزعم السيدة، التي تركتنا لتقول: «لكن كل شيء بيد الخالق».