السنغال: آلاف الأطفال المشردين في عمر الزهور يعيشون على التسول

حجم الخط
1

نواكشوط ـ «القدس العربي»:في كل صباح، تخرج مجموعة من أطفال مدن السنغال الكبرى وبخاصة العاصمة داكار، لا للذهاب إلى المدارس بل للتسول والاستجداء..يطلق على هذه المجموعة باللهجة المحلية مسمى «تاليبي» أي الطلاب، فهم ينتشرون في كل مكان بثيابهم الرثة وأشكالهم المتعبة وعلبهم المعدنية الفارغة، ويبدأون باستدرار عطف المارة عند إشارات المرور وأمام المطاعم والمقاهي والأسواق.
هؤلاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاما لا يتسولون لحاجاتهم الخاصة، بل تلبية لرغبة الشيوخ الذين يدرسونهم القراَن في الكتاتيب.
ويتم الأمر بمعرفة أهلهم وبموافقتهم، فهم يتسولون من أجل حفظ القراَن، وأهلهم يقبلون ذلك نتيجة لفقرهم، فيظلون طوال النهار يتسكعون في الشوارع حتى يحققوا الحد الأدنى من المبلغ المفروض عليهم تحصيله بتكليف من شيخهم.
إنهم يقتاتون أثناء مسيرتهم اليومية على الطعام الذي يجود به أصحاب المطاعم والمارة، لأنه ليس من حقهم لمس ما يحصلون عليه من نقود. ويأتي هؤلاء الأطفال في الغالب من مدن الداخل ومن الأرياف.

في عمر الزهور

إنهم أطفال سنغاليون في عمر الزهور يلبسون الأسمال البالية ويتجولون ليل نهار وهم حفاة عراة يبحثون عن من يتصدق عليهم بقطعة نقدية أو قضمة خبز.
لقد تحول هؤلاء الأطفال بفعل وجودهم المستمر داخل المدينة، إلى جزء من ديكور الشوارع والساحات العامة. يغلق الجميع الآذان حتى لا يسمع أنينهم وشكاوى جوعهم ويغلق الجميع العيون حتى لا يرى ما هم فيه من بؤس.
لا يمكن أن تخلو أماكن الزحمة من أطفال «التاليبي» وبخاصة الساحات العامة والأسواق ووقفات سيارات النقل الحضري وإضاءات المرور.

مشردون بالآلاف

تحدد الإحصاءات الرسمية في السنغال عدد الأطفال المشردين بمئة ألف طفل وتؤكد دراسة أجريت حول واقعهم أن أعمارهم تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات.
ولا يخصص لهؤلاء الأطفال لدراسة القرآن سوى وقت قليل أما أغلب أوقاتهم فيقضونها في التسول هنا وهناك وهنالك.
وهم يوفرون لمشائخ المدارس القرآنية دخلا كبيرا للغاية قدرته دراسة أجرتها منظمة «إندا تير موند» بملياري فرنك افريقي في الشهر.
ونددت الدراسة باستغلال معلمي القرآن للأطفال مؤكدة «أن حالتهم نوع من الاستعباد والاسترقاق».

تربية وتدريب ولكن

يعتبر الأخصائيون الاجتماعيون أن هذه الظاهرة كانت في السابق تشكل نوعاً من التكافل الاجتماعي بحيث يتكفل المجتمع بطلبة العلم، وهو ما يعتبر بمثابة الواجب الأخلاقي، ولترسيخ قيم التواضع والأخوة لدى طلاب العلم، حيث كان الشيخ الذي يدرس القراَن (المرابو كما يسمى) يتكفل بالأولاد ويسكنهم في الكتاب الذي يديره، ولا يتقاضى أجرة على تدريسهم، وتسولهم يقتصر على طلب وجبات الطعام لأنفسهم، وهذه كانت فلسفة لدى مدرسي القراَن اَنذاك. حيث يعتبرون أن الأمر سيجعل الطلبة متواضعين وغير متكبرين، وهذا بحسب رأيهم هدف نبيل، ومن خلال هذا الفعل يريد آباء الطلاب أن يثبتوا أن أبناءهم قد ضحوا من أجل تعلم القراَن وعلوم اللغة.

التسول والتشرد

بعد هجرة الكثير من سكان الريف إلى العاصمة داكار، بسبب الجفاف والفقر والجوع، تغيرت الأوضاع وتحولت الظاهرة إلى تجارة وانتهاك للطفولة، وتحولت بعض الكتاتيب التي تدرس القراَن إلى مراكز لنشر المتسولين في الشارع، وتحول بعض مدرسي القراَن إلى مجموعة من المجرمين الذين يفرضون على الأطفال الموجودين لديهم أن يتسولوا وأن يحصلوا على مبالغ محددة، وإلا تعرضوا للضرب والتنكيل، بحيث يوجدون على الطرقات في ساعات متأخرة من الليل وهم ما زالوا يبحثون عن المبلغ المطلوب. ويرى الباحث أحمد حدي «أن ظاهرة «التاليبي» طريق إلى الانحراف والجهل». ويؤكد «أن وجود هؤلاء الأطفال في الشارع لفترات طويلة وتعودهم على التسول وحرمانهم لسنوات من رؤية أهلهم، حوّل الكثير منهم إلى مجرمين ناشطين في عصابات، يمارسون النشل وكل أشكال اللصوصية، ويتم استخدامهم أحياناً في تجارة المخدرات، ويصبح مصير الكثير منهم التورط في جرائم والذهاب إلى السجن».
ودعت منظمات حقوقية عاملة في السنغال الحكومة السنغالية «لإنقاذ الأطفال، بوضع برامج حقيقية فعالة من أجل دمجهم في الحياة الطبيعية، والوقوف في وجه المشايخ المتاجرين بهم باسم تدريس القراَن، ووضع قوانين واضحة تجرم استغلال الأطفال، مع القيام بحملات توعية المجتمعات لإقناع العائلات بالتوقف عن إهمال أولادها وتنبيهها لخطورة ما يحدث لأولادها».

السنغال وأطفاله المشردون

أكثر من مئة ألف طفل مشرد ومتسول على الأقل من أصل ثلاثة عشر مليون نسمة عدد سكان السنغال البلد الافريقي الذي يعاني ظاهرة الأطفال الذين لا أهل لهم. ينظر الخبراء السوسيولوجيون للسنغال نظرة عطف لكونها البلد الذي يعيش فيه هذا العدد الكبير من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 و14 سنة والذين يعيشون من دون أسرهم وذويهم.
يقول منصور انجاي خبير تنمية بشرية في توضيحات لـ «القدس العربي»: «هذا الجيش الكبير من الأطفال المتسولين «تاليبي» كما يسمون محليا، يقضون سحابة اليوم وهم يتسولون في الشوارع والطرقات المليئة بالمخاطر وبازدحام السيارات».
ويضيف: يدرس «التاليبيون» الأطفال القرآن تحت إمرة شيخ يتولى تربيتهم في مدرسة يسمونها «دارا» أي دار القرآنية التي يتخرجون منها لمواجهة مطالب ومصاعب الحياة.

«دارا» أو مدرسة القرآن

إنها ظاهرة أطفال «دارا» التي تعني مدرسة القرآن وهم المشردون المتسولون: فما هي حقيقة هذه المدرسة ؟ وعلى ماذا تقوم؟
دخل السنغاليون في الإسلام بأعداد كبيرة مستهل القرن التاسع عشر الميلادي وذلك بالتزامن مع الهيمنة الاستعمارية الفرنسية على هذا البلد.
وقد وجد السنغاليون في الإسلام ببساطته ومسحته الصوفية ما يوافق تقاليدهم، فاتجه المشائخ نحو المحافظة على دينهم من تأثيرات المدارس الأوروبية أو مدارس «النصارى التوباب» كما يسمون محليا. من هنا جاءت فكرة تأسيس المدارس القرآنية لتكون بديلا عن المدارس الفرنسية، ولتكون جبهة مقاومة للتعليم الذي تسعى فرنسا لفرضه وحمى لصيانة القيم المحلية من تأثيرات الغزو الفكري والثقافي المستورد.

عبيد للمعلم

يعمل الأطفال «التاليبي»في مزارع شيخ المدرسة القرآنية مقابل تدريسه لهم نص القرآن وعلوم الشريعة الإسلامية ومقابل رعايته لهم. وفي إطار هذه الصفقة يضطر الأطفال لممارسة التسول الذي يأخذ غالب وقتهم.
ويقول المدرس بابكر أنجاي المشرف على مدرسة قرآنية في مدينة كيبي مير السنغالية «التسول ليس جريمة. إنه يدرب الأطفال على الصبر ويزرع فيهم معاني الإنسانية حيث أن الأطفال يقتسمون كلما يحصلوعليه سحابة كل يوم».
ويضيف «إننا نؤهل الأطفال ليكونوا مستعدين للدخول في المجتمع».

أسباب الظاهرة

يؤكد بكاري صمب الموظف في مشروع التهذيب الأصلي «أن إعادة تنظيم المدارس القرآنية في السنغال بدأ عام 1980». مضيفا أن «الاهتمام بها بدأ بعد ذلك حيث دفعت دورات الجفاف وصعوبة المعاش آباء التلاميذ لتوجيه أبنائهم نحو هذه المدارس التقليدية بدل المدرسة النظامية التي وإن كانت مجانية إلا أنها لا تخلو من تكاليف تتعلق بالأدوات والنقل».
ويضيف «أمام هذا الواقع تغيرت المدارس القرآنية كثيرا فلم يعد حصاد المزارع كافيا لتغطية نفقات المعاش ولذا فمن اللازم التوجه نحو المدن ليقضي الأطفال معظم أوقات النهار متسولين في الشوارع لتحصيل مبالغ مالية وللحصول على الغذاء».
إن هذا النشاط يعرض الأطفال للحوادث وللتهريب ولشتى الإهانات. وبما أنهم بعيدون من أسرهم فمن الصعب عليهم أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم في حالة ما إذا تعرضوا لعدوان في الشارع أو من طرف شيخ المدرسة.

الحياة بعد التخرج

يواجه الأطفال المشردون مشاكل جمة بعد تخرجهم لأنهم يتخرجون دون معرفة اللغة الفرنسية التي هي اللغة الرسمية في السنغال كما أنهم لا يتوفرون بعد التخرج على أي مؤهلات مهنية.
وهكذا يصبح الأوائل من المتخرجين إما مشائخ بدورهم أو معلمين للغة العربية؛ لكن ما هو مصير الكثرة الكاثرة الباقية؟
إنهم يرمون للشارع دون تربية حيث أن كانوا على الهامش في السن التي يتعلم فيها الطفل مبادئ الحياة..كما أنهم لن يجدوا عملا لكونهم لا يتقنون مهنة معينة، ويستحيل عليهم أن يعملوا في المنازل نظرا لروائحهم الكريهة ولملابسهم البالية ولخوف الأسر من نقلهم العدوى إلى أبنائهم.

الطريق نحو الجريمة
يؤكد المفوض لي بوكار «أن هؤلاء الأطفال المشردون ليس أمامهم خيار سوى زيادة أعداد الخارجين عن القانون الذين يهددون أمن المدن السنغالية».
ويضيف « لقد أصبح المرور على هذه المدارس مركزا لصناعة المنبوذين».
أما الدكتور بنعمر كان المشرف على دار القرآن في داكار فيرى «أن الجميع يستفيد من وضعية الأطفال المشردين. فأسرهم يستفيدون من وضعهم حيث تخلصوا من أعباء تربيتهم وتدريسهم كما أن مشائخ المدارس يجدون فيهم بابا للثراء، أما الدولة فتخشى إن هي واجهت هذا الوضع، من إثارة غضب مشائخ الطرق المتحكمين في المجتمع السنغالي المسلم».

جهود الدولة

في عام 2012 حاول الرئيس السنغالي السابق عبدولاي واد تحريم التسول داخل المدن لكن المشيخات الدينية لم ترحب بهذا المسعى مما اضطر السلطات لسحب القرار بعد أقل من سنتين على البدء في تنفيذه.
وكان خبراء حكوميون قد اقترحوا على حكومة السنغال أن تقوم بإجراءين الأول تحديد مواصفات لدار القرآن النموذجية والثاني دعم دور القرآن في الأرياف بأنشطة مدرة للدخل.
وتعتبر الصدقة أمرا هاما لدى السنغاليين والصدقة مرتبطة كل الارتباط بالأطفال المشردين ومن هنا جاء الصمت الرسمي وصمت المجتمع على أوضاع هؤلاء الأطفال الذين يلاقون الإهانة في الحياة والذين لا مستقبل لهم أمام هذا الحالة.
ويتألم الكثير من السياسيين والسوسيولوجيين من حالة الأطفال حيث وجهت منظمات مختصة في حقوق الطفل نداءات كثيرة لفك أسر الأطفال وتحريرهم من قبضة المعلمين المسترقين الذين يتكتمون على واقع الأطفال المنسيين ويغطونه بدعوى تعليمهم القرآن.
ويجمع الكل على أن مكان الطفل مهما كانت الأحوال، يجب ألا يكون الشارع.

هيومن رايتس ووتش: محفظو القرآن يستغلون آلاف الأطفال في السنغال

قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن محفظين للقرآن في السنغال يجبرون عشرات الآلاف من الأطفال على التسول في الشوارع ملقية بالمسؤولية على الحكومة في عدم تطبيق قانون يحظر التسول القسري. ومررت السنغال عام 2005 قانونا يهدف إلى منع الاتجار بالأطفال واستغلالهم في بعض دور تحفيظ القرآن. وحوكم 12 محفظا فقط منذ ذلك الحين.
وأظهر إحصاء أجرته الحكومة عام 2014 لدور تحفيظ القرآن أن أكثر من 30 ألف طفل يجبرون على التسول في العاصمة دكار وحدها. ويلزم بعض المحفظين أطفالا بجلب ألفي فرنك (ثلاثة دولارات) يوميا وإلا عاقبوهم.
ويبلغ الحد الأدنى للأجر اليومي في السنغال أربعة دولارات.
ويهدف بعض المعلمين في السنغال من وراء التسول لتعليم الأطفال التواضع سواء كانوا من أسر فقيرة أو ميسورة الحال. غير أن ناشطين في مجال حقوق الإنسان يقولون إن هذا بات وسيلة للمعلمين للتربح من خلال استغلال الصغار.
وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن عمليات الاستغلال واسعة الانتشار.
وذكر تسعة أطفال تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و15 عاما في مقابلات مع المنظمة في كانون الثاني/يناير الماضي إن معلمهم ومساعديه يضربونهم بالسياط والعصي والحبال.
وقالت كورين دوفكا مديرة منطقة غرب أفريقيا في «هيومن رايتس ووتش» «معاناة الطلاب بمثابة نقطة عمياء في المجتمع السنغالي. السنغال بها قوانين قوية للغاية لكنها للأسف لا تطبق.»
ووعد الرئيس ماكي بإقفال دور تحفيظ القرآن غير الآمنة بعد موت تسعة أطفال في حريق في إحداها في آذار/مارس عام 2013 في داكار. لكن «هيومن رايتس ووتش» قالت إن عددا قليلا فقط من هذه الدور أقفل فعلا.

عبدالله مولود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية