الدوحة ـ «القدس العربي»: تشير التحركات الأخيرة للملك سلمان بن عبد العزيز المتوج مؤخراً بمقاليد الحكم في البلاد خلفا للراحل للملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، أن المملكة العربية السعودية تسير في نهج سيختلف إلى حد ما عن المرحلة السابقة، بمعدلات سرعة تتغير وفق تراتبية الداخل والخارج ضمن أجندة واسعة يعمل فريقه الخاص على تحديدها وتدوينها لتكوِّن لبنات استراتيجية حكمه المستقبلية.
من الجلي أن الملك الجديد يرغب منذ أيامه الأولى في الحكم في أن يدق الحديد وهو ساخن، بإجراء سلسلة تغييرات على هيكل الحكم وعلى مستوى مختلف الأجهزة الإدارية في البلاد، مع إعطاء انطباع أولي لمن يتابعه أنه سيهتم بدرجة أساسية بالفئات الشعبية الواسعة، لتكون لها الأولوية في أجندته الحالية، مستبعدا أي خوض علني في الألغام، والملفات الشائكة التي تحيط بلاده من كل جانب وتتطلب حسما سريعا وحلولا مستعجلة. وبدأ أمير الرياض السابق عهده بكارثة نسجت مع لحظات صعود روح سلفه الراحل، في خاصرته الجنوبية التي سيطر فيها الحوثيون على الحكم بشكل نهائي، منتشرين في البلاد ضمن خطة محكمة للسيطرة على المناطق الاستراتيجية. وقبل أن تؤدى له البيعة ملكا تتماهى في شمال بلاده قوات تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، وهي تبتز بشكل فاضح حليفه الاستراتيجي، وجاره المهم الأردن، في موقف محزن كان يمكن أن تكون فيه بلاده لو كان سقط بدل الكساسبة الطيار الأمير الذي حلق بمقاتلات السعودية فوق مناطق سيطرة الدولة الإسلامية. الملك سلمان حاول منذ لحظاته الأولى في الحكم أن يخاطب فئات شعبه وتحديدا الشباب بلغتهم، وبالأسلوب الذي يمكن له أن يمرر لهم وبمرونة رسائله، فكان أن وثق حسابه في موقع تويتر، الذي يستخدمه نحو 5 ملايين سعودي باسم خادم الحرمين الشريفين، ويغرد لهم بتدوينات لاقت استحسان معجبيه.
انفتاح على الفضاء الإلكتروني
ارتفع متابعو حساب العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في تويتر، من 1.1 مليون قبل توليه الحكم إلى نحو مليونين، بزيادة واسعة لعدد متابعيه يوميا. وبمجرد إعلان الديوان الملكي في السعودية مبايعة سلمان ملكا، تم تغيير التعريف الخاص بالعاهل السعودي على حسابه، الذي كان قد أطلقه بينما كان وليا للعهد، وجاء في التعريف «الحساب الرسمي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية». وبهذا التطور في المملكة التي لا تزال تتعرض لانتقادات من المنظمات الدولية في سجل حقوق الإنسان والقيود المفروضة على النساء، أصبح الملك سلمان أول حاكم سعودي يملك حسابا رسميا موثقا على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر». وحظيت أول تغريدة للعاهل السعودي الجديد والذي نعى فيها الملك عبدالله بـ 130 ألف إعادة، أما تغريدته الثانية والتي قال فيها «أسأل الله أن يوفقني لخدمة شعبنا العزيز وتحقيق آماله» فحظيت في وقت قياسي بنحو نصف مليون إعادة تغريد.
ماركتنيغ سياسي
تذهب الكثير من القراءات إلى أن محيط الملك الجديد استعان بفريق خبراء في فنون التواصل السياسي والإعلامي لصناعة شخصية البطل القومي والحاكم المثالي الذي يستثير شجون كل الفئات الاجتماعية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فإذا كان الملك بتحفيز من مستشاريه، يداعب أحلام الشباب بالتواصل معهم عبر الشبكات الاجتماعية ومخاطبتهم بروح عصرهم من خلال تدوينات محسوبة الكلمات والمدروسة الأهداف، فإنه في الوقت نفسه وجه سهام غزل دقيقة جدا إلى الفئات الدينية الواسعة الانتشار عبر كافة المستويات. وكان تصرف العاهل السعودي الجديد، الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما ترك ضيفه الكبير الرئيس الأمريكي باراك أوباما خلفه لأداء صلاة العصر حدثا لافتا، ولاقى تأييداً كبيراً بين السعوديين على مواقع التواصل الاجتماعي. وكانت تدوينات المفتخرين بالموقف تعتبر أن ملكهم حين استقباله لباراك في المطار تجاهل المراسيم لأداء الصلاة، في تصرف نادر، لم تسجله البروتوكولات الدبلوماسية من قبل. ونال تصرف الملك تأييداً منقطع النظير في المملكة، وتعداها ليشمل كثيراً من المدونين العرب على مواقع التواصل الاجتماعي الذين تناقلوا الفيديو الذي حقق انتشارا واسعا.
وبعد ساعات قليلة من الحادثة، أصبح ولا يزال تصرف العاهل السعودي مثار إعجاب كبير، واحتل قائمة الموضوعات المتفاعلة في السعودية على مواقع التواصل الاجتماعي. ويمكن لأي مراقب للشأن السعودي أن يقرأ هذه التفاعلات من خلال مؤشراتها البسيطة على أن جيشا من المستشارين والخبراء يعملون ضمن دائرة الملك الضيقة ومن بيده مقاليد الأمور لإعادة ترتيب البيت السعودي بتوجيه كل الجهود في المرحلة الحالية إلى الشأن المحلي الذي يستقطب اهتمام الحكام الجدد في الرياض.
تغييرات جذرية
تسمر الشعب السعودي وكل مراقب لشؤون المملكة أمام شاشة التلفزيون الرسمي للحظات كانت لبعضهم دهرا حينما أٌعلن عن قرب إعلان قرارات ملكية غاية في الأهمية. وعلى غرار تفاصيل دمج اللجان والمؤسسات وتدوير المناصب بين بعض الأمراء، وسحب آخرين من الحكم وإبعاد بعض الأسماء المحسوبة على الملك الراحل، وإحكام قبضة رجال ثقته في المناصب السيادية، كانت تدوينة الهبة الملكية للموظفين والمقدرة بـ 30 مليار دولار حديث الشارع السعودي منذ الإعلان عن كل هذه التغييرات. وفي قياس ردود الفعل لقرارات الملك الأخيرة يتضح أن المرحلة المقبلة سوف يضبط إيقاعها على يوميات السعوديين الداخلية والتي ليست من أولوياتهم الحالية قضية عزل الرئيس بشار الأسد والإطاحة بحكمه بعد ضيق أفق تحقيق أي اختراق في هذا الملف.
حالة ستاند باي للملفات الخارجية
اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وانتشرت مقالات صحافية وتحليلات تصب في اتجاه تغير سياسة المملكة العربية السعودية عشية مبايعة الملك سلمان على عرش المملكة. وروّجت بعض المواقع المحسوبة على الإخوان أو المناوئين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي معلومات عن إعادة الملك الجديد لخيارات بلاده حول الموضوع ورفع غطاء الشرعية عن حليف المملكة الاستراتيجي الذي دافعت عنه وساندته بكل السبل والوسائل. ويدحض العارفون بخبايا ودواليب الحكم في كل من الرياض وجدة هذه المقاربة انطلاقا من إدراكهم أن هذا ليس صحيحا وأن المملكة ليس من السهولة بمكان أن تعيد حساباتها الحالية وتغير من موقعها وتختار خندقا مختلفا عن سيرة الملك عبد الله. السياسة الخارجية في المملكة معقدة وليست بسيطة حد تصرف ملك لوحده في شؤونها أو حتى من يحيطه من أصحاب النفوذ، وهي دوما تتسم بالتريث والتروي في أي سياسة جديدة. وكون القادة الجُدد في العهد الحالي كانوا إلى وقت قريب جزءاً من دائرة صنع القرار ولفترة طويلة، فليس متوقعا أن يكون هناك تغيّير جوهري في السياسة الخارجية السعودية، وهذا وفق مؤشّرات عدّة. وكان الملك سلمان، وولي عهده الأمير مقرن، وولي ولي العهد الأمير محمد بن نايف، في السنوات الأخيرة منخرطين بشكل أساسي في الملفات السياسية الإقليمية كافة، وذلك للظروف الصحية التي مرّ بها الملك الراحل في السنوات الأخيرة، وكانوا جزءاً من القرارات والسياسات السعودية في السنوات الماضية. وباستثناء ملف المصالحة الخليجية الذي كان ملعب الراحل عبد الله وبذل لأجله مساعي عدة انطلاقا من قناعات شخصية أولا قبل أي حسابات أخرى لتأتي الدوافع التالية في مرتبة ثانية فإن جل القرارات كانت تمر أيضا من دواوين الحكام الحاليين وكانت لهم فيها وجهة نظر أو دمغة. ويشير بعض المتابعين إلى أن الوريث الجديد للملك في السعودية سوف يحافظ على المصالحة الخليجية التي تحققت بإشراف من ملِكه السابق، وحضر فصولها ومن الصعب أن يفرِّط فيها بسهولة، كما أن التحديات الإقليمية والدولية تفرض على كافة جيرانه أن يمضوا في المسعى نفسه. وبعيدا عن التفاعلات الداخلية في محيط البيت الخليجي فإن العهد الجديد للملك سلمان يشير إلى أن الدول الأخرى سوف تأخذ استقلاليتها التدريجية في مواقفها الدولية وتحديدا في تسيير الملفات المؤثرة في أجندتها من دون فرض خيار التخندق في الصف نفسه، وسيكون لكل عاصمة خليجية استقلالية في تسيير ملفاتها الخارجية.
مكافحة الإرهاب وأمريكا ثوابت استراتيجية في سياسة المملكة الخارجية
من غير المتوقع أن يحدث الملك سلمان تغييرات على العلاقات الاستراتيجية بين المملكة والولايات المتحدة، والتي بدأت مع والده المؤسس عبدالعزيز، واستمرت مع كل الملوك الذين تعاقبوا على المملكة من بعده، بالرغم من الاختلافات السياسية أحياناً والتي تتم معالجتها بدبلوماسية وهدوء. وانعقاد القمة الأمريكية-السعودية على هامش تقديم العزاء من قبل الرئيس أوباما مؤشر على أهمية ومحورية تلك العلاقة للطرفين، ونزول المتوج الجديد بالعرش ـ على غير ما فعل مع باقي القادةـ إلى المطار لاستقبال ضيفه الذي غيّر أجندة سفره للتوقف لساعات في الرياض مؤشر على رغبة البلدين على المضي في تعزيز تعاونهما المستقبلي في مشروع محاصرة تنظيم الدولة الإسلامية، وكون وزارة الداخلية هي تاريخياً المعنية بالملف الأمني، والتي كان وما يزال يقودها الأمير محمد بن نايف الذي أصبح أيضا ولياً لولي العهد، فإن سياسة المملكة سوف يكون عزفها على الوتر نفسه ولن تشهد لحنا مختلفا. التوصل لتوافقات حول إدارة أزمة اليمن إحدى النقاط المحورية في المحادثات السعودية الأمريكية والتي لن تكون بمعزل عن إدارة الملف الإيراني الحاضر بقوة وبنفوذه في المنطقة وفي كل حدود المملكة. وأضحى جليا حسب القراءات أن نهج الإدارة الأمريكية الحالية أضحى واقعياً، وهي تحاول فعل ما يمكن أن تقدر عليه وهو ما يفسر الوفد الرفيع المستوى الذي رافق أوباما بينهم مسؤولون من عهد الرئيسين السابقين جورج بوش وجورج دبليو بوش مثل وزيري الخارجية السابقين جيمس بيكر وكوندوليزا رايس. ويرى الأمريكان أن السعودية بعد وفاة ملكها عبد الله بن عبد العزيز تواجه الآن التحدي الأكثر إلحاحا للقيادة الجماعية الجديدة فيها، ألا وهو كيفية معالجة بيئة استراتيجية تدهورت بشكل ملحوظ من وجهة النظر السعودية المتمثلة في اليمن، حيث تعد اليد العليا فيه لإيران.
من الجلي والواضح أن إعفاء الملك سلمان في أولى قراراته للرجل القوي والنافذ في جهاز المخابرات الأمير بندر بن سلطان من منصبه سيكون له تأثيره على موقف وبدائل المملكة في سوريا، واستبعاد المواجهة السابقة مع الرئيس السوري بشار الأسد التي كان رأس حربتها الأمير بندر. الخط السياسي المرتقب لنزيل قصر عرقه لن يكون صداميا في مواجهة طواحين الهواء والرضوخ للأمر الواقع في المعادلة التي فرضتها روسيا التي أصبحت اللاعب الوحيد والأوحد مع إيران في الملف السوري وبالتالي لن يمر أي حل من دون موافقتها، أو دون مراعاة لمصالحها وحساباتها في المنطقة على عكس الإقدام الذي سار عليه بعض الخبراء في التأكيد على فشل الارتباط الوثيق بين النظامين السوري والروسي. والحسابات الحالية تشير إلى أن المملكة سوف تعيد في المرحلة المقبلة بعد استكمال ترتيب الأوضاع الداخلية حساباتها وتقصر تدخلاتها في القضايا المحورية التي لها علاقة وثيقة بأمنها الداخلي خصوصا في حدودها كافة بعيدا عن أية رهانات لن تحقق لها الاستقرار الذي تطمح إليه القيادة الجديدة.
وتيرة مسارعة
وتظهر التطورات المعلنة من قصر الحكم في الرياض أن القيادة الحالية تعمل على إحداث نوع من التوافق في موازين القوى بتسمية الملك سلمان أركان نظامه وفق ميزة أساسية هي التجانس والتقارب مع انتهاجه لسياسة ترضية الجميع لضمان ولاء من حوله. وتعكس القرارات الأخيرة للقيادة الجديدة في السعودية ان المملكة لن تدخل في نفق مظلم مثلما توقعت الكثير من الدراسات وعكس قراءات بعض الخبراء التي لم تكن دقيقة. ومن المتوقع أن تمضي القيادة الجديدة بأمان نحو تثبيت أركان حكمها من دون منغصات تؤثر عليها خصوصا بعد إعادة رسم ملامح سياستها الخارجية حيث أن الخطر كله يأتي من حدودها لو استمر الملك الجديد في إغراق شعبه ببعض ريع النفط وقام بمحاولة توزيع الثروات التي هي القنبلة الموقوتة التي يجب عليها فكها بأمان.
سليمان حاج إبراهيم