عمان ـ «القدس العربي»: على مرتفعات البلقاء تقع مدينة السلط التي عرفت الاستيطان البشري منذ آلاف السنين قبل الميلاد. إذ كانت قاعدة إدارية إقليمية للدولة العثمانية، قبل ان تصبح اليوم مزيجاً من فنون الهندسة المحلية والأوروبية، كونها مبنية من الحجارة الرملية الصفراء، ويرتبط تاريخ معظم مبانيها بأحداث تاريخية مهمة.
وتعد السلط الوحيدة بين مدن المملكة التي تضم عدداً كبير من البيوت والمساجد والكنائس التي يتجاوز عمرها المئة عام بطراز معماري متميز ضمن دائرة لا يتجاوز قطرها 2000 متر، وربما يتجاوز عدد البيوت التراثية في المدينة 1000 بيت شُيدت جميعها بالحجر الأصفر.
تاريخ المدينة
السلط، عاصمة محافظة البلقاء، رابع أكبر مدن الأردن من حيث عدد السكان، البالغ 491،709 ألف نسمة بحسب إحصائيات عام 2015. وتبعد عن العاصمة عمان 30 كيلومترا. سميت بـ «سالتوس» نسبة إلى القائد اليوناني العظيم الذي فتحها زمن الإسكندر المقدوني، والمدينة تقوم على جبال متباينة الارتفاع تتراوح ما بين 790 – 1108 في منطقة النبي يوشع، وبذلك تعد أعلى قمم مناطق وسط الأردن.
ساهم الرومان والبيزنطيون والعرب والمماليك في ازدهار ونمو المدينة، حتى بلغت ذروة مكانتها مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إبان الحكم العثماني لهذه البلاد. ففي عهد الإمبراطورية العثمانية نالت قسطاً من الحرية، فلم يحكمها حاكم وكان يقال عن سكانها «معفيون من الضرائب من أي نوع كانت» وظلت مركزاً تجارياً هاماً بربط فلسطين ببلاد الشام والحجاز.
ومن النماذج الرائعة على تقدم المعمار الهندسي، منزل ابو جابر الذي بني عام 1882 وزينت سقوفه وجدرانه من الداخل بلوحات أبدعها فنانون إيطاليون، ليمثل دليلا على مدى التقدم والازدهار الذي شهدته المدينة، رغم أنها تعاني اليوم من ضغوط التوسع والتغير الوظيفي.
المواقع الأثرية
تضم السلط العديد من المواقع الأثرية المهمة مثل المقابر الرومانية في ضواحي المدينة، وقلعة الأيوبيين التي بناها السلطان عيسى بن أيوب عام 1198 ومتحفا للآثار والحياة الشعبية التي كانت سائدة، إضافة إلى أدوات تراثية كأدوات الحراثة والفلاحة وغيرها.
يعود بناء القلعة التاريخية للقرن الثالث عشر حيث أمر السلطان الأيوبي المعظم بن صلاح الدين ببنائها وتعرضت للدمار على أيدي المغول 1260 وبعد عام أمر السلطان المملوكي في مصر بإعادة بنائها من جديد وبعد ستة قرون قامت جيوش الحاكم المصري جمال باشا بتدميرها ثانية ولم يبق من آثارها إلا مسجد فخم يطل على المدينة الحديثة اليوم.
من أشهر شوارع السلط شارع الحمام في وسط المدينة، وشارع الميدان وكان فيه ميدان لطراد الخيل، وشارع الدير وهو آخر امتداد شارع الخضر الذي سمي نسبة إلى مقام الخضر عليه السلام ومن أشهر الأحياء حي الجادور وذلك نسبة إلى مقام النبي جاد الموجود فيه، ووادي شعيب نسبة لمقام النبي شعيب.
المتحف
يمثل متحف آثار السلط ومعروضاته ذاكرة تاريخية تتوزع على حقب ضاربة في جذور التاريخ، والمبنى الذي يقام في منزل آل طوقان، بني على عدة مراحل، إذ أنشئ الطابق الأرضي في بدايات القرن المنصرم في الفترة ما بين 1900 -1905 وتبلغ مساحته 170 مترا يتم الدخول إليه من خلال شرفة أمامية ويحتوي على فراغ دخول وسطي (ليوان) تحيط به ثلاث غرف، بالإضافة إلى موزع ودرج ووحدة صحية. بينما أنشئ الطابق الأول بعد ذلك بسنوات قليلة على إثر دخول الخط الحديدي الحجازي إلى الأردن ما بين 1905-1910 ويمكن الوصول إليه من خلال درج جانبي مكشوف أو مباشرة من الطابق الأرضي وتبلغ مساحته ما يقارب من 200مترا. وتنتظم حول فناء وسطي مكشوف سبع غرف، اثنتان منها على الطرف الشرقي من الفناء والخمس الأخرى تقع على الجانب الغربي وترتبط بالفناء من خلال رواق.
ويضم المتحف بين جنباته جميع القطع التي تأتي من الحفريات الأثرية في المحافظة وقد رتبت ترتيبا زمنيا من العصر النحاسي المتمثل في موقع تليلات الغسول قرب البحر الميت الذي يعود تاريخه إلى 4500 قبل الميلاد وحتى الفترات الإسلامية التي تتمثل في عدد من القطع الفخارية والنقود والزجاج تعود لفترات مختلفة تظهر تعاقب الحضارات. وجرى مؤخرا استحداث تسميات للغرف «الحقب» بحيث تضم كل غرفة حقبة تاريخية معينة بناء على الأحداث البارزة والتغييرات التي جرت على الطريقة التي كان يعيش بها الناس في كل فترة.
الحياة الشعبية
يقع متحف الحياة الشعبية في قلب مركز السلط الثقافي، وتم افتتاحه عام 1987 ويهدف إلى المحافظة على التراث الشعبي لأبناء السلط والأدوات والآلات الشعبية التي كان يستخدمها أبناء المدينة خوفاً عليها من الإندثار أو الزوال.
والمتحف يمثل جانبين من حياة السكان هما البداوة والريف. فحياة البداوة تمثلها خيمة منسوجة من شعر الماعز يقال لها «بيت الشعر». ويقسم هذا البيت إلى «شق» وهو مكان جلوس رجل البيت وضيوفه والثاني «محرم» وهو مخصص للنساء. وفي شق الرجال توجد أدوات صنع القهوة كالدلة والمحماس، والمهباج، بالإضافة إلى سلاح البدوي المتمثل في السيف والبندقية القديمة.
أما البيت الريفي فهو مبني من الحجارة وفيه الفرش كالبطانيات، وصندوق خاص بالمرأة تحفظ فيه مقتنيات الأسرة الثمينة التي تتوارثها جيلاً عن جيل، بالإضافة إلى أدوات الخبز كالطحين والعجين.
أقدم المدارس
على رأس تلة جميلة مطلة على وادي السلط من جهة، وعلى ملتقى سفوح المدينة العريقة من جهاتها الأخرى تتربع أم المدارس الأردنية على نحو ثلاثين دونماً، في الجزء الجنوبي الشرقي من مدينة السلط تقف شامخة منذ ما يقرب من ستة وثمانين عاماً، تحكي بشموخها قصة وطن عزيز أبي.
مدرسة السلط الثانوية التي خرجت العديد من رجالات الأردن المهمين، بتقديمها 85 فوجا، كانت شاهدة على تاريخ الدولة الأردنية الحديثة، حيث قال عنها الملك الحسين «… فلست أجد مدرسة ولا مؤسسة في بلدنا ارتبط تاريخها بتاريخ الوطن، واتصل استمرارها ببناء الدولة وتطورها كمدرسة السلط العريقة».
ولم تكن مدرسة السلط الثانوية أول ثانوية أردنية فقط، بل كانت الرائدة في الكثير من المجالات، وتأسست فيها أول مكتبة مدرسية في الأردن عام 1925 كما تشكلت فيها أول فرقة كشفية عام 1923 وأول جمعية رفق بالحيوان «جمعية حماية الحيوان» عام 1926 وبلغ عدد أعضائها من طلبة المدرسة عام 1928 (12) عضواً.
وفي عام 1938 صدرت فيها أول مجلة مدرسية تدعى «مدرسة السلط الثانوية» وأول مرصد جوي بسيط لقياس عناصر الطقس المختلفة، بالإضافة إلى أن مدرسة السلط الثانوية هي الوحيدة التي تظهر صورتها في طابع بريدي أردني صدر في عام 1982. تتوشح اليوم مدرسة السلط الثانوية وسام الاستقلال الملكي من الدرجة الأولى، وستبقى صرحا علميا وثقافيا وتاريخيا.
قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو
تضم المدينة آثارا ومعالم تاريخية فريدة من فترة الحكم العثماني للبلاد، بينها أكثر من ألف بيت أثري، وتم إدراجها على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو نهاية كانون الثاني/يناير من هذا العام.
وتشمل الخطة المعدة للمدينة على 9 أبواب أولها باب يشتمل على إظهار القيمة العالمية الفريدة لمدينة السلط ولماذا تعد تراثا عالميا، والثاني والثالث يتضمن جزءا من خطة إدارة الوسط التاريخي والتراثي للمدينة كاملة وخطة للحفاظ على الأبنية التراثية البالغة 22 مبنى وترميمها، إضافة إلى ملحق يحوي دليلا للترميم حسب الأصول العالمية وملحق خامس يتضمن الدراسات التي أجريت للمدينة من قبل الجمعية العلمية الملكية ومؤسسة جايكا اليابانية.
وهنالك مجلد آخر يضم الأحكام التنظيمية التي تم تجهيزها من قبل البلدية واعتمد من قبل مجلس التنظيم الأعلى، حيث سجلت أنها أول مدينة عربية تضع أحكاما خاصة للتنظيم في الوسط التاريخي للمدن التاريخية العربية. كما يشتمل الملف على ملحق للوصف والقيمة التاريخية للمدينة وملفات أخرى تتحدث عن التسلسل التاريخي للمدينة موثقة بالصور الجوية والفوتوغرافية.
ويعد ملف السلط الأول عالميا الذي يقدم لتسجيل المواقع التراثية فيها ضمن الحركة العمرانية الممتدة من (1865 -1925) وهي الفترة التي تحولت فيها المدينة من البناء الحضري البسيط إلى مدينة ذات طراز معماري متميز أثر في البناء المعماري في الأردن والوطن العربي والعمارة العالمية.
الرحالة بيركهارت
قال الرحالة بيركهارت خلال إحدى رحلاته عن السلط «تعيش عشائر السلط معاً في وفاق تام تحت حكم شيوخهم وهم جميعا من القبائل البدويّة الأصيلة متمسكين بالعادات ولهجتهم بدوية قحّة، إلا انهم لا يرتحلون لما في أرضهم من خير. وأهالي السلط على حلف مع بعض البدو في منطقة البلقاء والبلاد المحيطة بها».
آية الخوالدة