قتل هذا الموضوع تمحيصاً ونشرت حوله عشرات الأبحاث والمقالات الصحافية، بيد أنه اكتسب بعض الحيوية عندما أختاره الطبيب / السياسي الشفيع خضر سعيد ( الذي فصل من قيادة الحزب الشيوعي في العام الماضي) كمدخل جانبي (نفاج) للولوج للساحة السياسية التي استبعدته، وقد خسر المشهد السياسي بفقدانه إذ عرف بالاعتدال والتهذيب وهي خصال خبرتها شخصياً عندما دعاني بعض اليساريين المعجبين به لمناظرة معه في مدينة كارديف لم نتفق لكنه لم يمارس الفجور في الاختلاف، لم يتهمني بالعمالة للغرب ( كما فعل زعيم حزبه الذي قال في إشارة لسنة قضيتها في جامعة ييل الأمريكية : تدرب في أمريكا! ) بل عبر عن تفاؤله بأن آليات وتقاليد النشاط الحزبي ستشهد تحسناً ملموساً وأني وأمثالي ممن استقالوا من الحزب الشيوعي سنعود لقواعدنا لمواصلة النضال تحت الراية الحمراء. أثبتت الأيام القاسية خطأ ذلك التقدير إذ حدث نقيضه عندما فصل هو من قيادة الحزب ولم ينل شرف الاستقالة.
أصبت بخيبة أمل عندما طالعت ما نشره د. الشفيع خضر في « القدس العربي « (8 مايو / أيار) بعنوان: ألا يزال السودان جسراً بين العروبة والأفريقية؟ استهل بسرد بمسلمات معلومة لا خلاف حولها عن علاقة العرب بأفريقيا ثم قفز إلى خلاصة لا اسانيد لها تشكك في دور النخب الشمالية (كلها منذ نيل الاستقلال وحتى قيادة الرئيس البشير) ووصفها بأنها تنكرت للشق الأفريقي في هويتنا وهدمت جسر التواصل داخل الوطن حتى انفصل الجنوب.
لم يعجبني المقال لأن الدكتور الفاضل اختزل أمراً له عدة جوانب وتعقيدات وبسطه تبسيطاً مخلاً في نقطة واحدة لا تأخذ في عين الاعتبار عوامل مؤثرة، فبدا وكأنه اختار خلاصة ثم أخذ يبحث بانتقاء عما يبررها.
ذكرت تقارير سودانية ودولية عن النزوح والهجرة أن السودان من أكثر دول أفريقيا تسامحاً وترحيباً بالنازحين من دول الجوار. فالمعروف أن الآلاف بل الملايين يدخلون السودان عبر حدوده الغربية ويقيمون في قرى حول مدننا الكبرى بسلام. بعد سنوات يذوبون في المدن ويكتسب السودان مهارات إضافية إذ يتفوق بعض أبناء وبنات هؤلاء ويحسنون تمثيل السودان في المجالات الاكاديمية والشرطة والجيش وكسفراء دبلوماسيين.
النور عثمان أبكر من أكثر شعرائنا امتيازاً وقد مثل البلاد في مهرجانات شعرية عربية، ذكر في مقابلة صحافية أنه التقط اللغة العربية من التلاميذ في المدرسة لأن أسرته لم تكن لغتها العربية. وهنالك أمثلة كثيرة لأسر أتت السودان عابرة في الطريق إلى مكة المكرمة فطاب لها البقاء واستوطنت دون عقبات. وقد أشادت عدة دول (نيجيريا) بهذه السياسة السودانية التي تراعي الأواصر الأفريقية. فلنقارن ذلك بما حدث في غربي أفريقيا حينما طردت دولة رعايا الأخرى والزمتهم بالمغادرة خلال أسبوع واحد فردت عليها الدولة الأخرى بالمثل. أو ما حدث وتناقلته وكالات الأنباء من اعتداء على النازحين والمهاجرين القادمين من دول أفريقية مجاورة واضطرارهم للاحتماء بالكنائس خوفاً على حياتهم. أليس موقف السودان منذ الاستقلال جديراً بالتسجيل عند د. الشفيع خضر وهو يكتب عن علاقة السودان بأفريقيا؟
سياسياً نجد في مذكرات نيلسون مانديلا سرداً لكيفية الترحيب به (وزميله الأبيض) عندما وصلا الخرطوم عام 1962 بلا تأشيرة دخول فسمحت لهم السلطات بالدخول ووجدا دعماً مادياً ملموساً بل وعسكرياً أيضاً ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. أليس هذا موقفاً وجسراً أفريقياً؟ وعندما اغتيل باتريس لومومبا في الكونغو انفجرت الاحتجاجات في الخرطوم. هنالك كتاب كامل عن دور السودان في مساندة حركات التحرر في أفريقيا، نشره د. مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية السابق ويبدو أن د. الشفيع خضر لم يطالعه.
أذكر في هذا السياق أنني التقيت أستاذاً جامعياً من تشاد أثناء مؤتمر في الخرطوم وسألته عند الوداع عن مواعيد مغادرته عائداً فقال لي دون تردد أن سكان ثلاث قرى من منطقته انتقلوا إلى ضاحية في ريف مدينة القضارف وأنه يرغب في زيارتهم قبل العودة إلى بلاده. مثل هذه الوشائج هي التي تفسر حسن النيات تجاه السودان في معظم الدول الأفريقية وقد تجلت في مؤازرة السودان في مواجهته مع المحكمة الجنائية الدولية.
مالم يذكره د. الشفيع خضر هو أن جمعية اللواء الأبيض التي نظمت ثورة 1924 كان على رأسها بالانتخاب علي عبداللطيف وهو من الجنوب وجبال النوبة _ كان ينادي بوحدة وادي النيل (وهو مدفون في القاهرة). عبدالفضيل ألماظ شهيد ثورة 1924 لم يكن من القبائل ذات الأصول العربية، وهنالك نصب تذكاري لموقع استشهاده (بالقرب من كلية الهندسة_ جامعة الخرطوم).
ليس صحيحاً على الإطلاق ما أورده الكاتب الفاضل من أن النخب الشمالية لم تعترف بالتعددية أو البعد الأفريقي. لقد حدث ذلك صراحةً في مؤتمر المائدة المستديرة 1965 الذي ذكره الكاتب مبتوراً وفي اتفاقية اديس ابابا 1972.
حدث ايضاً في اتفاقية السلام الشامل 2005 التي أتت بمسيحي جنوبي نائباً أول للرئيس البشير، وفي اتفاقية أبوجا 2006 وأخيراً في وثيقة سلام دارفور (الدوحة 2011) التي سلمت الحكم في كل ولايات دارفور لأبنائها وصار أحدهم رئيساً للسلطة الإقليمية (و آخر نائباً للرئيس).
يعرف د. الشفيع خضر ( ما نعلمه كلنا لكننا لا نكتبه) أن الثقافة الشعبية السودانية بها عنصرية مضادة كريهة ضد اللون الأبيض إذ تصف اصحاب البشرة غير السمراء بالبخل والجبن (يتحدث المثل عن: الحمرة الاباها المهدي) الأمر الذي يدفع بعضهم إلى مصاهرة تقي ذريتهم شر التفرقة وتكسبهم اللون الأفريقي المقبول.
ولعل أكثر ما يبين اعتزاز السودانيين بلونهم ما يرد في الآداب والفنون. صحيح أن جيلنا نشأ وهو يردد النشيد المدرسي:
أمة أصلها للعرب
دينها خير دين يحب
أما جماعة « الغابة والصحراء» الشعرية ومن أبرز ممثليها محمد عبد الحي ومحمد المكي ابراهيم فإسمها يدل على إعتراف بإزدواج مكونات الهوية. نجد في الأغاني الشعبية عند كبار المطربين – أغنية خداري (عن اللون الاخضر- الاسود) لحسن عطية واغنية اسمراني لمحمد وردي واغنية أنا افريقي أنا سوداني لإبراهيم الكاشف. وليس خافياً أن اشهر مقدم ومروج لأغاني «الحقيبة» المبارك ابراهيم من جبال النوبة.
وقد إكتشفنا (حينما اشرفت على تسجيل مذكرات رواد الموسيقى السودانية للأرشيف في المعهد العالي للموسيقى والمسرح أن جذور معظمهم افريقية صرفة تركت اثرها في الموسيقى العسكرية وغيرها).
أذكر ايضاً في هذا السياق مسرحيتي The Reth التي استندت على شعائر ومراسم تنصيب حاكم الشلك في جنوب السودان. عرضت في الجامعة والمسرح القومي والتلفزيون وسجلها وبثها التلفزيون الألماني. كان ذلك عام 1976 قبل سبع سنوات من تأسيس د. جون قرنق للحركة الشعبية لتحرير السودان التي ادعت كما ادعى د. الشفيع خضر أن النخب الشمالية لا تهتم بالبعد الافريقي في السودان.
أما انفصال الجنوب فلعل الكاتب الفاضل لم يطالع ما نشر في الغرب حول الجهات التي «هندست» الانفصال وسعت اليه خلال عشرات السنين.لا ينفي ذلك أن الكثير من الأخطاء اقترفت وربما ساعدت ما كان يدبر _ لكن تبرئة الأصابع الحقيقية التي ساعدت للانفصال وتباهت بذلك عند حدوثه، ثم القاء اللائمة حصرياً على النخب الشمالية أمر لا صلة له بالإنصاف أو الدقة.
السودان جسر حقيقي بين العرب وأفريقيا وهو يحتضن الآن بأريحية لاجئين ونازحين من الدول المجاورة بما فيها دولة الجنوب الوليدة التي اختار مواطنوها الانفصال ثم عاد بعضهم إلى الدولة الأم لاجئاً فلم يجد الا الترحيب والعناية في احضانها.
صحيح أن بعض الأخوة الأفارقة يكرر المعلومات السامة عن موقف السودان استناداً على الدعاية التي نشرت إبان الحربين الأهليتين. ونحن نعلم الآن أن تلك الدعاية كانت تطبع في الشرق الأوسط وتوزع في شرقي أفريقيا بغرض تشجيع الأقليات لتفتيت وحدة السودان في سياق مخطط الاستفراد بالشعب الفلسطيني ( كما أوضح الإسرائيلي يوسي الفر في كتابه «الهامش» ( بالانكليزية). يكرر د. الشفيع خضر تلك الدعاية ويوظفها في محاولة العودة إلى المشهد السياسي بمدخل جانبي ( نفاج) فيدعي أن السودان لم يعد جسراً بين العرب وأفريقيا وأن النخب الشمالية وحدها هي المسؤولة عن ذلك. ويحق لنا أن نسأل:
هل هذه خطى عائد للمشهد السياسي أم مؤشرات ابتعاد مقلق عن التيار الوطني السوداني العريض؟
الملحق الإعلامي في سفارة السودان في لندن