دخلت السعودية مرحلة جديدة من تاريخها في أعقاب حملة الاعتقالات التي استهدفت عدداً كبيراً من الأمراء ورجال الأعمال والأثرياء الذين لم يسبق أن تعرضوا لأي محاسبة أو مساءلة أو تم التعرض لهم في تاريخ المملكة، وذلك وسط توقعات مختلفة ومتباينة بشأن أسباب الحملة التي أطاحت بهذا العدد الكبير من الأمراء ومن بينهم الأمير محمد بن نايف والأمير متعب بن عبد الله، وكلاهما كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى العرش ليُصبح الآمر الناهي لولا أن بن سلمان حال بينهما وبين ذلك.
ويرى كثير من المراقبين أن «مملكة جديدة» تتشكل حالياً في السعودية وأن ما حدث مساء السبت الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري كان انقلاباً داخل العائلة، حيث أطاح الأمير الشاب محمد بن سلمان (32 عاماً) بكافة خصومه داخل المملكة ممن كان يسود الاعتقاد أنهم قد يعرقلون وصوله إلى الحكم، فيما رآى كثيرون أن الاعتقالات التي طالت الأثرياء ورجال الأعمال أيضاً تهدف لجمع مليارات الدولارات وتغذية خزينة الدولة بها.
لكن محللاً سياسياً سعودياً معارضاً يقيم في لندن قال لـ»القدس العربي» إن «الدولة السعودية تواجه الخطر الأكبر منذ تأسيسها» لافتاً إلى أن «اعتقال أمراء وأفراد من الصف الأول في الأسرة الحاكمة يدل على وجود شرخ عميق داخلها وخلافات حادة أدت إلى ذلك».
ورآى المعارض أن شخصية بن سلمان تلعب دوراً مهماً في الأحداث الجارية، وأضاف أن «شخصيته تتسم بالتهور والاندفاع والطيش الشبابي والرغبة في الاستحواذ على كل شيء، وهو ما يعزز المخاطر التي تواجه المملكة في الوقت الراهن».
وحسب المحلل السعودي فان «الأسرة السعودية وجملة الأمراء الذين تم الاعتداء عليهم لا يمكن أن يسكتوا على ما حصل، ولا بد من ردة فعل» وأضاف: «دعونا ننتظر عدة أسابيع لنرى، لكن آل سعود اليوم في أسوأ أحوالهم».
وتتفق جريدة «غارديان» مع تحليل المعارض السعودي لشخصية بن سلمان، حيث قالت في افتتاحيتها قبل أيام إن «بن سلمان شاب صغير تنقصه الخبرة ويتسم بالعدوانية. وتشهد سياسته الخارجية غير الرشيدة، التي كانت عواقبها وخيمة في اليمن وسوريا وقطر، على نزقه وتسرعه في صناعة القرار».
وأضافت أنه «يسعى الآن أيضا للإخلال بالتوازن الحساس بين القوى اللبنانية» وأكدت «غارديان» أن حملة الاعتقالات التي طالت أمراء وأثرياء في السعودية «بلا أدنى مواربة ذات دوافع سياسية وليست لمكافحة الفساد كما تعلن الرواية الرسمية».
ويرى أغلب المحللين أن السعودية تدخل عهدا جديدا يتضمن نخبة سياسية واقتصادية جديدة في البلاد، إلا أن السؤال الأهم الذي يظل مطروحاً هو حول مدى نجاح الأمير محمد بن سلمان في السيطرة طويلاً على المملكة بعد كل هذه العقود من حكم جيل أبناء الملك عبد العزيز، وهل سينجح في تفكيك مراكز القوى السياسية والاقتصادية، وحتى العائلية.
وقال الكاتب الصحافي البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ديفيد هيرست في مقال مطول حلل فيه التطورات في السعودية، إن الحدث «الذي قض مضاجع الكثيرين في ليلة السبت قد أعد له بشكل جيد» ولفت إلى أن سقوط الأمير متعب بن عبد الله كان متوقعاً على نطاق واسع، بهدف إحكام بن سلمان سيطرته التامة على جميع التشكيلات المسلحة داخل المملكة، بعد أن سيطر سابقا على الجيش ووزارة الداخلية من خلال إزاحة ولي العهد السابق محمد بن نايف.
كما يلفت هيرست إلى أن شيوخ القبائل التي يُجند أبناؤها في الحرس الوطني تم تجميد أرصدتهم البنكية، ومنعوا من السفر، بهدف سد الطريق على أي محاولة للتمرد أو الانشقاق، كما أصبح الإعلام تحت سيطرة بن سلمان تماما، بعد اعتقال ملاك أهم ثلاث شبكات إعلامية في العالم العربي.
وأضاف إن التحركات والاعتقالات الأخيرة تستهدف السيطرة على الثروة أيضاً، مضيفا أن «التحركات السابقة لبن سلمان شكلت استيلاء على السلطة، فيما كانت تحركات ليلة السبت استيلاء على الثروة».
ويقول هيرست إن الإجراءات الأخيرة في السعودية تحمل مخاطر سياسية كثيرة، كما تحمل مخاطر اقتصادية أيضاً على المملكة، مضيفا «يمكن الجزم بأن ما اتخذه بن سلمان من إجراءات ليلة السبت كأنما صمم ليخيف المستثمرين ويشرد بهم من خلفهم» إذ إن المخاوف ستطال المستثمرين الخارجيين الذين سيخشون أن يلقوا مصير أبناء عمومة محمد بن سلمان «إذا ما نشب خلاف بينه وبينهم».
وحسب هيرست فان «الرياض أصبحت عاصمة القلاقل في الشرق الأوسط، والتحركات التي قام بها الأمير محمد بن سلمان يمكن أن تزعزع الأمن والاستقرار في البلدان المجاورة أيضاً». يشار إلى أن أجهزة الأمن السعودية شنت ليل السبت الرابع من تشرين الأول/ نوفمبر الحالي حملة اعتقالات واسعة طالت 11 أميراً بينهم الأمير الوليد بن طلال، وهو أثرى أثرياء العرب، والأمير متعب بن عبد الله، إضافة إلى أكثر من 30 رجل أعمال، أما التهم الموجهة لهم فهي التورط في قضايا فساد وغسيل أموال. فيما استأنفت السلطات السعودية بعد ذلك بأيام حملة الاعتقالات وطالت عدداً كبيراً آخر من رجال الأعمال والأثرياء.
أحمد بلال