السلطة الفلسطينية وخداع الذات

حجم الخط
0

القيادة الفلسطينية لم تخف قلقها حول التسريبات بخصوص تملص الولايات المتحدة الواضح من تأييد إقامة الدولة الفلسطينية. وهذه لم تكن الرسالة الحاسمة للتوجيهات الخاصة والعامة لدونالد ترامب في المؤتمر الصحافي أمس. كل طرف يمكنه ايجاد امور تعزز موقفه. وحتى لو كان هناك تنصل، فما الذي سيختلف فعليا؟ الادارات الامريكية التي سبقت ترامب تحدثت عن حل معين للدولتين ولم تفعل أي شيء لتحقيقه، أي منع اسرائيل من افشاله، لكن وعود وتصريحات الامريكيين مكّنت القيادة الفلسطينية في رام الله من الكذب على نفسها وعلى شعبها، أنه رغم كل شيء هذا هو الحل الذي تؤيده القوة العظمى.
هذا الكذب المتواصل ـ الذي يقترن بالمساعدات الاقتصادية الكبيرة ـ كان إحدى الأدوات التي سوقت من خلالها قيادة م.ت.ف وحركة فتح والسلطة الفلسطينية مبرر وجودها وتشكيلتها التي لا تتغير تقريبا. هذا الكذب الذاتي ساعدها في تبرير تمسكها باحترام الاتفاقيات مع اسرائيل أمام شعبها، بما في ذلك التنسيق الأمني. وليس صدفة أن الولايات المتحدة تتبرع بمبالغ طائلة للأجهزة الأمنية الفلسطينية. والنغمة التي تسمع الآن من البيت الابيض تطرح السؤال حول امكانية أن تضعف التغييرات في الولايات المتحدة مكانة القيادة في رام الله في نظر الفلسطينيين، وهل هناك خطر على وجودها.
ترامب جاء وسيذهب، والشعب الفلسطيني باق وسيبقى مع طلب التحرر من الحكم الاسرائيلي الذي هو بالنسبة للفلسطينيين احتلال عسكري وكولونيالية وابرتهايد. هذه ليست شعارات بل هي واقع يومي، مُلح، يعيشه الشعب الفلسطيني في البلاد وفي الشتات. قبل 24 سنة كان لهذا الشعب قيادة محببة قدمت لاسرائيل هدية سخية هي حل الدولتين، هكذا فسرت اتفاق اوسلو. ولكن اسرائيل رفضت الهدية.
كان باستطاعة القيادة الفلسطينية أن تفهم قبل اغتيال رابين ايضا أن اسرائيل تخدعها، وأنها قد تقول «دولتان»، لكنها تطبق واقع الكانتونات. لكن م.ت.ف تمسكت بالمفاوضات على أمل أن يضغط الغرب على اسرائيل وأن تحدث تحولات ايجابية وأن تقوم الدول العربية بفعل شيء ما. ولكن هناك سبب آخر وهو أن القيادة الفلسطينية استبدلت بيروقراطية حزب التحرير القومي بالبيروقراطية السلطوية مع المنطق الداخلي في الحفاظ على الذات والالتصاق بالمنصب. قلق عباس والمقربين منه من التدهور العسكري الذي قد يضر الشعب الفلسطيني، مثلما في الانتفاضة الثانية، هو قلق جدي وله ما يبرره، لكن من ورائه تقف دائما المصالح الشخصية.
بشكل مواز، زاد الخداع حول السيادة المحدودة في داخل الكانتونات الفلسطينية. ففيها تقدم السلطة الفلسطينية وحماس الخدمات الرئيسية للجمهور، ويمكن القيام بأفعال جماهيرية لم يكن مسموحا بها تحت الاحتلال المباشر، رغم الانتقادات التي تُسمع ضد السلطة الفلسطينية حول الفساد والديكتاتورية وعدم النجاعة وعدم الاهتمام والفجوات الاجتماعية وما أشبه. فهي على الرغم من ذلك تخدم المصالح الوجودية الآنية للجمهور. ترامب في الحكم ليس سببا كافيا لادخال السلطة الفلسطينية في حالة فوضى داخلية وعدم يقين. السلطة حصلت على زمن اضافي من اجل ضمان التغيير. لقد سرب مصدر فلسطيني أمس لوسائل الإعلام الفلسطينية نبأ اللقاء بين رئيس سي.آي.ايه ومحمود عباس قبل قمة واشنطن بيوم. والرسالة من هذا التسريب واضحة وهي: لا تقلقوا، وجود السلطة الفلسطينية هام بالنسبة للولايات المتحدة التي تعرف أن صيانة الكانتونات تضمن نوع من الاستقرار الأمني. وهم يقولون ذلك ايضا لرئيسهم الجديد. والأمر المركزي الذي يضعضع هذا الاستقرار الضعيف، ليس ترامب بل التصعيد في سياسة القمع والاستيطان الإسرائيلي.

هآرتس 16/2/2017

السلطة الفلسطينية وخداع الذات

عميره هاس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية