السعودية: حديث التغيير صعب والجميع يتحدثون عنه في السر… والدولة تريد دورا واسعا للمرأة والمؤسسة الدينية تعارضه خوفا من انهيار المجتمع

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: في تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» عن الإجراءات الجديدة التي اتخذتها السعودية أخيراً للحد من سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قدم بن هبارد قصة أحمد قاسم الغامدي الذي عمل بين الملتحين وهيئة مراقبي الأخلاق والسلوكيات العامة في السعودية. وكان موظفاً مكرساً وقته للهيئة وعمل مع جيش العاملين الذين يحاولون حماية الإسلام من التغريب والإبقاء على الإطار المحافظ.
من واجبات الغامدي كانت ملاحقة مروجي المخدرات ومهربي الكحول إلا أن الجهد الأكبر للهيئة كان مركزاً للحفاظ على الجانب الطهوري للبلد ليس من الغرب فقط ولكن من العالم الإسلامي على حد تعبيره.
ومن أهم واجبات الهيئة مراقبة الاختلاط بين الرجال والنساء التي يحذر مشايخ البلد من أنه يؤدي إلى الفتنة والزنا وتحطيم البيوت وولادة أبناء سفاح وانهيار النظام المجتمعي. وكما يقول الكاتب فقد التزم الغامدي بالنظام الذي مارسته الهيئة وقام بواجبه على أتم وجه خاصة بعد تعيينه مديرا للهيئة في مكة المكرمة. ولكنه بدأ يتساءل فيما إن كان ما يعمله موافقاً لروح الإسلام أم أنه مجرد تقاليد ثقافية في الجزيرة العربية.
ولهذا بدأ بدراسة النصوص القرآنية والأحاديث وقصص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين يعتبرون النموذج الذي يحتذى بهم. واكتشف أن الاختلاط كان موجوداً في عهد الجيل الأول من المسلمين ولم يعترض عليه أحد. ولهذا بدأ بالحديث عن الموضوع في مقابلات تلفزيونية وكتب مقالات بهذا الشأن ربط ممارسات اللباس بالعادات العربية التقليدية وليس الإسلام الحقيقي.
وقال الغامدي أن إغلاق المحلات من أجل الصلاة ليس ضرورياً وكذا منع النساء من قيادة السيارات حيث ركبت النساء الجمال والنياق والتي كانت مدعاة للنظر أكثر من قيادة المرأة لسيارة من نوع «أس يو في».
وفي الوقت الذي دعا فيه لتغطية المرأة جسدها فإنه ناقش أن تغطية الوجه يعود للمرأة نفسها إن أرادت. ومن أجل إثبات رؤيته ظهر مع زوجته جواهر على التلفزيون وقد كشفت عن وجهها. وتعلق الصحيفة أن الحادث كان بمثابة القنبلة التي انفجرت داخل المؤسسة الدينية التي شعرت بأن سلطتها تعرضت للتهديد.
وواجه الغامدي تهديدات من وسائل التواصل الاجتماعي ومكالمات غاضبة ومقاطعة زملائه له في العمل. وظهر العلماء البارزون على الهواء لشجبه ودعوا لمعاقبته واتهموه بالجهل.

بين الحداثة والتقليد

ويأخذ الكاتب هذا الحادث كنقطة للبحث عن معنى «الوهابية» المتهمة في الولايات المتحدة بأنها سبب التطرف وثقافة عدم التسامح. وقضى أسابيع في الرياض وجدة ومدن السعودية الأخرى في محاولة لفهم طبيعة العقيدة الوهابية وبالضرورة المجتمع السعودي وتحدث مع علماء وأئمة وأساتذة جامعات.
ويقدم الكاتب رؤية عن بلد متناقض ومحير فهو من جهة حضري وذو ثقافة بدوية وجهود مستميتة للإلتزام بالتعاليم الدينية النصية التي تعود إلى أكثر من ألف وربعمائة عام. وهي مملكة تعوم على بحر من النفط والثروة وناطحات السحاب وسيارات «أس يو في» ومراكز التسوق حيث يتم الحديث عن استثمار المال والتفاعل مع غير المسلمين.
ويقول إن الدين يتداخل في الحياة اليومية، ويحاول موظفو المصارف اتباع الشريعة، وتعرض موديلات الملابس البلاستيكية بدون رؤوس بسبب الحظر على استخدام المجسمات البشرية. وتقدم المقررات الدراسية نصائح للأطفال حول كيفية تزيين شعورهم وكيف تغطي البنات أجسادهن بطريقة جيدة.
وفي الوقت الذي يعتبر فيه الإسلام برنامجا شاملا للحياة إلا إن تفسيره يعتبر مهماً عندما يتعلق بالممارسة. وتتجذر الثقافة المحافظة في وسط السعودية خاصة ما يتعلق بالعلاقات بين الرجل والمرأة. فالنساء يرتدين العباءات السوداء ويغطين رؤوسهن ووجوههن.
وفي كل مطعم جناح خاص للعائلات. ويمكن للعائلات السعودية أن تختلط في البيوت وتلتقي النساء والرجال في قاعات الفنادق الرئيسية بدون مشاكل. وفي بعض الدوائر يعيش الرجال طوال حياتهم بدون أن ينظروا لوجه إمراة غير وجوه النساء القريبات منهم. ولا يسمح لبقية الأديان بممارسة شعائرها.
وعندما يسأل السعوديون عن غياب التسامح في بلدهم يشيرون إلى الفاتيكان مركز الكاثولكية الذي يحتل مكانة متميزة في الحياة الدينية. ويقولون إن بلادهم ذات موقع متميز في الإسلام. وعبر عدد من المسؤولين الذين تحدث إليهم الكاتب عن قلقهم من صورة وسمعة بلادهم في الخارج مؤكدين أن بلدهم يدعم ويروج لنسخة معتدلة من الإسلام.
ويعلق أن هذه الفكرة تتناقض مع أحكام الإعدام وسجل حقوق وحرمان المرأة من السفر دون «محرم».
وبدلاً من الدعوة للجهاد تدعو الدولة أو المؤسسة الدينية لطاعة ولي الأمر. فالمؤسسة الحاكمة تخشى من الدعوات الجهادية التي تزعزع الإستقرار في البلاد والمنطقة ولهذا طالبت العلماء بشن حملة شجب الجهاديين. ولاحظ الكاتب غياب شجب للمسيحيين واليهود مع أن الحملة ضد إيران الشيعية مفتوحة.

ما هي الوهابية؟

يقول الكاتب إن «الوهابية» في السعودية غير موجودة عندما تسأل السعوديين. فبحسب هشام الشيخ «لا يوجد هناك شيء اسمه الوهابية» بل «هناك إسلام حقيقي». وينتمي الشيخ لعائلة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي دعا في القرن الثامن عشر للإصلاح في وسط الجزيرة العربية. وجاءت دعوته ردا على انتشار البدع والشرك بين عرب الجزيرة ودعا للعودة إلى الإسلام الأصلي.
ووجدت الحركة الوهابية دعماً من العائلة السعودية التي وصلت إلى الحكم ومن هنا أثبت التحالف بين محمد بن عبد الوهاب وأمراء العائلة السعودية قوة سمحت لهؤلاء بالتوسع في الجزيرة العربية وبناء دولتهم.
ومع أن الدولة السعودية الأولى دمرت على يد قوات محمد علي باشا عام 1818 الذي تصرف بناء على أوامر الدولة العلية إلا أن المحاولة الرئيسية لبناء الدولة السعودية نجحت في القرن العشرين على يد الملك عبد العزيز بن سعود. وواجه الملك خيارين صعبين، الأول مواصلة الجهاد بطريقة كانت ستغضب البريطانيين أو بناء دولة حديثة فاختار الثاني.
واستمر التحالف بين الديني والسياسي. فقد تحولت العائلة من سكان صحراء لسكان قصور فاخرة أما المؤسسة الوهابي فقد تطورت من حركة إصلاحية طهرانية إلى بيروقراطية ضخمة.
وتشرف على عدد من الجامعات التي تدرس الموضوعات الشرعية ومجلس لكبار العلماء، ومكاتب للإفتاء وهيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإضافة لعشرات الألوف من الأئمة والمساجد التي تعتمد عليها لتمرير رسالة الحكومة.
وينتمي الشيخ للجيل السادس من أبناء الشيخ بن عبد الوهاب والتقاه الكاتب ويقول إنه يمثل حالة «دراسة» بين التقليد والحداثة. فقد حفظ القرآن وهو صغير ودرس الشريعة وعمل في السلك الديني: تدريب القضاة في المحاكم وقدم الإستشارة لوزير الشؤون الدينية وكتب دراسات للمجلس الذي ينصح الملك وعمل في مجلس شرعي لشركة تأمين كبير ويعظ ويلقي الخطبة في المسجد القريب منه.
وسافر كثيراً وزار الولايات المتحدة: أوريغان ونيويورك وماساسوشيتس وزار مجتمع «أميش» والذي وجده مثيراً للمتعة. وتذكر أياماً قضاها في مونتغمري بولاية ألاباما. وأخبر الكاتب أن التعاملات المالية والصداقات مع اليهود والنصارى لا يحرمها الإسلام. ورغم معارضته للشيعة وممارساتهم إلا أنه يعارض الممارسات المتطرفة ضدهم كما يفعل تنظيم الدولة.
وعندما يتعلق الأمر بأعياد الميلاد التي يحرمها المشايخ يقول إنه لا يعارضها مع أن زوجته ضدها. ويقول إن هناك احتفالات أخرى يجتمع فيها الأطفال غير أعياد الميلاد مثل حفظ القرآن وغير ذلك. وعن الموسيقى قال إنه لا يعارض وجود موسيقى في الفنادق والمطاعم مع أنه لا يوافق على الموسيقى التي تترك الشخص في حالة من السكر والجنون. وقال «لدينا شيء أحسن من ذلك وهو الاستماع للقرآن».
وفي محاولة لفهم ما تريده المرأة لأن المسألة السعودية هي عن المرأة ومن هنا التقى مع زوجه مشاعل الشيخ التي التقاها من خلال زميلة سعودية له. والتقوا في مقهى حيث تحدثت عن زواجها المرتب وكيف أنها اشترطت مواصلة دراستها وهي الآن تعد دكتوراه في التربية. وترفض السيدة الشيخ فكرة أن المرأة السعودية لا حقوق لها.
وقالت إن الغرب يعتقد أننا «مضطهدات لأننا لا نقود السيارة وهذا غير صحيح» مضيفة أن السياقة في الرياض متعبة. وقالت «هنا المرأة محترمة ومشرفة بطرق أكبر من الغرب».

مشايخ مشايخ

ويقول الكاتب إن تجذر الدين في الحياة العامة يعني وجود شخصيات دينية تتصرف كنجوم يقدمون مواعظهم وتعليقاتهم حول الحياة والنزاعات.
فهناك الشيوخ الكبار في العمر وهناك الشيوخ الشباب والشيوخ الذين كانوا متطرفين ويدعون للتسامح الآن وهناك شيوخ جذابون وشيوخ «سود» يقارنون أنفسهم بباراك أوباما.
وفي المجتمع السعودي الذي يستخدم مواقع التواصل الإجتماعي فهم يتسابقون على جذب الأتباع عبر «تويتر» و»فيسبوك» و»سنابتشات».
ويعلق الكاتب أن استخدام رجال الدين للتكنولوجيا الحديثة يتناقض مع موقف المشايخ في الماضي من السماح للراديو والتلغرام باعتباره يعارض الدين.
ويشير الكاتب إلى أن محاولة السعوديين البحث عن الحلال من الحرام ولهذا تصدر الكثير من الفتاوى المهمة وتلك التي تتعلق بالجزئيات من مثل تحريم ميكي ماوس وآخر حرم الأكل من البوفيه المفتوح باعتباره تبذيراً للطعام.
وآخر حرم التصوير غير الضروري ولا «يسمح به مع القطط والكلاب أو الذئاب». وفي الوقت الذي حاولت فيه الدولة تقنين الفتوى إلا أن بعض الفتاوى أثارت السخرية مثل تلك التي حرمت لعبة «بوكيمون».
ومع أن هدف الحكومة هو توسيع مشاركة المرأة في سوق العمل وهم ما يرفضه العلماء نظراً للمخاطر الناجمة عن اختلاط الرجال والنساء في مكان العمل.
وزار الكاتب مكتب المفتي العام للسعودية الشيخ عبد العزيز الشيخ الذي رفض عند سؤاله المقارنة بين الوهابية وتنظيم الدولة «هذه أكاذيب وتشويه» قال الشيخ وأضاف أن «داعش معتد وجماعة مستبدة لا علاقة لها» بالدين.

مصلح غير متوقع

ويقول إنه التقى مع الغامدي، 51 عاماً هذا العام في بيته في جدة. وقد تشكلت حياته في الفتوى والبحث والتنقيب عن المسائل الدينية إلا أن هذا العالم جمد حياته. ولم يكن في البداية للعمل في السلك الديني. فقد ترك عمله في الجمارك بميناء جدة عندما أخبره أحد الشيوخ أن وظيفته حرام.
وبعد تخرجه من الجامعة في مجال المحاسبة وعمله مع مؤسسة دولية حيث كان يسافر للخارج. ولكنه ترك العمل لأن المشايخ في تلك الفترة كانوا يحذرون من السفر إلى الدول غير المسلمة إلا للضرورة. ولهذا ترك العمل وبدأ بتدريس المحاسبة والإقتصاد في السعودية.
ولم يعجبه تدريس الرأسمالية والإشتراكية وأضاف بعداً إسلامياً للاقتصاد مع أن الطلاب لم يكونوا راضين لخروجه عن المقرر. وأخيراً وجد الوظيفة التي كان يبحث عنها «مطوع» ونقل من جدة إلى مكة حيث عمل هناك. ومع مرور الوقت طور نوعاً من التحفظ حول العمل خاصة المتعلق بردة فعل زملائه المبالغ فيها بما في ذلك مداهمتهم لبيوت الناس وإهانتهم للمعتقلين.
وقال «دعنا نقول إن شخصاً شرب الخمر، فهذا لا يمثل هجوماً على الدين ولكنهم يبالغون في الطريقة التي يعاملون فيها الناس». وفي مرحلة عين الغامدي لمراجعة الحالات وحاول استخدام موقعه من أجل الكشف عن انتهاكات الهيئة وإعادة الأشياء التي صودرت.
وقدم عدداً من الحالات التي بالغ فيها المطاوعة بالرد مشياً «عادة ما تتم إهانة الناس ومعاملتهم بطريقة غير إنسانية وقد تفضي الإهانة إلى كراهية الدين». وبعد وفاة مدير الهيئة في مكة عام 2005 عين الغامدي مكانه وكانت مهمة كبيرة خاصة أنها تقتضي متابعة 90 لجنة في المدينة المقدسة.
وحاول قدر الإمكان عمل ما باستطاعته. وبدأ بمراجعة النصوص الدينية «دهشت لأننا عادة ما سمعنا من المشايخ هذا حرام حرام حرام ولكنهم لم يتحدثوا ابدا عن الأدلة.
ويتحدث هنا عن موقف العلماء من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا وهي أول جامعة مختلطة في السعودية. وكيف اعترض الشيخ سعد الشطري عليها محذر من مفاسد الإختلاط. وشعر الغامدي بالإحباط من مشروع يرى أنه مفيد للبلاد.
ورد بمقالين مطولين نشرتها صحيفة «عكاظ» عام 2009 وظهر في التلفزيون مناقشا خطأ مواقف العلماء وهو ما جلب عليه الغضب من زملائه بطريقة دفعته للتقاعد مبكرا. وعندما ظهر مع زوجته في التلفزيون هوجم واتهم بأنه ليس بعالم.
وهاجمه علماء مثل الشيخ صالح اللبيدان فيما تدخل المفتي العام مؤكدا على أن النقاب ضروي.
وزاد من محنة الغامدي تبرؤ عائلته منه. ومن ثم منع من إلقاء خطبة الجمعة في مكة. ومع أنه لم يخرق قانونا إلا ان العلاقات المجتمعية المتشابكة أكدت أنه لم يعد مرغوباً فيه. وتأثرت حياة أخته بسبب الأزمة حيث طلقها زوجها.
وتعرض ابنه عمار 15 عاما للمضايقة في المدرسة حيث قال أحدهم «كيف ظهرت أمك على التلفزيون» فرد عمار عليه بلكمة. ويعلق استاذ جامعي زاره الكاتب في بيته أن ما حدث للغامدي دليل على غياب التسامح مع الرأي الأخر.
وكان موقف زوجة المحاضر مختلفا، فهي ليست معه لأن العائلة السعودية هي التي تحدد مظاهر الحياة في البلاد «عليه طاعة الحكام» قالت «إذا خرج كل واحد برأيه فسنواجه الفوضى». ولاحظ الكاتب أن المحاضر الذي تحدث إليه أرسل رسالة طلب فيها عدم ذكر اسمه في تقريره خشية أن لا يتعرض للمضايقة.
ويرى الكاتب أن مشكلة الغامدي مثيرة خاصة أن ما يقوله يجد صداه بين أفراد العائلة الحاكمة والمؤسسة الدينية والنخب ولكنهم لا يتجرأون للحديث عنه. ومن المفارقة أن السعودية بدأت هذا العام بعض الإصلاحات في عمل الهيئة والتي كان يدعو إليها الغامدي.

السعودية: حديث التغيير صعب والجميع يتحدثون عنه في السر… والدولة تريد دورا واسعا للمرأة والمؤسسة الدينية تعارضه خوفا من انهيار المجتمع

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية