السردية العربية وإشكالات التجاوز الجندري

حجم الخط
1

■ قليلة هي الأسماء الروائية العربية التي تمكنت من كسر قمقم الأنا، ومركزيته، وتحررت من آثار جروحها النرجسية الموروثة، وأطراس بيئة المنشأ، لتتخطى حدود الجسد والجنس والذاتية الدائبة على شخصنة كاتبها وتمثيله، وتبئير صوته المفرد وتمركزه الجندري المتسلط. لدرجة أن الكثير من القراء والكتاب المحدثين اعتقدوا أن الكتابة ليست سوى سرد الذات بلغة شعرية ينطلق خطابها بكل محمولاته؛ من شخصيات وصور ومشاهد منطلقة من مدار الأنا وعائدة إليه. وهذا ما صارت تنتجه معظم الأقلام الأدبية الحالية التي تعكس وضعاً يمكن أن نسميه «عقدة كتابة»، علينا محاورتها وتوسيع دائرة النقاش حولها. ولننطلق من تساؤل أولي: أين نصنف – في الكتابة الأدبية- قلماً لا يجسد سوى المنظور المتماثل مع ذاتية صاحبه، بينما يعجز عن تخييل أو تمثّل رؤى الغيرية والاختلاف أو يتلافاها؟

متلازمة التوحد الإبداعي بين الكتابة بالذات والكتابة للذات

في تشطير أولي لهذه المتلازمة، علينا التفريق بين نمطين من الكتابة الذاتية: (الكتابة بالذات والكتابة للذات). وهما طرفا متلازمة التوحد الإبداعي، باعتباره مُركّباً ثقافيا وفكرياً وجسدياً؛ يجسد طرفه الأول: (الكتابة بالذات)، أعمالاً إبداعية متوافقة مع الأنا ومتطابقة مع انتماءات صاحبها وعقيدته، ومدفوعة بهيمنة متسلطة من التفكير الإبداعي المتحيز للانتماء الجندري فكراً وقضايا؛ وهو ما يدرجه بعض النقاد ضمن حقل «الالتزام». وهو ما يحوِّل النظرة الأحادية والتمركز الثقافي والفكري لدى الذات الكاتبة، والعجز عن تمثل أي منظور غيري، إلى موقف فكري وإبداعي يدفعه من الناحية الفكرية؛ الانتماء العرقي، والهوية المتكلسة في الماضي، حينما ترفض الانفتاح والتجدد، ومن ناحية نفسية هناك دافع تغذيه أزمة الجندر لدى الكاتب وعقده الحضارية والجسدية المتسلطة على ذهن الكاتب. مما يجعل من الكتابة إنتاجاً ملتزماً بحدوده الانتماءات التي تطوق الذات، وتحدد أفق رؤيتها الإبداعية، ويجعل من نماذجها البشرية، علامات خاصة وفئوية. لكن مع ذلك يبقى هذا النموذج من الكتابة منفتحاً على الآخرية عند التلقي، لأنه ضرب من الكتابة (عن الذات) المتجهة نحو تقديم عالمها وفكرها وجنسها إلى الآخر الذي يتطلع إلى اكتناه عالمها، ويشغف بالتطلع إلى محتوى فكرها الإبداعي، وأنماط تعابيرها عن ذاتها ونوعية تعاطيها الفني والرؤيوي مع عالمها، مما لا يمنع وصول بعض نماذج هذا الإبداع إلى تخوم القومية أو حتى العالمية. ومن من أهم ميزات الكتابة عن الذات المتجهة نحو الآخرية؛ هي طبيعة جندرها المنفتح. الذي يجعل فعل الكتابة جهاز طرد مركزي لخصوصياتها ومكنوناتها، حيث ينطلق فعل الكتابة من الذات ولا يعود إليها. ورغم هذا تبقى هذه الكتابة مطبوعة بمتلازمة التوحد الجندري ذاتاً وموضوعاً. وهو ما نقرأه جلياً في كتابات نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وأحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق وفيروز رشام وغادة السمان، وعلوية صبح وغيرهن.
أما الكتابة للذات فإن متلازمتها مغلقة المجال، بفعل فكرها الجندري المتقوقع على ذاته التي لا ينطلق منها إلا ليعود إليها، كفعل من يتكلم مع مرآته. في غرفة مغلقة، وهي خصيصة كثير من الكتابات المعاصرة التي تزعم الروائية وهي تتكلم بصوت منفرد يعادي الحوارية (وهي خصيصة الرواية) بسيل من إنشائيات الخواطر والهلاوس الشعرية، في مسار كسيح لكتابة دورانية حول ذاتها التي لا يمكن أن يفهم خطابها غير صاحبها الذي عادة ما ينتهي إلى ذاته التي انطلق منها حينما يؤزه ميسم الكتابة تحت ضغوط تنفيسية غير واعية بماهية الكتابة وصنعتها الفنية شكلاً ولا معنية بمواقع الآخرية منها فكراً ومضموناً.
تلك الكتابة السائرة في خط مستقيم من (أَلِف) الأنا إلى يائه. مطبوعة بمركزية لا تغادر متعالياتها الجندرية إلا لتعود إليها، وهو نموذج متسع يروج باطراد لدى الأقلام المبتدئة. ولعل مثاله الأوضح ما تكتبه السعودية أثير عبد الله النشمي، من هواجس حياتها التي بلغت من مجانية الوصف والسرد المتداعي، حداً ساخت فيه جماليات السرد إلى مهاوي الثرثرة النسوانية التي لا مبرر سردي لها، إذ يمكن أن نعثر على ما هو أبلغ واعمق دلالة من هذا السرد لدى أية امرأة تحكي ظروف وصعوبات حياتها في أي مناسبة أو تجمع. ما يجعل توسل الكتابة فقط من أجل البوح والتنفيس الذاتي، فكرة مفرغة وترفا كتابياً لا يحمل أية إضافة فنية أو فكرية لفن الرواية. ذلك أن فقاقيع الصابون تشبه فعلاً الكرات في استدارتها لكنها ستتلاشى وتستحيل بعد ثوان معدودات من خروجها إلى الفضاء. وهذا مصير تلك الكتابات التي تدعي الروائية بعناوين فضفاضة لا تتجاوز شعبويتها مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يكون لها أي محمول سردي أو سند فني في جنسها، يحمي استمراريتها ويرسخ خطابها في واقع التلقي. لذلك فإن تلك الفقاقيع السردية منذورة بطبيعتها للتلاشي بمجرد مغادرتها فضاءات الافتراض المحتفلة بالعناوين الرنانة والأغلفة الفائقة التصميم، حال وقوعها بين يدي قارئ حقيقي.
مما يلغي فنيا جدوى هذه الكتابة ويلغي فكريا دور الآخر وقيمة اطلاعه على العمل، ولا يترك في نفس القارئ سوى تساؤل محير: ما الغرض من وراء نشر بوح تنفيسي لا يتجاوز الكتابة للذات؟

الكتابة المضادة وإكراهات التجاوز

في أقاليم أخرى قصية عن مجرة التمركز الجندري؛ تحاول الكتابة المضادة للذات، للمواقف، للجنس، الانتماء الفكري، للرؤى الذاتية، أن تزرع المعنى في حقول آخرية مختلفة عن المدارات الأليفة للذات، حين تطوح به بعيداً عن منابته ومركزياته، فتثير الدهشة، وتبتكر الغرابة. سواء في بيئة الأنا أو في بيئة الآخر. نتكلم هنا عن اللغة المضادة للغة ذاتها، تلك التي يمكن أن تشكل معالم ورؤى الاختلاف، مع الذات أولا قبل أن تحيل على الأنا كمركز مهجور.
نتكلم سردياً عن البطل المضاد لهوية كاتبه جنساً وفكراً وانتماءً وعقيدة، ومنظوراً، وعن كاتب يصنع عوالم ومجتمعات سردية تلفُّ وجوده الممكن عن اللغة المضادة لهواجس الأنا، ونوازع الفكر، ولغة الكاتب الذي يجسد الرؤية بالترائي المختلف بين الذوات والمواقع.
لكن بين هذه الغايات الفنية والاستجابات الجمالية في الكتابة، وبين الكاتب العربي، عقبات وعوائق شتى، تحول دون مخالفة النص لصورة ولون صاحبه، وتنزع إلى تنميط أحادي المنظور والفكر، لا يسمح لصاحبه بتحقيق أية مسافة جمالية بين الذاتين الواقعية والتخييلية. إنها حالة توحد ذهني وتأليفي تطبع الغالبية العظمى من الكتاب، وتنعكس في أعمالهم. التي قسمناها فيا سبق إلى كتابات عن الذات وأخرى للذات.
في هذا الإقليم المختلف للكتابة نلفي ثلة من الأدباء العرب الذين تجاوزوا سلطان التوحد إلى ضفاف كتابات مضادة للهوية والأنا والفكر، وحرروا مخيالهم السردي وأبطالهم من ربقة معتقداتهم ورؤاهم الشخصية في صورة الروائي العراقي برهان شاوي، الذي أعتق نماذجه البشرية -في سلسلة متاهاته الروائية- من زخم وجوده القومي وانتمائه العرقي والجندري، فكانت سلالات شخصياته (من الحواءات والأوادم والقوابيل والهوابيل)، نماذج عابرة ليس فقط لانتماء الذات الكاتبة جندرها، بل للحضارات والثقافات والقوميات؛ إذ نقرأ فيها نماذج ملحمية عابرة للقوميات والمركزيات، تتقاطع مع جحيم دانتي، وفردوس ملتن، وتحاكي في نماذجا الفانتاستيكية الحالمة ملاعين يوهان غوته تارة، ومسوخ ستيفان كينغ تارة أخرى، كتابات يغيب فيها التحيز القومي والجندري لصالح متعاليات أوسع مداراً كالمأساوي الإنساني ولأسطوري والكوني، وإن تواترت نعوت البغدادي والعراقي والعربي في أعماله، فإنها لم تأت إلا كمعالم للتجاوز وليست للتبئير والتمركز، وقد عبرت روايته الجامعة «استراحة ميفستو» عن ذلك الاختراق السردي لكل دوائر المحلي والقومي والخصوصي، نحو قضايا وجودية وإنسانية أرحب أفقاً ودلالة ومخيالاً تفاعلت فيها كل الأسئلة والرؤى الفنية والفكرية بصورة مسحت حدود التمايز بين الأنا والآخر وخصوصيات الذات وانتماءاتها التي أضحت معطيات عابرة للذوات والأجناس، وتيمات مطروحة في طريق السارد، دون أن تمثل أي منها محوراً للسرد أو مركزاً لمنظوره.
وفي نموذج متميز في الكتابة المنفتحة واللامركزية، نذكر الروائي الجزائري الصديق حاج احمد (الزيواني) في روايته «كاماراد»، التي استنبت فيها نماذج بشرية موغلة في الاختلاف، والمغايرة مع قوميته وفكره وأرومته، لكنها ومتواصلة بوثوق مع محنة العالم وشقاء الإنسانية وشعرية الحيف والضياع كحس تراجيدي كوني من خلال تفاصيل حياة المهاجر الإفريقي الحارق والمحروق، وقد جسدت هذه النماذج وأخرى سابقة عليها، كيوسف إدريس وتوفيق الحكيم، والطيب صالح، قدرات خلاقة على تجاوز مركزياتها القومية والثقافية والجندرية، إنها نماذج معدة للاختلاف والتجاوز الذاتي، وتعبر عن صوت الإنسان الكوني أكثر منها عن صوت الأنا ومنظوره الشخصي. لتصنع أصواتاً وذواتاً وأفكاراً جعلت تلك الأعمال تتحدث بأكثر اللغات العالمية انتشاراً. لغة الفن والإنسان بأي حرف كُتبت.
وقد تبدَّت في السنوات الأخيرة مؤشرات اختراق راهنة خلخلت متلازمات التوحد الجندري، مثلتها أقلام عربية صاعدة شرعت فعلاً تجديد وتعديد إواليات الكتابة بفكر لا يحفل بالمركزيات وتمثيل الانتماءات، الأمر الذي كان عسيراً على أقلام مؤسسي الرواية العربية التي لا تنتقد الذات (إن انتقدتها) إلا بالأيديولوجيا. ومن بين هذه الأقلام الصاعدة، الحاملة لجينات كتابة التجاوز والاختلاف؛ نسوق مثالاُ لا حصراً أسماء: سعود السنعوسي، وبرهان شاوي، وأمير تاج السر، وحمور زيادة، والصديق حاج احمد (الزيواني)، وسمير قسيمي، وإسماعيل فهد اسماعيل. وعلي بدر، وراوي الحاج، وغيرهم ممن وسعوا عوالم سردهم خارج مدارات الذات والجندر.

الكتابة بالذات لدى الأديبة العربية، وسؤال ما بعد النسوية

يبدو أن الأمر مختلف نسبياً لدى الكاتبة العربية، حيث يحتل النموذج الذاتي الأنثوي جل مساحة التسليط الضوئي، وبمركزية يندر أن تُعطى لغير الصورة الأنثوية المتكلمة مع وعن ذاتها، وبخطاب تهيمن عليه قضاياها الرجراجة نفسها، ضد غيتو الأبوية والذكورية المناوئ، داخل قوسين ضيقين لمعادلة ثنائية مكرورة متلازمة اللتوجه (أنثى ضد ذكر)، ونظرة جاهزة الأمثلة، ومسبقة التمركز الجندري الذي تتحدث باسمه. مما يجعل السرد مجرد انعكاس استلابي لموقف واقعي معلن ومسبق وواضح المعالم والإحداثيات، يضاعف من تضييق أفق التأويل. على الرغم من أن الواقع خارج هذا المدار قد تجاوز كثيرا تلك الثنائيات بكل أثاثها المفاهيمي الجاهز.
لا فرق إن تحدث أبطال ثلة من الكاتبات العربيات بلسان شخصية نسوية أو رجالية، ولا مفاجاة حينما نستمع للبطل الرجل للكاتبة العربية وهو يخاطبنا ببوح أنثوي للذات الكاتبة، كما جسدت ذلك بكل بلاغة شخصية خالد بن طوبال (التي هي شخصية مستعارة أصلا من الروائي مالك حداد)، في ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، التي قدمت للقارئ العربي شخصية رجولية شكلاً ومستأنثة فكراً وروحاً وخطاباً، تنعدم فيها أدنى ملامح الرجولة، من صرامة خطاب رجل الثورة الذي تمثله، ومزاج الجنس الخشن وعنفوان سلوك «الأنيموس» (الشخصية الذكورية عند باشلار)، فيما غلبت على هذه الشخصية أنثوية الطبع وتسليم «الأنيما» (الشخصية الأنثوية حسب باشلار) المقهورة، وانكسار الخنساء المهجورة، بشكل قد ينزل بهذا البطل إلى ما دون طباع الأنثى نفسها، التي قد نشهدها تثور على القهر، وتسترجل عند الضرورة، وتنقلب طباعها إلى الشراسة حين تُجرح أو تُهان. لكن بطل أحلام لم يبلغ تلك الصفة ولم يسمح له تكوينه وبناؤه الفني بالتعبير عن رأيه بصوت مرتفع، حيث سيطر عليه المونولوغ وتيار الوعي الاستبطاني. دون أن يواجه خيباته وانكساراته، سوى بالاستكانة ولعن الذات والوطن، أو في أشجع الحالات باللواذ بزجاجة الخمر، أو الهروب إلى مرسمه الأثير، وهي ملامح أميل إلى الأنثوية التي لا يكاد يجدها القارئ في طبع الرجل العربي، بل تجاوزتها المرأة العربية نفسها، تحرراً وانتصاراً. وهذا دون البت في كون هذا التصوير للبطل خياراً سردياً أو عجزاً عن تمثيل الآخر.
ولا يزال النموذج الأنثوي المتوحد النظرة سائراً بقوة، لدى الروائيات العربيات، منذ غادة السمان ونوال السعداوي وعلوية صبح، إلى شهلة العجيلي وأحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق، وأثير النشمي، وغيرهن، ولدى السواد الأعظم من الكتاب العرب، بداية من طه حسين والعقاد وانتهاءً بجيل مجدد من الأقلام الصاعدة التي لم يتحرر أغلبها من هيولي هواجسه وانفعالاته وبوحه الجندري، باعتبار ذاته هي المنطلق والمنتهى الأوحد في ما يقدمه للقارئ من نصوص لا تعني في الواقع سواه.
وما نطرحه للتساؤل أخيراً؛ هو مسألة مكوث قلم الكاتبة العربية في مدار مراكزها الجندرية الأولى التي لم تغادرها يوماً، ولم يحدث فيه أي اخترق يذكر نحو كتابة غيرية التمركز والانطـــــلاق، أو هبّة أدبية ما بعد نسوية، فهـــــل يحـــــدث هذا بالإرادة؟ أم بالعجز؟ أم بثقل الإكراهات؟ حتى أنَّ تحرر المرأة العربية وكفاحها على صُعُدٍ شتى في واقعها المحلي، لم يفلح في إخراجها من قمقم جندريتها في الإبداع والكتابة التي تزداد تحصينا وتمركزاً، بشكل لا يكاد يسمح ببروز ملامح كتابة نسوية بعدية في الأفق، ليبقى سؤال التمركز الجندري لدى الكاتبة العربية ثابت الطرح والتردد إلى أجل غير مسمى؟!

٭ ناقد وأكاديمي جزائري

السردية العربية وإشكالات التجاوز الجندري

محمد الأمين بحري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية