أعيش في بلجيكا، ونصفي الأفضل في البيت «زوجتي».. سورية ونصف مجرية، مما يعني أن الموضوع السوري بأزماته العنقودية المتفرعة عنوان رئيسي في تفاصيل حياتي اليومية، وحين تصبح المجر جزءا من الخبر السوري، فإن متابعة الفضائيات الهنغارية تصبح قيمة إضافية ثرية مع الفضائيات العربية، ناهيك عن المحطات البلجيكية المحلية.
بصدق، وكمتابع مهتم فإنني أكتشف حجم التباين والتفاوت في معالجة الأخبار ومن زوايا مختلفة جدا بين محطات بلغات وجنسيات مختلفة!! لكن تبقى الأخبار العربية بمحطاتها «ذات الأجندات» من أكثرها غرابة في اعتماد المصادر وأكثرها مفارقة كذلك!
وبينما كانت السياسة سيدة الموقف في التجاذبات الإعلامية الغربية وبوضوح، من خلال تصيد إعلامي لهفوات المجر بتعاملها في أزمة اللاجئين، وهذا الدفق الضخم من آلاف المهاجرين إليها عبر حدود تم فتحها فجأة من الجهة الأخرى، كان الإعلام المجري بأضعف حالاته المهنية على المستوى الدولي، ويعمل بنشاط وقوة في مجاله المحلي الحيوي، فلم يعتقد بوجود جمهور غير جمهوره المجري، بدون أن يبذل أدنى جهد بالتوجه إلى العالم الذي حول كل تلسكوباته إلى بودابست وضواحيها!!
الفضائيات المجرية، والتي تابعتها بترجمة مباشرة أحيانا من جانب نصفي الأفضل، أو بترجمة مع شرح من ضيفي القادم حينها من بودابست السوري – المجري الدكتور بسام عيد، كانت مهتمة بتبرير سياسات رئيس وزرائها أمام المواطنين المجريين ببرامج حوارية وضيوف سياسيين وكان الضيف الدائم هو الناطق باسم الحكومة زولتان كوفاتش، والذي يحمل شهادات أكاديمية كثيرة في التاريخ والعلاقات الدولية، لكنه أخفق في أدنى متطلبات التواصل مع الإعلام الدولي!!
الفضائيات الغربية والتي يهمها أن تمرر بذكاء شديد أجندات بالغة الذكاء أيضا، كانت تركز على ترسيخ فكرتين وبأسرع وقت، أولهما قساوة المجريين وشراسة باقي أوروبا الشرقية مقابل فكرة الإنسانية التي تميز أوروبا الغربية كقيمة أخلاقية، وخصوصا ألمانيا والسيدة ميركل، التي وصلت إلى مستوى الأم تيريزا لدى البعض بإنسانيتها مع أنها هي نفسها ميركل التي عنفت فتاة سورية في ألمانيا قبل شهور قليلة، وقد طلبت اللجوء منها مباشرة!!
الفضائيات العربية.. وهي التي يجب أن يكون السوري – كإنسان عربي أولا- أولويتها الأولى، دخلت معركة الخصومة الأوروبية، لكن المفاجأة أن كثيرا من نشرات الأخبار العربية كان مصدرها غرف وسائل التواصل الإجتماعي، وكانت صفحات الـ «فيسبوك» القاعدة الأساس لغرف التحرير.. لتسقط المهنية على مذبح الجهل والغفلة والاستغفال، بحيث لم تتردد بعض نشرات الفضاء العربي من استخدام صور وفيديوهات منتشرة على الـ «فيسبوك» كأخبار معتمدة لديها، دون التحقق أو تتبع المصدر، لتكمل هي إحكام الفخ على من يفكر بالهجرة فيهاجر من فوره إلى حيث العمة الحنونة ميركل، والتي قررت فجأة وبعد الشعور بتخمة ما بعد ابتلاع المهاجرين الجدد أن الوقت حان لإغلاق الحدود، لننتهي بعشرات الآلاف اليوم عالقين بين صربيا والمجر، وألمانيا نفسها بقيادة الأم ميركل تطالب بتنفيذ قوانين الهجرة الصارمة من جديد.
الإعلام.. بكل جنسياته، ولغاته كان متواطئا بالجريمة.. وما ارتكبته الصحافية المجرية بحقارة ووساخة حين عرقلت لاجئا أمام الحدود، نقطة في بحر ما ارتكبه الإعلام العالمي والعربي بالتحريض والدفع باتجاه مواسم الهجرة نحو أرض الأحلام!
لقد صاغ الإعلام العربي والغربي بالتضليل، الأوهام.. أوطانا لليائسين.
حالة شيزوفرينيا عربية بامتياز
«المجتمع العربي لديه مشكلة كبيرة، أنهم يريدون الكون يمثلهم ويريدون أن يكون دينك هو دينهم وتفكيرك تفكيرهم، وإلا اتهموك بالكفر والتخلف، وأنا لا أنتمي إلى سياسة القطيع، وأحب أن أمثل نفسي وأعيش كما أنا».
هذا غيض من فيض ما تحدثت به فنانة كويتية على برنامج «العاشرة مساء»، الذي يقدمه الإعلامي المصري وائل الأبراشي.
بصراحة لا أعرف شمس كمطربة، وهذه مشكلتي أنا لأني لم أسمع لها حتى الآن، لكني أعرف عنها من خلال أخبار المناكفات مع المفكرة القومية الأممية الكبيرة سيدة دجاج الكنتاكي أحلام.
طبعا شمس لم تفوت فرصة قصف جبهة أحلام في برنامج جماهيري واسع الإنتشار، وربما أعجبني هذه المرة أنها وسعت نطاق الجبهة بشجاعة حين قصفت جمهور أحلام نفسه، وهو جمهور «تويتري» كبير وضخم، حين نصحت أحلام بالتوجه لطبيب نفسي وأنها «.. تمثل شريحة لا يستهان بها في الشرق الأوسط من الذين لا بد أن يذهبوا إلى مستشفى أمراض عقلية»!.
أتفق مع شمس بذلك، مع إشفاقي على الطبيب النفسي والذي قد يحتاج بدوره إلى طبيب نفسي وهكذا دواليك لننتهي بمتلازمة عصبية لا علاج لها اسمها «متلازمة أحلام»!
لكن، شمس، وفي حديثها عن موضوع الجنسية الأجنبية وخياراتها بذلك، عكست ما يخشى الكثيرون البوح به، وتحدثت بجرأة يفتقدها معظم الفنانين والنجوم العرب، والذين يفضلون إعادة تكرار اسطوانة النفاق الوطني المتعلقة بحب الوطن وأغلبهم لا يعرف من مساحة الوطن أكثر من المسرح الذي يغني عليه، ومدرج طائرته التي تقله، حيث أوطان حساباتهم المالية.
حديث الكويتية الفخورة بأصلها الكويتي، شمس، عميق في ما يخص ازدواجية الذهنية المجتمعية، ومصارحتها لذاتها وللناس أنها تجنست للبحث عن فضاء حرية أكبر، تقريع لحالة الشيزوفرينيا التي نعيشها في عالمنا المحشور بين المحيط ما غيره والخليج إياه.
كاتب أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة