السوري فراس سليمان يقنّع سيرته في «نهايات معطلة»

حجم الخط
0

قد تبدو المجموعة الأخيرة للشاعر فراس سليمان «نهايات معطلة» (منشورات «المتوسط»، إيطاليا، 2015)، كتاباً في الحكمة. لكنه في قراءة أخرى، كتابٌ يحدّد فيه الشاعر بوضوح موقفه من العالم. موقف يمكن أن نستشفّ مضامينه الفكرية، والفلسفية من العنوان. كتابٌ مقنَّع لسيرة ذاتية. في «نهايات معطّلة»، يراقب الشاعر العالم إلى نهايات، توصل في غالب الأحيان إلى جدران مسدودة. وعن هذا الارتطام، تولد النصوص التي تمتد على 87 صفحة، وقسمين رئيسيَيْن: «خيمة بثقوب كثيرة»، و»يوميات رجل قبو».
في العناوين الفرعية إذاً، تموضع مكاني، نذير لزاوية النظر التي ستحكم اتجاه الكتابة. لا يمكن رؤية الأشياء من خيمة (مهما كثرت فيها الثقوب)، أو من قبو، إلّا بعين متلصلصة، تستدعي ريبة ما، ورغبة في الحفاظ على مسافة ما من العالم. مع ما يمكن أن يُرافق تموضعاً كهذا، من إحساس باللاانتماء، تُغلِّفه طبقة من الشعور بالرفعة.
في القسم الأول من المجموعة («خيمة بثقوب كثيرة»)، يُسكِن الشاعر في خيمته بشراً ومدناً وبلاداً، ويحوّلهم بطريقته إلى ناطقي حِكَم ، أو إلى شعراء جوّالين. ثقوب تتسلّل منها الأصوات العديدة التي بتلبّسُها السارد/الشاعر. يختار سليمان هنا شخصيات عديدة لتقول ما يريد هو قوله، أو ما لا يريد قوله باسمه الصريح. تعدّد الأقنعة التي يختبئ خلفها الشاعر تستدعي تفسيراً كهذا. في بداية القسم الأول هذا (وبداية المجموعة أيضاً) نقرأ: «الزهور التي جلبها زوجي أمس/ لها رائحة رقّة ما بعد الخيانة. (زوجة من سويسرا)». لكن ذكاء المجموعة، ومن خلفها ذكاء الكتابة يكمن هنا. فلعبة الأقنعة لدى فراس سليمان مُقنِعة جداً، ومتكاملة جمالياً إلى أبعد الحدود. لعبة يمارسها الشاعر بإتقان. هويّة الشخصيات التي تُذيّل النصوص جزء أساسي من شعريتها. لا نتكلم هنا على إتقان المفارقة فقط، بل الإتقان في طرح رؤية للعالم، إلى درجة يمكن أن تضطرّنا إلى إعادة التفكير في نظرتنا، نحن القراء، لهذا العالم.
يجوب الشاعر العالم، وهو يحمل خيمته المثقوبة. ويختار فراس سليمان لرحلته هذه أناساً مهمّشين، مكتئبين، منكسرين، مليئين بالشك، أو مهزومين، وفي أفضل الأحوال لامنتمين. ليسوا من الذين يمكن أن نقرأ عنهم في الكتب، أو نجد صورهم منشورة في الصحف. هذا كتاب هامشيين. الهامشيين ظاهراً، لكنْ، الذين تعتمل الحياة والبطولة الحقيقيَيْن في وجودهم. هذا كتاب مضاد للمتن. نقرأ: «لا يروقني المتن.. وأعرف أنه حتى الهامش لا يتسع لي،/ لذلك أتكوّر على نفسي في عتمة المخيلة محاولاً الاستمتاع أنه لا شيء ينعكس من شيء/ أو أن كل الأشياء تنعكس من بعضها من دون طائل. (لامنتمٍ)».
تبدو رحلة سليمان الصدامية، رحلة بحث عن هوية. لكن المثير فيها، أنه لم يعد مهتماً كثيراً بالعثور على هذه الهوية. نقرأ: «الهوية خيمة خربة بثقوب واسعة، وأنت تحتها، حاول أن تستمتع بالشمس. (فوضوي من الدانمارك)». ومن أجل الحفاظ على المسافة التي يبتغيها الشاعر، بينه وبين العالم، اختار لكتابته أسلوباً يُناسب تماماً هذا الغرض. الكتابة في «نهايات معطّلة»، لا تحاول أن تمدّ ذراعيْها لتخترقنا بصورها الشعرية، بل هي كتابة تحاول أن تدير رؤوسنا صوب وجهة محدّدة. لا تبدو الصور في هذه الكتابة راغبة في توحيدنا مع الطبيعة، بقدر ما تسعى إلى جعلنا نتأمل بيتاً مليئاً بأثاث متنافر ومدهش في الوقت نفسه. يُقسّم فراس سليمان العالم إلى غرف كثيرة من الصور الشعرية، ويدعونا إلى التفرّج. غرف متجاورة تضيئها مجموعة من التشبيهات اللامعة بقوة الخيال الذي يصنعها. الصور الشعرية هنا ليست عمودية، بل ممتدة أفقياً. لا تبدو أنها مهتمة كثيراً بهزّ الأوتار الداخلية لقلب القارئ، بل تبدو مهتمة أكثر بالعبث بكيمياء رأسه. كتابة وُلِدتْ من تزاوج شعور بالعبث الوجودي، مع شعور مقابل بالغثيان. في المقطع الأخير من القسم الأول، نقرأ: «وأنت تتفافز داخل القطيع كي تُرى. هل عليّ تذكيرك أنك واحد من القطيع. (رجل يتفرّج على العالم)».
٭ ٭ ٭
في القسم الثاني من الكتاب «يوميات رجل قبو»، ينتقل فراس من النظر إلى الخارج، صوب تأمّل الداخل. هنا يتخلّى الشاعر عن أقنعته، ليواجهنا بضمير المتكلّم وحيداً. ضمير المتكلم الذي تسنح له ظروف المكان (القبو)، فسحةً للتأمل الأكثر هدوءاً. التأمل الذي يجد ملاذه الأخير في اللغة، والتي لا تعدم أهواء صوفية. اللغة التي تحاول أن تنقذ الشاعر من المصير العدمي. نقرأ: «المكان ذرة عظيمة ضائعة في الموسيقى،/ ما يريده السامع الحقيقي مصطبة على حافة الصوت، يطلّ منها على صمت مدهش». من التاريخ الذي يُذيّل نهاية قسمي الكتاب، نفهم أن الشاعر كان يكتب في القبو قبل أن ينتقل إلى الخيمة. كأن القبو كان محطة عابرة، وليس مصيراً نهائياً. محطة عابرة، لمسار، إذا حصل واكتمل، لانتهى ربما إلى مكان أكثر تصالحاً بالنسبة إلى الشاعر. فهذا الهاجس في المثابرة على (هجاء) العالم، قد يكون في تفسير سالب له، رغبة دفينة في إيجاد السلام النهائي معه.
هذه المجموعة محيط شعري من الأفكار. لم يردها الشاعر رحلة نهرية قصيرة. محيط قد يسهل على القارئ الضياع فيه. لكن في هذا المحيط، يستعرض سليمان مهاراته في تطويع اللغة، من أجل رسم مشهد شعري دقيق، تؤدي فيه الفكرة والأسلوب رقصة مشتركة أدبية، بلياقة وانسجام استثنائيَيْن. لا تخلو المجموعة من مرات ليست بالعديدة، يصبح فيها الشاعر/ السارد مهتماً جداً بإطلاعنا على فكرته، إلى درجة تجعله يدفعها إلى الصف الأمامي، على حساب الشكل. لكن، في الغالب، من الواضح أن الشاعر يعرف جيداً أهمية التوازن بين محتوى ما يريد قوله، وأهمية الطريقة في عرض قوله. الوعي النقدي هنا واضح وحاد. نقرأ: «للاستعارة الجيدة رائحة النعناع، للفكرة الجيدة رائحة الصدأ».
هذا كتاب يمجّد بطريقته النهايات المعطلّة. لكن يمجّدها، من أجل هدف واحد ووحيد ربما. من أجل تمجيد الكتابة واللغة.

٭ كاتب سوري

فادي سعد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية