قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد لقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس:»إنهم [إسرائيل والسلطة الفلسطينية] يعملون في شكل جيد جيداً، ونحن سنواصل بناء شراكتنا مع قوات الأمن الفلسطينية لمواجهة الإرهاب وهزيمته». وربط ترامب عملية السلام بهزيمة «داعش»، وأكّد أنه «لا سلام إذا لم يتوقف التحريض على العنف والكراهية»، فبؤرة الاهتمام هنا هي «الإرهاب» في تساوقٍ تضليليٍّ ومجحف (بدأه نتنياهو بإقحام داعش في النضالات الفلسطينية) مع «الحرب على الإرهاب» في المنطقة. تساوق يصرف الأنظار عن الاستحقاقات التي لا تفي بها إسرائيل، وتساوق يخلط الأوراق بين «الإرهاب» المُستنكَر، والمقاومة المشروعة للاحتلال؛ ما يجعل الأسرى الذين يضطرون إلى استشراف الموت من أجل لفت الأنظار إلى حقوقهم المُغيَّبة، على تماسٍّ، إن لم نقل في صلب هذا التوصيف بالإرهاب، حيث ثمّة تلويح من مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو يعكف على مشروع قانون يُلزِم إدارة ترامب بوقف المساعدات للسلطة، في حال «لم توقف تمويل الإرهاب والتحريض» وترامب بهذا اللقاء يريد استئناف «العملية» عملية السلام، كضرورة بحدِّ ذاتها، مع استبعاد النتائج، سواء من حيث التحقُّق، مبدئيا، أو من حيث موعد هذا التحقُّق، في ظلِّ ظروف إقليمية، وعربية، وفلسطينية، وإسرائيلية، أقلّ ما يقال عنها أنها غير ناضجة لمثل تلك الاختراقات التي لم تتحقَّق، طوال عقود من المحاولات الحثيثة.
وإن كان توجُّه عباس نحو قطاع غزة وحماس بضغوط غير مسبوقة، قد يكون خطوة مطلوبة، كعهد الابتزازات الأمريكية، أو الاشتراطات المطلوبة دوما بجدية من الطرف الفلسطيني.
مطلوبٌ من الفلسطينيين في هذه الفترة وقف أشكال العداء لإسرائيل، حتى الوصول بالسلطة الفلسطينية إلى مناطق بالغة الحساسية والحرَج، من قبيل التوقُّف عن دفع عن دفع مخصصات مالية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال وعوائل الشهداء والجرحى الذين سقطوا بالرصاص الإسرائيلي، إلى جانب القيام بخطوات عملية لوضع حد لـ»التحريض» على إسرائيل، وتغيير أكبر في المناهج المدرسيَّة، علما أن هذا المنحى فعّال منذ تأسَّست السلطة، وزاد باطّراد، دون أن يقابله مُجرَّد التفات إلى ما يتعاظم في الطرف الثاني الذي يزداد الخطاب الديني الفاشي فيه سفورا، وتعاليا، مع اقتراب نتنياهو نحو معسكر اليمين الأكثر تطرُّفا وتديُّنا يمينيا، من مستوطنين وعنصريين. يؤكد ذلك استطلاعٌ أخير للرأي العام أجراه معهد مدجام الإسرائيلي يُظهِر أنّ الكراهية والعنصرية تحكم المجتمع الإسرائيلي.
ولا يراعي ترامب موقف الرئيس الفلسطيني أمام شعبه الذي يعاني يوميا، احتلالا، واعتداء، وانتهاكا، على أفراده، وعلى مقدّراته، ومقدَّساته، كيف سيطلب منهم، بل كيف سيجبرهم بالقوة، وربما بالسجن، على الكفِّ عن «التحريض»؟! في وقت يقوم فيه إسرائيليون، من ذوي المرجعيات الدينية، وفي موقع المسؤولية، أو في الكنسيت، بالتحريض، على قتل الفلسطينيين، ويقدِّمون الغطاء للجنود الذين يُجْهِزون على الفلسطينيين المدنيِّين، حتى بعد تحييدهم، في مواقع المواجهات، وحتى لمجرَّد الاشتباه بهم.
وكيف يُطلَب من الرئيس الفلسطيني أن يمنع التحريض، ويعدّل المناهج الدراسية على مقاس أمريكي مرتدٍّ إلى مقاس إسرائيلي متطرّف، في وقت لا يتحقَّق فيه أيّ «تقدّم» نحو تحصيل الحدّ الأدنى من الحقوق السياسية الفلسطينية؟! وفي وقت لا ترى قيادة اليمين الحاكم في إسرائيل عباس بالرغم من كل ما فعله، ويفعله، من استمرار التنسيق الأمني، مثلا، الذي أعلن ترامب أنه فوجئ بمقداره ودرجة فعاليته. لا ترى فيه شريكا يمكن الاعتماد عليه للمُضيِّ في حلٍّ نهائي للصراع؟!
ولنا أن نتساءل ما الكلام الذي يعدّ تحريضا ؟ إذا كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قام، في تطوُّر أخير، بتوسيع مفهوم «معاداة السامية»؛ ليشمل معاداة إسرائيل، إذ قال:»الشكل الحديث من معاداة السامية يتمثل في إنكار وجود دولة إسرائيل». فقد يُعَدّ وصفُ إسرائيل بالاحتلال والعنصرية، تحريضا، وهي حقائق ملموسة، وسبق للأمم المتحدة، في الجمعية العامَّة، أن رأت ضمن قرار 3379 الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، وهنا نستذكر ما قالته المسؤولة السابقة في الأمم المتحدة ريما خلف من أنَّ غوتيريش طلب منها أن تسحب تقريرا تتهم فيه إسرائيل بأنها «دولة فصل عنصري» فهنا إرهاب دولة محتلة يُمنَع التحدُّث عنه، بل إن خطر الوصم بالإرهاب محدق بكل من يقف في وجهه.
وبالطبع نحن لا نستطيع تجاهل خلفيَّة ساكن البيت الأبيض الذي لا يتمتّع بفكر تصالحي مع المسلمين، وصرّح باستهدافه «الإسلام الفاشستي»، في خطوة أبعد ممّا بلغها سلفُه باراك أوباما الذي حرص على تجنُّب وصف الإسلام بصفة الإرهاب؛ ما يعني أن الحرب على الإرهاب تتقدَّم أجندته، كما أنه يختلف عن أوباما في مقدار الغطاء الذي يمنحه لإسرائيل، وسياسات قادتها الممعنة في الاحتلال والاستيطان، إذ لم يكن راضيا عن سماح إدارة سلفه بإدانة الاستيطان في قرار أممي، 2334 حظي بتأييد أغلبية ساحقة، وهو القرار الذي طالب إسرائيل بوقف الاستيطان، وعَدَّ المستوطنات «انتهاكا صارخا بموجب القانون الدولي، وعقبة كبرى أمام تحقيق حلّ الدولتين، وإحلال السلام العادل» وتعهَّد ترامب بعدم السماح بتكرار ذلك.
كما أن ترامب لم يعلن تخلِّيه عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في خطوة بالغة الانحياز إلى إسرائيل، بل في خطوة مميتة لما يسمّى بعلمية السلام، والأنكى من ذلك أن ترامب يستخدم هذه الورقة من أجل مزيد من الابتزاز لعباس؛ إذ مقابل التوقف عن نقل السفارة يريد أثمانا سياسية إضافية. وأما الاستيطان فموقف ترامب هو «كبح جماحه» لا وقفه، وبعد ذلك هو لم يؤكد التزامه بحلّ الدولتين، إنما بإنجاز «اتفاق سلام».
ويتعامل ترامب مع هذا النزاع التاريخي البالغ التعقيد، والمثقل بالحمولات الفكرية، والوجدانية، بمنطق (الصفقة)، من منطلق خلفيَّته الاقتصادية، وهذا قد لا يكون منسجما ليس مع الفلسطينيين فقط، بأبعاد قضيتهم المختلفة، ولكن أيضا مع الإسرائيليين، أيضا، ولا سيما بعد تنامي البعد الديني في الدولة والمجتمع والجيش.
من الممكن أن تغيِّر السلطة المناهج الدراسية، لتتوافق مع المقاييس الأمريكية الإسرائيلية، ومن الممكن أن تجد وُعَّاظا وخطباء يراعون لخطوط الحُمْر في التحريض، لكنها بذلك الوفاء الحادّ (!) قد تُبعِد نفسها عن أن تكون مرجعيَّة معقولة للخطاب الديني، وقد تقلِّل حظوظَها من التأثير في صياغة الخطاب الديني؛ لتسمح رغما عنها، للتفسيرات الأخرى الأكثر انعتاقا، أو الأكثر تطرُّفا، بتلك المناطق التأثيرية المتروكة.
وبعد فإن هذه التشكيلة، أو الوصفة، المركَّبة من السلب دون الإيجاب، المنع دون العطاء، لا تساعد في إضعاف عوامل التطرّف، بل هي وصفة أمنية سطحية، منزوعة مِن، أو مضادَّة لسياقها، لا تسهم في تحقيق العدالة، بقدر ما تثير على المدى البعيد الإحساس بالاضطهاد والتمييز؛ لصالح الطرف الأقوى ماديا، وهو الاحتلال. وهي تنسى أو تتناسى إرهاب الاحتلال؛ لتجعل من مقاومته حتى بالكلمة إرهابا.
٭ كاتب فلسطيني
أسامة عثمان