جاء قرار السلطات السعودية بالسماح للمرأة بقيادة السيارة قبل يومين فقط من التصويت على مشروع قرار حول تشكيل لجنة تحقيق دولية في جرائم الحرب في اليمن.
هذه اللجنة التي تخشاها السعودية جعلتها في مواجهة ضارية مع المجتمع المدني والحقوقي العالمي وكل مؤيديهم من أحرار العالم ، ووصل الأمر حد التهديد بقطع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع هولندا وكندا والدول الأوروبية الداعمة لمشروع قرار تشكيل لجنة التحقيق الدولية .
نجحت السعودية قبل ذلك مرتين في إحباط مجلس حقوق الإنسان عن تشكيل لجنة تحقيق دولية ، مرة في العام 2015 والأخرى في العام الماضي 2016 والأخيرة تمخض عنها إعطاء المجلس فرصة للجنة تحقيق وطنية محلية تشكلت بقرار من حكومة هادي الموالية الرياض، كما وتتلقى تمويلها من الحكومة السعودية.
وهو ما يلقي ظلالا من الشك حول قدرة لجنة تحقيق محلية في الكشف عن جرائم الحرب في اليمن بنزاهة وحيادية وهي التي يشرف عليها وتتلقى تمويلها من أحد أطراف الصراع في اليمن ، بل واتهمها مراقبون ونشطاء حقوقيون بأنها لجنة لتغطية الجرائم وليس لكشفها والتحقيق فيها .
السعودية التي رحبت وحشدت جهودا من أجل تشكيل لجنة تحقيق دولية في جرائم الحرب في سوريا تمارس دورها من العام 2011 ، ترفض تشكيل لجنة شبيهة موازية للتحقيق في اليمن خشية من أن يطالها الاتهام بتورطها في جرائم حرب خصوصا بعد أن تضاعف عدد الضحايا من المدنيين اليمنيين نتيجة الغارات السعودية .
لا تهتم السعودية بالرأي العام الدولي والضمير الحقوقي العالمي ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية ، وتستعيض عن ذلك بتربيطاتها وصفقاتها مع الدول الكبرى من أجل احباط أي محاولات إدانة لأدائها العسكري في اليمن .
في العام الماضي استطاعت التنسيق مع ثلاثي دول فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة من أجل احباط تشكيل اللجنة الدولية ، وفي الدورة الحالية التي بدأت قبل اسبوعين تعول المملكة على تحالفها مع حكومتي بريطانيا وامريكا لاحباط مشروع التصويت على القرار الذي تصوت عليه 47 دولة هو عدد الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان .
امريكا وبريطانيا تشعران بالحرج أمام الرأي العام المحلي والعالمي من دعم المطالب السعودية بتشكيل لجنة محلية مائعة تغطي على الجرائم وصفها محامون دوليون في جنيف أنها لجنة ميتة، وعديمة الجدوى، وتمارس الانتقائية، وتفرز الضحايا بحسب هوية القاتل ، ومن أجل إزالة الحرج ضغطت أمريكا وبريطانيا على السعودية بعمل قنبلة صوتية في هذه اللحظة مثل قرار منح المرأة السعودية قيادة السيارة _ ستكون مصحوبة منطقيا _ بتغطية إعلامية مكثفة في وسائل الإعلام الدولية للإيحاء بتحقيق اختراقات مهمة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة في السعودية وفي وقت تزداد فيه الانتقادات الحقوقية والدولية للسعودية بخصوص ملفها في حقوق الإنسان في الداخل السعودي وفي اليمن الذي تقود فيه تحالفا لإعادة الشرعية اليمنية للحكم .
بدون هذه الخطوة التي تم اختيار توقيتها بالتنسيق مع الولايات وبريطانيا لم يكن من الممكن تبرير وقوف بريطانيا وامريكا مع السعودية في مجلس حقوق الإنسان المنعقد هذه الأيام في جنيف .
توقيت قرار منح المراءة السعودية حق القيادة تم دراسته بعناية للاستفادة من تداعياته وردوده الإيجابية للتحرك لاسقاط لجنة التحقيق الدولية في جرائم السعودية وأطراف الحرب في اليمن .
وللتأكد تابعوا ما سيجري في جنيف من مداولات حول تشكيل لجنة التحقيق حول جرائم الحرب في اليمن .
٭كاتب وباحث يمني مقيم في فرنسا
فؤاد عامر