الرياض ـ «القدس العربي»: اجتماعات فيينا يوم الجمعة الماضي بشأن البحث عن حل سياسي للأزمة السورية والذي ضم 17 دولة معنية، هل استطاع ان يحقق خرقا سياسيا من الممكن ان يؤدي بالــفــعــل إلى القول ان الجميع اتفقوا على خريطة طريق للحل السياسي؟
من الممكن القول ان النتيجة الأهم لاجتماع فيينا هي الاتفاق على الاسراع بالجهود الدبلوماسية لإنــهــاء الـــحـــرب في سوريا والبدء بعمل ترتيبات لوقف اطلاق النار.
وحدد بيان صدر عن الاجتماع خطة مبدأية للحل السياسي ان تقوم الأمم المتحدة بالعمل على جمع ممثلي الحكومة والمعارضة في سوريا في عملية سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية على أن يعقب تشكيلها وضع دستور جديد وإجراء انتخابات. وينبغي إجراء هذه الانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة بموافقة الحكومة وبالتزام أعلى المعايير الدولية للشفافية والمحاسبة وأن تكون حرة نزيهة يحق لكل السوريين ومنهم المغتربون المشاركة فيها.
الإعلام الموالي للنظام السوري وجد ان الجانب الروسي والإيراني استطاع ان يحقق اختراقا سياسيا في اجتماع فيينا الأخير- الجمعة الماضي – لمجموعة العمل الدولية بشأن السلام في سوريا، باعطاء مسألة وضع دستور جديد لسوريا الأولوية على مسألة رحيل الرئيس بشار الأسد، وعلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في سوريا.
والإعلام الموالي للنظام السوري من قبل كان قد تحدث عن انتصار سياسي لإيران ولروسيا والذي اسماه بـ»الاختراق السياسي» حين قبلت السعودية بحضور إيران لاجتماعات فيينا.
الجانب المعارض (الذي تقوده الولايات المتحدة والسعودية) كسب من هذا الاجتماع ان الجميع أقر بمبدأ رحيل الرئيس بشار الأسد.
ولكن متى وكيف؟ بقي هناك اختلاف بشأن ذلك، وهذا ما أكده وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بتصريح عقب انتهاء اجتماع فيينا حين اوضح «أن النقطتين اللتين كان عليهما خلاف في اجتماعات «فيينا» هما، الأولى موعد ووسيلة رحيل بشار الأسد، والثانية موعد ووسيلة انسحاب القوات الأجنبية من سوريا وبالذات القوات الإيرانية، وهاتان النقطتان أساسيتان».
الجانب السعودي لم يعط انطباعا بان اجتماع فيينا حقق اختراقا كبيرا على صعيد الحل السياسي، ولكن الرياض ترى ان عودة الاهتمام الدولي بالموضوع السوري والبحث عن حلول للأزمة أمر إيجابي ودليل على ان التدخل العسكري الروسي في سوريا أعاد أنظار العالم إلى ضرورة البحث عن حل سياسي، ولذا فان الرياض لابد وان تعمل على ان يوجد اجماع دولي على موضوع رحيل الرئيس بشار الأسد، وأضافت إليه مطلبا جديدا وهو ضرورة رحيل القوات الأجنبية -عن سوريا – والمقصود هنا بالطبع القوات الإيرانية وحلفائها من الميليشيات والقوات الشيعية.
وفي ظل هذا الحراك السياسي الدولي لاحظ مراقبون ان السعودية تتخذ موقفا متشددا تجاه مسألة رحيل الرئيس بشار الأسد، والتواجد الإيراني في سوريا، رغم ان التدخل العسكري الروسي وغارات الطيران الروسي على مواقع قوات المعارضة السورية يوحي ان النظام السوري استعاد قدراته العسكرية، وبالتالي وجوده السياسي في خريطة الحل للأزمة السورية.
ولكن النتائج الميدانية للتدخل العسكري الروسي تظهر انه لم يحقق أي تغيير في موازين القوى العسكرية على الأرض.
وصمود قوات المعارضة السورية مؤخرا في وجه الهجمات العسكرية للجيش السوري على مواقعها وعلى المدن والمناطق التي تسيطر عليها، رغم الدعم الجوي الروسي والدعم القتالي البري الإيراني، هو الذي أفشل ان تفرض موسكو وطهران أجندتهما على خطة الحل السياسي.
صحيح ان التدخل العسكري الروسي أعاد موسكو كلاعب أساسي في سوريا، وهذا الأمر لا تتحفظ عليه الرياض، لاسيما في ظل فشل السياسة الأمريكية وترددها في المنطقة، ولكن السعودية لا تريد ان تنفرد موسكو بسوريا أو بفرض الحل فيها.
الرياض تريد ان تتشارك الأطراف الدولية المعنية بسوريا بايجاد الحل، ولكن بهدف أساسي هو رحيل بشار الأسد وبالتالي إيران، فعملت سياسيا على تحقيق اجماع لحلفائها على مسألة رحيل الأسد وفق فترة زمنية قصيرة وضمن حل الفترة الانتقالية، بعد ان بدا ان هناك ترددا أو قبولا دوليا ببقاء بشار الأسد والتعامل معه.
وهذا ما كسبته السعودية من مؤتمر فيينا الأخير.
عسكريا عملت السعودية على ارسال تعزيزات عسكرية وأسلحة ومعدات عسكرية متطورة لقوات المعارضة السورية المسلحة، واستطاعت بها ان تفشل الهجمات العسكرية للجيش السوري وللقوات الموالية للنظام ، وذلك بالتنسيق مع تركيا والمشاركة مع قطر.
وهذا الاسناد العسكري السعودي والتركي والقطري لقوات المعارضة السورية الذي افشل السعي الروسي والإيراني لتغيير موازين القوى عسكريا لصالح النظام حقق الانتصارات العسكرية، وجعل الرياض ومعها الدوحة تطرح على طاولة المفاوضات مسألة الخيار العسكري للإطاحة بالرئيس بشار الأسد.
ويقول دبلوماسي خليجي ان الوزير السعودي عادل الجبير أبلغ نظيره الروسي خلال اجتماع جنيف الرباعي الأول «انكم اذا تريدون حلا عسكريا للأزمة السورية من خلال غارات طائراتكم على قوات المعارضة، فاننا مستعدون والثوار السوريون مستعدون لخوض كل المعارك العسكرية معكم، ونحن لا ننصحكم بذلك حتى لا تتورطوا بحرب طائفية ليست في صالحكم بالنهاية، وقوات المعارضة السورية مستعدة لقتال قواتكم، بل وطائراتكم خصوصا إذا ما حصلت على صواريخ أرض – جو كان غير مسموح لها بالحصول عليها سابقا».
الرياض ترى ان من الممكن ان يكون للتدخل الروسي في سوريا فوائد ولكن يجب ان لا يترك له العنان لينفرد بالساحة السورية، ولعل من أهم الفوائد هو تحريك الدور والتدخل الأمريكي المباشر في سوريا ليس سياسيا فقط بل وعسكريا، وهذا مابدا مؤخرا من موافقة الإدارة الأمريكية على تعزيز الدعم العسكري لقوات المعارضة السورية وتزويدها بالأسلحة المتطورة بتمويل سعودي وقطري، ويبدو ان واشنطن أصبحت مستعدة أيضا لتقديم صواريخ أرض جو لقوات المعارضة في أوقات لاحقة، كما اتفقت في ذلك مع الرياض.
والأهم من كل ذلك ان واشنطن بدأت تعيد وجودها العسكري إلى سوريا من خلال ارسالها عددا من قواتها الخاصة لتدريب وتوجيه قوات المعارضة السورية وتوجيه معاركها في الميدان.
السعودية في النهاية تغذ الخطى سياسيا وعسكريا لحسم حربها ضد إيران والنظام السوري حيث ترى انه قد حان الوقت لحسم المعركة في سوريا مثلما حان الوقت لحسم حربها في اليمن كما اشار إلى ذلك وزير الخارجية السعودي الاسبوع الماضي.
سليمان نمر