السودان: ليلة الحصول على الاستقلال

في مثل هذه الأيام من عام 1955 كان السياسيون السودانيون الأوائل قد أعلنوا استقلال البلاد من داخل البرلمان، الأمر الذي شكل بداية عهد جديد،عهد الاستقلال.
إلا أن اليوم الوطني السوداني الرسمي سيكون، لسبب ما، هو الأول من يناير عام 1956 وفي الواقع فإن هذه النقطة المتعلقة بأسباب اختيار هذا اليوم ليست هي السؤال الأكثر تشويقاً هنا، بل إن هناك أسئلة أهم بكثير ومفارقات يجدر بقرّاء التاريخ ألا يتجاوزوها دون تدبر. أولى هذه المفارقات هي أن البرلمان السوداني الذي نشأ وترعرع في ظل الاحتلال، الذي رعاه و»كوّن» برلمانييه كان هو الذي دق المسمار الأخير في نعش ذلك الاحتلال. المفارقة الثانية هي أن سلطة الاحتلال تقبلت الموضوع بصدر رحب وكأنها تقول باحترام لممثلي الشعب أنكم لو صوتم فعلاً ضد بقائنا فسوف نرحل. هل جرى الأمر فعلاً على هذا النحو من البساطة؟ وهل كان الجيل الأول من السياسيين السودانيين بارعين لهذه الدرجة في فن التفاوض، لدرجة إقناع المستعمر برغبة الجماهير؟ وأيضاً، هل كان المحتل في ذلك الوقت، أو في أي وقت آخر، ديمقراطياً ومنفتحاً بحيث لا يقبل البقاء ضمن جو رافض له؟
لا يحتاج المرء لكثير من التفكير حتى يتوصل إلى نتيجة مفادها أن قراءة ذلك الحدث بهذه البساطة أمر يفارق قواعد العقل والمنطق، وإذا وصلنا إلى هذه النتيجة فإن علينا أن ننتقل للبحث بجدية أكثر عن خفايا تلك الأيام وتفاصيل تلك النقاشات والتفاهمات، التي سبقت إعلان استقلال السودان. إن استراتيجية بريطانيا كانت تعتمد على نقطة وحيدة وأساسية وهي الوقوف ضد وحدة مصر والسودان وأن يتم فصل مصر عن جنوب واديها عبر تشجيع البرلمانيين على المطالبة بالاستقلال، وأن يتم ذلك بمعزل عن مصر، أي أن يكون «السودان للسودانيين» باعتبار أن مصر كانت شريكة أيضاً لبريطانيا، ولو على مستوى نظري، في حكم البلاد.
لقد تأخر استقلال السودان لبعض الوقت، ولم يكن ذلك بسبب رغبة بريطانيا في الاحتفاظ به بقدر ما كان بسبب رغبتها في تشكيل ذلك الاتجاه الوطني القوي الذي سوف يطالب بحق تقرير المصير، ما يعني بالضرورة الاستقلال عن مصر. وقد سنحت فعلاً الفرصة حينما بدأ تيار الاتحاد مع مصر في الاقتناع بأن الاستقلال والاكتفاء بعلاقة جيدة مع مصر قد يكون أنسب من الاتحاد ضمن دولة واحدة، وقد ساعدت الطريقة التي حكم بها جمال عبد الناصر مصر في ترسّخ هذه القناعة عند صناع القرار، بل عند عموم الشعب السوداني، الذي كان كغيره من الشعوب العربية في ذلك الحين معجباً بعبارات عبد الناصر الحماسية ورؤاه القومية، لكن رافضاً في الوقت ذاته لديكتاتوريته وتسلطه. يقول البريطانيون إن استقلال السودان تم دون نقطة دم واحدة، وكما قلنا فإن هذا لم يكن نتيجة للبراعة الدبلوماسية التي تمتع بها ذلك الجيل من «المناضلين ضد الاحتلال»، بل للتفاهمات التي أدت لخروج بريطانيا، والتي كان من أهمها تشكيل واقع سياسي جديد لكنه قديم من حيث احتفاظ العائلتين الدينيتين المهمتين بمكانتهما المميزة وسيطرتهما على الحياة السياسية بعد الاستقلال.
أما علاقة الشعب السوداني بالإنكليز فقد كانت علاقة غريبة جداً وأبعد ما تكون عن العلاقة المعتادة بين المواطنين الأصليين والقوة المستعمرة، فعلى مدى كل عقود الاحتلال التي امتدت لأكثر من نصف قرن لم تنشأ سوى حركات قليلة ومعزولة لمواجهته ومقاومته. وبالنسبة للغالب من أهل السودان فإن المستعمر لم يكن على ذاك النحو من السوء، وقد استمع كثير من السودانيين إلى آبائهم الذين عاصروا تلك الفترة وهم يحكون عن تجرد الانكليز وإخلاصهم في خدمة السودان وتفانيهم من أجل تطوير البلاد، ووضع أسس الخدمة المدنية وإقرار مبادئ الشفافية وهو الرأي العام الذي يكرره الناس في أحاديثهم حتى يومنا هذا، خاصة حين يقارنون كل ذلك بما حدث عشية الاستقلال من فساد وإفساد وتقلبات سياسية، حتى أن البعض يقول جاداً لا هازلاً إن التسرع بإخراج الإنكليز كان حماقة كبرى، بل إنه وقبل أيام فقط تقدم أكاديمي سوداني كبير وأحد أهم المتخصصين في الشؤون الأفريقية بتصريح صادم مجّد فيه الحاكم الانكليزي كتشنر الذي كان بحسب عباراته «أقرب لروح الدين الإسلامي».
وبغض النظر عن دوافع هذه النظرة وهذه القراءة الغريبة للتاريخ، فإن هناك عدة أسباب موضوعية يمكن تتبعها من أجل فهم سر ذلك «التعايش السلمي» بين الطرفين، أهمها ربما يعود لطبيعة التدين السوداني، حيث كانت الحركات الجهادية والفدائية هي التي تقض في الغالب مضاجع المحتلين، أما في السودان فإن التدين القائم على روح التصوف، الذي يبدو أبعد ما يكون عن الانخراط الجاد في المسألة السياسية كان هو السائد في عموم البلاد. وبعد تفكيك الحركة المهدية الجهادية بعد هزيمتها أمام الجيش الغازي، ثم لاحقاً احتواء أسرة المهدي وتقريبها ومنح أبنائها مكانة مميزة، بهذا كله سوف يكون قد تم القضاء على المهدد الأهم للمحتل، وسوف يتم «تحييد» الحركة التي كانت قادرة على حشد وتجميع الآلاف من المناصرين المستعدين للمبايعة على الموت. طبعاً سوف يغير «المهدويين» خاصة تحت قيادة الزعيم الشاب الصادق المهدي «المنفستو» الأصلي لحركة جدهم، لينتقلوا من مشروع الجهاد والفتوحات والسعي لإقامة الشريعة وحكم الإسلام، إلى موقع جديد وهي النقلة التي ستحولهم مع مرور الأيام لحركة سياسية ليبرالية التوجه، لكنها مستفيدة في الوقت ذاته من ميراثها وخلفيتها الدينية.
لكن اقتراب الحاكم البريطاني من آل المهدي لم يكن السبب فيه هو تحول الحزب الذي أنشأته الأسرة وأنصارها إلى الانفتاح والاعتدال، بل إلى ميل ذلك الحزب ذي الشعبية الواسعة في ذلك الحين إلى خيار الاستقلال، ليس فقط عن بريطانيا، بل عن مصر أيضاً. هذه النقطة تفسّر أكثر من غيرها طبيعة العلاقة بين الطرفين. في الوقت ذاته كان الانكليز يعملون على التقرب من المتصوفة الذين كان لهم أيضاً ثقل كبير لا يمكن تجاوزه، وقد نجح المستعمر في إيصال رسالة لهم مفادها أنهم لا يضمرون لهم ولا لدينهم شراً، بل على العكس، أنهم مستعدون لدعمهم وتوفير احتياجاتهم من أجل ألا تتوقف الموالد والاحتفالات الدينية وحلقات الذكر.
ولا شك في أن المكانة التي حصلت عليها أسرة «الختم» الصوفية، التي ستخولها لرعاية الحزب السياسي المهم في فترة الاستقلال وما بعده، لا شك أن المستعمر لعب دوراً مهماً في حصولها، بل في حصول الأسرة إضافة لذلك على مزايا اقتصادية ستقوي من وزنها في عالمي الاقتصاد والسياسة معاً.
الخلاصة هي أن المستعمر استطاع أن يهندس مستقبل الوطن الجديد بشكل ذكي بين حزبين كبيرين، ينحصر هدفهما في الخدمة العائلية والاحتفاظ بالمكانة المكتسبة عبر التاريخ، وعدد من المثقفين والأكاديميين الجدد الذين، مهما كانت ثقافتهم ومبلغهم من العلم، فإنهم لن يستطيعوا في الغالب أن يخلقوا لأنفسهم طريقاً ثالثة وسيكونون مجبرين على الانحياز إلى أحد الحزبين الكبيرين. من النقاط التي يمكن أن نلاحظها أيضاً هي عدم وجود أي دور بارز للجنوبيين في معركة الاستقلال، وتسمية المعركة هنا مجازية بالطبع. صحيح أن أغلب السودانيين كانوا مهمشين وغير مشاركين بشكل فعلي في تلك المناقشات الدائرة، التي كانت تحدد مصيرهم، إلا أن انعدام وجود حركة معبرة عن الرأي الجنوبي هو أمر لا يمكن تمريره دون تعليق.
الحقيقة هي أن ذلك كان أحد أعراض «العزلة الشعورية» التي ستنشأ بين شطري السودان، والتي ستؤدي بعد نصف قرن من الاستقلال لانفصال الجنوب. لقد كان الجنوب متأخراً عن الأقاليم الشمالية في التعليم، وهو ما سيجعل كوادره التي ستنافس على حكم البلاد وعلى تسلّم الإدارات أقل، لكن ذلك لم ينتج بسبب الشماليين، بل بسبب المستعمر الذي منع الجنوب من التعليم والتنمية وفصله نفسياً عن الشمال بقانون «المناطق المقفولة» وغيرها من الاجراءات. إذا اتفقنا على أن هدف بريطانيا الرئيس لم يكن منع أو تأخير استقلال السودان بل منع توحد وادي النيل، فإن بإمكاننا استنتاج أنه كان للمستعمر عبر إجراءاته التي كان يقوم بها بهدوء ودون ضجة هدفان: أولهما قريب ومباشر وهو فصل السودان عن مصر وثانيهما بعيد المدى وهو المتمثل في الفصل اللاحق لجنوب السودان عن السودان.
كاتب سوداني

السودان: ليلة الحصول على الاستقلال

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية