السوري عدنان العودة: علمتني دمشق أن أطيل أظافري

حجم الخط
0

حوار: مصعب النميري
خلف أسراب البط الأسود البادي من بين شتائل الزلّ على نهر الفرات، القوارب كانت نائمة على ضفة طينيّة قرب بيوت دافئة في ليل البادية البارد، وكان ثمة نساءٌ يتحدثن عن أزواجهنّ على ضوء النار، إحداهنّ قالت: «خلفت عشرين بطن منو وما اريده». الثانية دندنت: «غابت علي الشمس.. وغطاي هبريتي..يا خاينين العهد.. وآني على نيتي». هذا كان في فيلم «كلام حريم»، الذي أعده عدنان العودة، ابن وردي العودة ووضحة الجلد.
يقول عدنان إن الفيلم لم يستلزم منهما كثيراً من التحضير (هو والمخرج سامر البرقاوي)، «كنا قد ذهبنا بخطة إلى زور شمّر، وهي أن نشفق على هؤلاء النساء، وأن نثير تعاطف الكون معهن، وبعد أن أنجزنا الفيلم، وجدت أننا نحن من نحتاج إلى الشفقة».
كان هذا أيضاً قبل حوالي 10 أعوام، حين كانت المرأة تذهب إلى السوق وتحلب الغنم وتعلف القطيع وتحصد الزرع، ملثمة الوجه لا من عيون الناس بل من سحب الغبار التي أثارتها البيادر، والتي انقشعت عن راياتٍ سوداءَ وجيادٍ تحمل الغرباء من أقاصي الخرائط. حيث كان الظلم شيئاً فصار أشياء، واستبدلت النساء «كلابياتها» بالدرع الأسود خافيةّ كحل العينين عن العيون، وأغلقت المدينة أبوابها في وجه العالم، وسيق الشباب إلى المذبحة. وما كان ليلاً بارداً صار جحيماً على أهل الفرات وفتيات شمّر.

■ حدثنا عن الرقة التي تتذكرها، قبل أن يراق بها فنجان الدم، عن وردي ووضحة وأيام الطفولة.
□ أبي وردي العودة كان فصيحاً وعنيفاً معاً، كنت أتجنبه كثيراً لكثرة صراخه، حباله الصوتية كانت أشبه بمشنقة لي. حين أصبحت رجلاً، مرض أبي، واضطررت أن أحمل حنجرتة المتليّفة بالسرطان، بكيس نايلون، من مشفى في منطقة الروضة بدمشق، إلى مخبر للتحاليل الطبية في ساحة الشهبندر.. كان المشهد تراجيدياً. أمي وضحة الجلد، امرأة بلا أظافر، ولك أن تتخيل تكوين قدميها الجميلتين. إنها عشتار حيّة، عشتار بإثنتي عشرة حلمة، لقد أرضعت معظم ابناء القرية. وفي القرية، لي عشرة أشقاء من أمي وأبي، وألف أخ بالرضاعة.
■ ما هي أكثر القصص درامية في ذاكرتك؟
□ كان لدي علة وأنا صغير، شعري الذي يطول سريعاً، كان الجميع يحلقه خوفاً من القمل والصئبان، إلا أمينة ابنة خالتي، كانت تحبه وتمشطه دوماً. أمينة غرقت في الفرات، وهي تحاول أن تأتي بالدلو الذي سقط في الماء، جاؤوا بفريق خبير لإنقاذ الغرقى من النهر، وبعد ثلاثة أيام من البحث، انتشلوا جثتها الصغيرة من القاع. منعوني وباقي الصغار أن نراها وهم يشيعونها إلى المقبرة. أنا أستطعت أن أراها، كان السمك قد نهش وجهها الطري.
■ أنت ذهبت من الرقة إلى الشام لدراسة المسرح، ولك قصائد باللهجة الشامية (البيضاء) كما يقولون، هل شذبت الشام أظافرك؟
□ الفرات الذي يمر في سوريا من جرابلس إلى البوكمال، يقسمها إلى قسمين: جزيرة وشاميّة، ما يعني أنه قسم حياتي أنا أيضاً إلى جزراوي وشامي معا. حين ذهبت إلى الشام لإكمال دراستي، كنت قد تركت أخواتي وبنات عمّي يجمعن محصول الذرة، وقد بكين كثيراً حين غادرت، أنا كذلك، كنّا نعرف أن هذا آخر عهد لي بالفرات، كحياة يومية. في الشام سكنت في حي القابون أولاً، في غرفة أرضيتها مائلة، لذا كل صباح كنت أجد أني تقلبت في نومي وتدحرجت، إلى أن أصبحت خارج الغرفة ذات الباب المخلوع. وقتها كنت فقيراً جداً، بل معدماً، وهذا ما أتاح لي فرصة النوم في حدائق دمشق، ومعرفة حاراتها وطرقاتها شبراً شبراً. مرة نمت في مبنى المعهد العالي للفنون المسرحية، وافتضح أمري، فقرر عميد المعهد صلحي الوادي، وقتها فصلي، إلا أن آساتذة آخرين تدخلوا لصالحي فرجع عن قراره. ما أريد أن أقوله، إن الشام لم تشّذب لي أظافري، بل على العكس، علمتني أن تكون لدي أظافر على عكس أمي.
■ مسرحيتك، «خيل تايهة»، نالت جائزة الشارقة كأفضل عمل مسرحي في 2015، وعُرضت في فلسطين، هل عرضها في فلسطين يجعلها أكثر قرباً لك من سواها؟
□ أستطيع القول إنني أكتب نصوصاً مسرحية سورية محلية جداً، بل مغرقة بالمحلّية على صعيد البيئة والشخصيات والفضاء والمفردات، ومسرحيتي «خيل تايهة» من هذه النصوص. ولكن الأقدار شاءت، أن يختارها فريق مسرح نعم في فلسطين، وأن يقدمها للجمهور الفلسطيني والعربي، لتحصل آخيراً على جائزة الشيخ سلطان القاسمي كأفضل عرض مسرحي عربي في الدورة 2015، وهذا ما أسعدني كثيراً، إلاّ أن هنالك سرّاً بين المسرحية وفلسطين، وهو محمد القدسي (إحدى شخصيات المسرحية)، المبصر الذي كان أعمى، وحين فقد بصره أبصر، وهو الذي علّم خيل (بطلة المسرحية) معنى الحياة. إنه الأستاذ الفلسطيني الذي علّمني في قريتي عندما كنت صغيراً، وقد كان أن كتبت هذه المسرحية وحققت ذلك النجاح، لقد كان هذا بالنسبة لي نوعا من ردّ الجميل له.
■ لوحظ أنك في المكان الذي تحل فيه، تحاول أن تجمع أكبر قدر من الناس، السوريين تحديداً، بمناسبة وبدون مناسبة، في سوريا ولبنان ودبي وتركيا، أين سيتنتهي بك الترحال في مقبل الأيام؟ وهل الرواق الذي أسستموه في دبي هو محاولة لتجميع شظايا الإناء المحطم؟
□ غادرت الفرات سابقاً إلى الشام، ومن الشام إلى دبي، ومن دبي لا أدري إلى أين. أنا بدوي بذاكرتي، وبطبعي، وأسلافي كانوا لا يقيمون في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام لينتقلوا إلى مكان آخر. والبدوي لا علاقة له بالمكان، فالمكان في الصحراء هو اللا ثابت، ولذا يتعاملون معه دائماً كطللٍ زائل، أي كمقدمة لمعلّقة. المكان بالنسبة للبدوي هو سرج راحلته، ومظلّته قصيدته، وما دمت على سفرٍ، كان لا بد لي من مظلّة شعر، فكان مشروع الرواق الذي أقمته في دبي مع مجموعة من الأصدقاء للاحتفال بالشعر كحدث أسبوعي، إنه مكان أكثر من أليف، وأكبر من أن يوصف بحديث صحافي.. عليك أن تدخله وتعيش طقسه لتفهم ما أقصد، ذلك أنه يُعاش ولا يحكى عنه. يوماً ما قد نغادر دبي، كما غادرنا دمشق. حينها سننسى البيوت التي سكنّاها، الشوارع التي مررنا بها، أو حتى أين أقمنا الرواق. شيءٌ وحيد سيبقى في ذاكرتنا: القصائد التي قلناها.

هامش:
عدنان العودة شاعر وكاتب مسرحي ودرامي سوري، من أعماله : مسلسل «فنجان الدم» إخراج الليث حجو، مسلسل «أبواب الغيم» إخراج حاتم علي، مسلسل «توق» شوقي الماجري، مسلسل «يا مال الشام» باسل الخطيب. ومسرحية «زبيب»، و»المرود والمحكلة»، و»خيل تايهة»، بالإضافة لديواني شعر محكي.

من قصائده:
إذا بدّك روح/ بس اتركْلي ظِلّكْ/ أرخي عليه الرّوح/ تْخلَص ولا قُلّكْ/ جافيت نوم الورد/ لخاطر صحو فُلّكْ/ وسَيّبت قلبي نهر/ تمرني ولا بٍلّكْ/ ريتك تصيرن شيب/ وبسكوت آنا سِلّكْ/ وريتك تصيرن درب/ وعالمشي آنا مِلّكْ/ لكنّك انتَ يا حلو/ خِلّي وانا خِلّكْ/ لا الله يرضاها والخلق/ تذلني وانا جِلّكْ/ دلني عليك الحزن/ منهو علي دَلّكْ/ يالعِشَق منّي حرف/ آنا اعشقك كًلّكْ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية