السعادة والمساعدة

حجم الخط
20

(1)
ملاحظة: كنت قد ارتأيت إيقاف هذه السلسلة لأسباب معينة، ولكني تسلمت العديد من رسائل الأساتذة الباحثين، ومن الحريصين على تيسير نهج التعامل مع اللغة العربية وتفهّم أصولها وفروعها. ومنهم صحافيون، ومن طلاب اللغة العربية في العالم العربي والمملكة المتحدة، تسألني مواصلة النشر، لأسباب تفضلوا ببيانها. وتعبيرا عن شكري لهم، عدت إلى هذه السلسلة على أمل أن تكون عند حسن ظنهم وأن تقدم لهم ما يستحق أن يُقرأ وأن يُقام حوار معه. وسأخصص هذه الحلقة وحلقات أخرى، لما سأذكره في السطور الأولى من رقم (2) مبتدئا بالسعد والسعادة بمناسبة عيد الفطر الذي نأمل أن يكون سعيدا للناس، بالأمن والأمان والاطمئنان، وتحقيق الآمال الطيبة السعيدة.
(2)
اللغة العربية توشج بين القيم وتوحي بها، بذاتها، بجذورها اللغوية واشتقاقاتها، بلا حاجة إلى تنظير وثرثرة كلام. لذلك صدق من قال: علموا أولادكم العربية فإنها لغة تعلم مكارم الأخلاق. وهذا لا يعني أن جميع العرب أو جميع من تعلم العربية التزم بمكارم الأخلاق. كلا، ولكنه يعني أن التعمق فيها وإدراك معانيها والترابط بين جذورها ومشتقات تلك الجذور توحي إلى الناس مكارم الأخلاق، سواء التزموا بما علموه وعرفوه منها، أم لم يلتزموا. ولا نتوقع من جميع العارفين بهذه اللغة الالتزام بما تتضمنه من تلك القيم.
ومن الكلمات التي تنبئ بما قلناه كلمة المساعدة التي ترتبط بالسعادة، لأنهما من جذر لغوي واحد وأعني بالجذر اللغوي الأصل الثنائي أو الثلاثي للكلمة، وهو ما انبنى عليه المعجم العربي. وتعال معي:
الجذر (سعد) دالّ على الخير والسرور، والمعاكس الدائم للشر والنحس. فالسَّعد: اليُمن. والسعدان: نبات هو أفضل المرعى. وكان الناس يتيمّنون بنجوم عُرفت بنجوم السَّعد، وذلك أنها تظهر في فترة من أواخر الربيع حين تسكن رياح الشتاء ولم تأت زوابع الصيف بعد.
والحمامة الأنثى هي السعدانة. وللآن نرى أناسا كثيرين يسعدهم سماع صوت الحمامة، وإنما وصفوها بالسعدانة، لأنها تسعدهم، إذ تساعدهم على نسيان آلامهم أو تذكر أحبابهم. قال الشاعر:
من حيث أطربنا الحمامُ عشيّة
فشدا يغنينا الحمامُ المطربُ
وقال آخر:
وهاج ليَ الشوقُ القديمُ حمامة
على غُصُنٍ في غَيضةٍ تترنّمُ
والساعد من الذراع ما بين الزندين ومرفق اليد، وإنما سُمّي بذلك لأنه يساعد المرء على قضاء حوائجه، التي تتطلبها حياته اليومية. والسواعد، أيضا: مجاري المياه النقية إلى النهر أو البحر.
ثم تأتي المساعدة، أن تساعد امرءا، أي أن تقوّيه على أموره، ووصوله إلى ما يريد. وكأنك ضممت ساعدك إلى ساعده، تعبيرا عن التعاون المثمر البنّاء. والمساعدة مصطلح عامّ يدل على المعاونة في كل شيء. مع حدوث فارق دلالي بناء على سياق الجملة، فإذا قلت: ساعدت صاحبي على السفر، فأنت قد أعطيته ما يساعده على السفر بغض النظر عن رغبته في السفر أو عدمها. وإذا قلت: ساعدته ليسافر، فإنه كان يرغب في السفر وأنت ساعدته على ذلك. وقولك: ساعدته في عمله، مثلا، أي إنك قمت بشيء من العمل.
وقد قابل التنزيل العزيز بين السعادة والشقاء، وجعلها نقيضة له، وذلك في الآية (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ). والسعداء في الآخرة الذين تأهلوا لتلك السعادة بعلمهم النافع وعملهم في إعمار الأرض، وذلك قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا). ومنه: سَعَدَه اللهُ، وأسْعَدَه.
وثمة لفظة من الجذر هي الإسعاد، فأنت تُسعده وهو يُسعدك. ولكنّ مِنَ اللغويين مَنْ جعله خاصا بالبكاء. وذلك لأن الحزين الباكي، سيخفّ عنه حزنه إن شاركه به آخر. وهو نوع من الإعانة. كما في قول عاشق من عشاق هذا الزمن:
لا تلجّوا بِعَذْلهِ وَدَعُوهُ
فهو مُضْنىً وصحبُه ودّعوهُ
أسْعِدوهُ على التولّه فيهم
بعد صَدٍّ وغُربَةٍ أسْعِدُوهُ
نعم.. أسْعِدُوه، كتب الله لكم ولنا السّعدَ والسّعادةَ أيها الأحباب.

٭ باحث وجامعي عراقي ـ لندن

السعادة والمساعدة

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية