بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب: على الرغم من انتقالات الشاعر والناقد الكردي لقمان محمود في بلدان كثيرة، غير أنه لا يستطيع العيش إلا في أرض كردية، فبعد أن هرب من سوريا على خلفية مضايقات عدّة من قبل نظامها، وانتقاله للعيش في ألمانيا وبعض الدول الأوروبية، غير أنه عاد من جديد ليعيش في مدينة السليمانية التي قدمها كسائح في بداية الأمر، لكنه عشق هذه المدينة وقرر التشبث فيها.
كانت لمحمود آراء مختلفة في الشعر والنقد، فهو يعمل عليهما معاً، وأصدر حتى الآن في الشعر: «أفراح حزينة 1990، خطوات تستنشق المسافة: عندما كانت لآدم أقدام 1996، دلشاستان 2001، القمر البعيد من حريتي 2012، ومجموعته التي صدرت مؤخراً «وسيلة لفهم المنافي». في حين اصدر في النقد: «إشراقات كردية: مقدمة للشعر في كردستان 2009، مراتب الجمال: قراءات في الشعر الكردي الحديث 2011، ترويض المصادفة 2011، شرارة الأناشيد القومية في الغناء الكردي 2012، تحولات النص الأدبي 2013، البهجة السرّية 2013، أسطورة شيركو بيكس الشعرية بين أغنية الوطن وصوت الحرية 2014».
عن الشعر الكردي وتحولاته الكثيرة، وتجربة لقمان محمود الشعرية والنقدية، كان لنا معه هذا الحوار:
■ من خلال اشتغالك على الشعر الكردي، إلى أي مدى تمكن هذا الشعر من الخروج بمفاهيمه الخاصة بعيداً عن تأثره بالشعرين العربي والفارسي؟
□ يختلف الشعر الكردي المكتوب في جنوب كردستان (كردستان العراق)، عن الشعر المكتوب في غرب كردستان (كردستان سوريا)، لأسباب عديدة منها اللهجة، والحروف (الأبجدية) المستعملة في الكتابة، والثقافة. مع ذلك هناك اقتراب في الجذور، مع ابتعاد في الفروع.
وبإمكاني توضيح هذه الفكرة من خلال دمج الشعر الكردي في كردستان العراق وكردستان إيران باللهجة الصورانية، والكتابة بالحروف العربية. وفي كردستان سوريا وكردستان تركيا باللهجة الكرمانجية، والكتابة بالحروف اللاتينية. الاقتراب والابتعاد خلقا تبايناً في الثقافة أيضاً، فالشعر المكتوب باللهجة الصورانية متأثرٌ إلى حد ما بالشعر الفارسي، عكس الشعر المكتوب باللهجة الكرمانجية، الذي لم يتأثر بالشعر العربي إلّا في العقدين الأخيرين.
فإذا ما عدنا إلى جذور الشعر الكردي بشكل عام، نجد أن هناك شعراً كردياً له مفاهيمه الخاصة، وثقافته الخاصة، بعيداً عن الشعرين العربي والفارسي. لكن قلّة الاشتغال على خصوصية الشعر الكردي، جعل من بعض المهتمين الاستناد إلى بعض المراجع الضعيفة، مما عكس حالة من الاتكال على ما هو مكرر. هذا الشعر بقديمه وحديثه بحاجة إلى قراءة جديدة غير مفتعلة، خاصة أن هذا الشعر مكتوب بعدّة لهجات، مما أعاق ردم الهوة بين الجنوب والغرب والشرق والشمال. فأمام شاعر كبير مثل أحمدي خاني (1650- 1706)، الذي كتب ملحمته الشعرية «مم وزين» باللهجة الكرمانجية، نجد أن هناك شاعراً كبيراً آخر وهو مولوي (1806- 1882)، كتب باللهجة الهورامية.
كان الجزيري ونالي مثالين كبيرين لسمو الشعر الكردي في مرحلتين متقاربتين، كذلك كان فائق بيكس وجكر خوين. وهنا أحب أن أضيف أن الشاعر أحمدي خاني كان قد سبق العرب والفرس في الوقوف على الحس القومي، إذ يعتبر أول شاعر دعا إلى إقامة دولة كردية مستقلة.
■ ما زال أغلب النقاد يرون في الأدب الكردي اتجاهين: الحرب والطبيعة، ما الذي يجعل من أدب ما أن يُعرف بموضوعين مقارنة بالموضوعات الإنسانية التي تشتغل بها الآداب الأخرى؟
□ برز الاتجاه القومي في الشعر الكردي في عهد أحمدي خاني (1650، 1706)، وترسخ على يدي حاجي قادر الكوي كمدرسة شعرية لها سماتها الخاصة بها. أما الاتجاه الرومانسي فكان على يد رائد الحداثة عبد الله كوران (1905- 1962)، شاعر الطبيعة بامتياز.
لم يقف الشعر عند هذه الاتجاهات، ففي عام 1970، أصدر نخبة من المبدعين الكرد، وفي مقدمتهم شيركو بيكس، بيان «روانكه» المرصد، الذي يعتبر أول بيان أدبي تجديدي كردي. إذ كان يهدف إلى رفع مستوى الأدب الكردي واللغة الكردية، وإلحاقهما بركب الحداثة الشعرية.
من هذا التقديم، أردت أن أقول إن «الحرب والطبيعة» اتجاهان متماثلان في فترة ما، رغم أن امتدادهما غطى ثلاثة عقود من الرومانسية الكردية، من دون أن يخترق جدار الطابع الغنائي الوجداني لهذا الشعر، الذي بقيَ أسيراً للتقاليد الشعرية المألوفة حتى الآن. لكن هذا الكلام لا ينفي أن هناك شعراء كباراً استطاعوا الكتابة بموضوعات إنسانية تجاوزت أسماء وقصائد عالمية. من هذا المنطلق، يأتي اسم شيركو بيكس كشاعر كوني.. حرّك الشعر الكردي من جذوره، وأعطاه مجالاً كبيراً للاحتكاك بالشعر العالمي، لغة وفكرة وخبرة. وقد نجح بيكس في البداية نجاحاً باهراً في الوسطين الكردي والعربي، وامتد نجاح نص هذا الشاعر في ما بعد إلى أغلب اللغات الحية.
هذا المثال البسيط، يُعطي فكرة على أن الشعر الكردي قد تجاوز هذين الاتجاهين: الحرب والطبيعة، منذ زمن بعيد. فأمام سيل عارم من الشعر الكردي الرديء، هناك شعر لا يقل أهمية وحداثة وفكراً وخبرة عن الشعر العربي والعالمي.
■ ما المراحل التجديدية التي مر بها الأدب الكردي؟ وهل خرجت من معطفه مدارس خاصة غير متأثرة بالآداب المجاورة؟
□ بكل تأكيد أن أهم مرحلة تجديدية في الشعر الكردي (باللهجة الكرمانجية)، التي ما زال لها تأثيرها القومي والفكري طاغي بشكل ما هي مدرسة أحمدي خاني (1650- 1706)، مؤسس الفكر القومي الكردي. كما أن هناك مدرسة جكر خوين (1903- 1984)، الذي يعتبر رائداً للقصيدة الثورية في اللهجة الكرمانجية، إذ يعود إلى هذا الشاعر حداثة القصيدة الكردية في كردستان سوريا وكردستان تركيا.
وقد خرج من معطف جكر خوين (إن صح التعبير) جيل كامل. فجكر خوين، يعتبر مدرسة خاصة قلدها الكثيرون من شعراء الكرد (باللهجة الكرمانجية)، وما زالوا حتى الآن يسيرون على نهجه. فلهذا الشاعر القدير أثر كبير على مسار حركة الشعر الكردي في سوريا خاصة، والذين يكتبون باللهجة الكرمانجية عامة.
هذا بالإضافة إلى الشاعر شيركو بيكس (1940- 2013)، الذي يعتبر مدرسة إبداعية فذة لا مثيل لها، ويصعب تكرارها، ولا مهرب من الاعتراف به في عصرنا لحديث كأهم مدرسة شعرية من الطراز الرفيع النادر. فهو صاحب ميراث كبير من الأعمال الإبداعية التي تعتبر جزءاً أصيلاً من الأدب الإنساني العالمي. إنه باختصار شديد، من أكثر المدارس الشعرية ترجمة وفرادة وتميزاً في تاريخ الشعر الكردي المعاصر.
مع كل ذلك، أجد أن التأثر بالآداب المجاورة، أو البعيدة، موجود بشكل ما لدى أغلب المبدعين في مرحلة ما من الكتابة، وهذا ما حصل ويحصل مع أدباء وكتاب وشعراء حاصلين على جوائز عالمية كجائزة نوبل للآداب. فعلى سبيل المثال، كان شيركو بيكس متأثراً بالشعراء الكرد في مرحلة ما أمثال: كوران، نالي، محوي، مولولي.. إلخ، لكنه تجاوز كل هؤلاء الشعراء. كما كان جكر خوين متأثراً بالشاعرين الكرديين الجزيري وخاني. هذا لا ينفي أن الإبداع هو عملية تأثر وتأثير، سواء كان ذلك بالآداب المجاورة أو البعيدة. والأدب بهذا المعنى جزء لا يتجزأ من الأدب الإنساني بشكل عام.
■ ما زالت مشكلة الهوية الخاصة وتمثلاتها واضحة لدى الأدباء الكرد، لكن بعد عشرات السنين من المحاولة لإثبات هذه الهوية، هل يمكن تلمسها من خلال النصوص الأدبية والفكرية المنتجة في كردستان؟
□ سأكون أكثر صراحة معك حول هذه النقطة بالتحديد، كي لا أظلم الأدب الكردي المكتوب باللغة الكردية، وخاصة مع أسماء كبيرة أسست لأدب كردي يحتذى أمثال: إبراهيم احمد في رواية «مخاض شعب»، شيركو بيكس في «مضيق الفراشات»، حسين عارف في «المدينة والذئاب» ومحمد أوزون في «بئر القدر». هذا بالإضافة إلى عشرات الأسماء والنصوص التي أعطت للهوية الكردية معنى إبداعياً منقطع النظير، أسوق هذه الأسماء/ النصوص كتنويه بهذا الوجه الجميل للأدب الكردي، الذي ما زال الأكثر قراءة في الخريطة الأدبية الكردية، والأكثر عمقاً في التعبير عن إرادة الإنسان الكردي الواثق من لمساته الإنسانية والقومية. على هذا النحو هناك نصوص لها أهميتها الكبرى، لكن بلغات أخرى كالعربية والتركية، من خلال بصمتها الكردية كالنصوص الروائية والشعرية لسليم بركات، والنصوص الروائية ليشار كمال، والنصوص الروائية للمخرج يلماز غوني المتمثلتان في رواية «صالبا»، ورواية «ماتوا ورؤوسهم محنية».
■ على الرغم من أنك سوري، غير أنك تعيش في بيئة قريبة لبيئتك الكردية الأولى، كيف يمكن فهم التقارب بين البيئات الكردية والحياة داخلها كأرض واحدة؟
□ هذا التقارب يشبه العناق بين الألم والحزن، وفي أقصى الحالات عناق بين القمع والحرية. البيئة الكردية تشبه الإنسان الكردي إلى حدٍ ما، في فرحه وحزنه وألمه، ونشاطه الروحي الممزوج بواقع متداخل بمشاهده الدرامية التي تغمر المكان بحساسية تحجم ردّ الفعل الزمني التراجيدي، وفق تركيب بيئي من التوثيق للقهر.
أينما ذهبت، هناك ألم وذكريات وشهداء، يؤسسون للوجود مكاناً يحكي سيرة زمنٍ مضى، أو سيأتي. لذلك لا يبدو التأمل في صورة البيئة، بعيداً عن التأمل في صورة الإنسان، خاصة حينما يتعلق الأمر بالتشكيل المكاني المجزأ إلى أربعة أجزاء. وهكذا لا يكاد يكون فهم هذا التقارب أن يكون خارج دفقته الذاتية ومشيئته البسيطة في مبناها المركبة في ذاكرتها ومرجعياتها وخزينها التاريخي الفاجع.
إنّ الطابع المميز لهذا العناق، هو التصاقه بالمكان، وحركة الواقع السياسي الذي يعطي فهماً آخر للتقارب بين البيئات الكردية كأرض واحدة. إذن لا فرق من ناحية الجوهر بين هولير وآمد، بين قامشلو ومهاباد، وكل ما يقال محض عناق طويل أو قصير بين الألم والحزن، أو بين القمع والحرية. أحياناً تتشابه «عامودا» و»السليمانية»، وفق فهمي العميق لمسقط رأسي هناك، ومسقط قلبي هنا. التقارب بين البيئات الكردية، تتحكم فيها القلوب أحياناً، وأحياناً أخرى العواطف السياسية.
جاء أبي إلى هذه البيئة منتشياً بالثورة، وعندما جرح بجرحٍ عميق، ترك دمه كشقائق النعمان لأخيه الأصغر، الذي استشهد بعد نفاد الذخيرة وحقد العالم. بعدها بأعوام طويلة جئتُ إلى هذه البيئة، جئتُ سائحاً، أبحث عن شقائق أبي، بين الزهور والورود والنرجس البري، لكني اصطدمتُ بوردة لحمية، فتزوجتها، ومنذ ذلك الحين أقيم في كردستان العراق.
كيف أفهم هذا التقارب بين البيئات الكردية والحياة داخلها كأرض واحدة، وعامودا ليست السليمانية؟!.
■ ما الذي يمكن أن يخرج من إحساسك بالمنفى لتحويله إلى قصائد ونصوص، وكيف تعيد ترتيب ذاتك مع هذا الإحساس؟
□ المنفى نوع من أنواع الغربة والاغتراب.. أفضل القصائد التي كتبتها عن المنفى، كتبتها وأنا في بيتي وبين أهلي وأقاربي وأصدقائي. بمعنى ما، المبدع يعيش في المنفى حتى وهو في الوطن.
المجتمعات الفاسدة تراهن على المبتدئين، بدءاً من السياسة ومروراً بالصحافة والثقافة وانتهاءً بالإبداع. وسْطَ حالة من الضياع كهذه، لن تراهن سوى على لقمة العيش، بعيداً عن السواد الأعظم. بهذا المعنى، فالمنفى في الوطن أصعب بكثير من المنفى في بلد أوروبي. من أجل هذه الحقيقة المرّة، صرتُ لا أبالي كثيراً بالصحف والمجلات والكتب التي تصدر يومياً، بعد أن رتّبتُ نفسي أخلاقياً للابتعاد عن كل ما يضر أو يشوه الإبداع. من هذا المنطلق أكتب قصائدي ونصوصي، بما يتناسب مع إحساسي الإنساني في أن الإبداع واحد في جميع اللغات، وأن الذات جزء لا يتجزأ من الآخر، سواء كان هذا الآخر قريباً أو بعيداً.
وهنا، صدّقني، عندما أحس باللا منفى، سأكسر قلمي، وسوف أعتزل الكتابة نهائياً. فـ»القلم» باللهجة الشامية تلفظ بـ»الألم»، وهذا دليل على أن الكتابة نوع من أنواع الألم والغربة والمنفى.
■ ما التقنيات التي اشتغلت عليها في بناء القصيدة، وكيف تمت معالجتها عن طريقة آليات قصيدة النثر؟
□ لا أعتمد في بناء القصيدة على تقنية بعينها، فعندما أكتب لا أفكر في طول وقصر القصيدة، كما لا أفكر في الآليات التي تتم بها معالجة القصيدة. وبما أنني أكتب قصيدة النثر، أعتمد كثيراً على السرد، الذي يتماهى مع الشعر، وهذا السرد موجود في مجموعاتي السبعة. أكتب الشعر كمن يبكي بالدموع أحياناً، وبالدم أحياناً أخرى. لذلك لا أكتب الشعر دائماً.. فكل أربعة إلى خمسة أعوام أكتب مجموعة شعرية واحدة.
■ أنت تكتب بالعربية والكردية وتترجم من وإلى هاتين اللغتين… كيف يمكن تلمس الفارق بين نصيك العربي والكردي؟ وهل تتمسك بالتفكير باللغة الكردية حين تكتب نصك العربي؟
□ ليس هناك فارق كبير بين النصين، إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة النص الذي أكتبه، ورغم ذلك يطفو على سطح النص المكتوب باللغة الكردية نوع من الغنائية، وهي خاصية تتمتع بها هذه اللغة. لذلك أستطيع القول إن لكل نص خصوصيته وأسراره ورموزه، كما لكل لغة خصوصيتها وأسرارها ورموزها. فنادراً ما أتمسك بالتفكير باللغة الكردية عندما أكتب نصاً باللغة العربية.