السوري مازن أكثم سُليمان: أقاوم واقع القتل والدّمار والخطر اليومي بكتابة الشعر

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: في زمن الحرب، في مدينة تسكن على هامش الخراب والموت، في العاصمة دمشق ناقش الشاعر السوري مازن أكثم سُليمان مؤخراً رسالة الدكتوراه في الدّراسات الأدبية في جامعة دمشق بداية العام الحالي. شاعر شاب من مواليد (1976) لم يهو نظم الشعر فقط، بل احترفه عبر دراسة علوم اللغة وآدابها، فحاز سليمان إجازة الآداب عام 2001 وتابع دراساته العليا فنال شهادة دبلوم الدّراسات العليا، ثم حاز درجة الماجستير، إلاّ أنّ كتابته بدأت في الانتشار منذ أكثر من ستة عشر عاماً، في عدد من الصحف والدّوريّات السورية والعربية، وأنجز ديوانه الأوّل بعنوان «قبلَ غزالة النوم» عام 2006.
في زمن الكتابات والمعارف على نسق «تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي والهاشتاغ» كيف هي كتابة الشعر بعد زيادة معرفيٍّة اختصاصية؟ حول هذا وذاك كان لـ»القدس العربي» هذا الحوار مع مازن أكثم سليمان:

■ كيف ترى أثَر دراستكَ في كتابتكَ الشِّعريّة؟
□ تبدو لي العلاقة جدَلية بين دراستي للغة العربية وآدابها وكتابتي الشعرية، ولهذا جانبان: جانب إيجابي يتعلق بالتأثير المتبادل باتجاهين بينَ الدراسة والكتابة، فكلٌّ منهما يُوسِّعُ دائرة فهم الآخر ويُطوِّرها معرفياً، وجانب سلبي يتعلَّق بالاختلاف الجوهري بين الدراسة الأكاديمية المضبوطة فكرياً ومنهجيّاً، ثم التَّدريس والعمل الأكاديمي الجامعي بعد ذلك، والحالة الشعرية التي يُفترَض أنها مُتفلِّتة من القيود ومُرتمية في العالَم الرَّحب، وقد حاولتُ دائماً أن أتحايل بهدف خَلق الصّيغة الوجودية التي تحقّق التّكامل بين نمطين مختلفين أو ربما متضادين في الحياة والتفكير والفعل.
■ بمن تأثَّرتَ من الشُّعراء في بداياتك؟
□ بصورة عامّة تأثرت بكل المنجز الشعري السوري، وبشعراء الحداثة العربية على مستوى قصيدة التفعيلة أو النثر. والجواب الدقيق يُقسَم إلى محورين يتعلق المحور الأول بالشعراء الذين أثّروا بي قراءةً فقط ولم أعرفهم شخصياً أو أعاصرهم. أما المحور الثاني فيتعلق بشعراء أثَّروا بي شعرياً وشخصياً، ومنهم محمد الماغوط الذي كان شاعري المُفضَّل في تلكَ الفترة، إذ بدأت علاقاتي الشخصية معه بعد زيارتي له في منزله بدمشق وإهدائي له قصيدة عام 1998، كذلك تأثَّرت بالشاعر علي الجندي الذي كنت أقابله كلما جئت إلى اللاذقية منذ عام 2001 حتى عام 2007، وكنّا نشتغل معاً على كتابة سيرته الذاتية والشّعرية. وأعتبر نقطة التحوُّل النّوعيّة في مشروعي الشعري هي انتقالي للإقامة في دمشق عام 2001، ففي ذلك العام تَعرَّفت على الشاعر نزيه أبو عفش الذي أعجب بمجموعتي المخطوطة في ذلك الحين، وبدأ ينشر لي بغزارة في مجلة «المدى» التي كان نائباً لرئيس تحريرها، ثمّ تعّرفت عام 2004 على الشاعر أدونيس الذي تبنّى نصوصي، وقدّمني ضمن فعاليات مهرجان جبلة الثقافي الثاني.
■ حدَّثني عن علاقتكَ بالقصيدة؟ كيف تولد وكيف تُبنى؟ هل هي نصّ يتكامل في زمن الكتابة الأُولى، أم نصّ تعمل عليه في فترات زمنيّة مُتقطِّعة حتى تنتهي إلى الشكل الذي تُريده؟
□ القصيدة في فَهمي لها هي وجود بكلّ ما تحمل كلمة الوجود من معنى، وينبغي أن تكون في ولادتها الأولى أو في خَلقها الأول مثل طفلة رضيعة خالية من الأمراض القاتلة، أو من التشوّهات الكبيرة، ثم تنمو وتتطور بوجودها في العالم، أو بوجودي أنا في عالمها الذي انفتحت ذاتيتي فيه، وبهذه الصورة، ينبغي أنْ يكون كل اشتغال جديد عليها هو فعل مُعايشة للحظة الانكشاف الوجودي الأولى لها، والحفاظ على خصوصيّة انفتاحها الحدسيّ في العالَم.
■ لنتحدَّث عن تقنيّاتك الشعريّة، فمن يقرأ قصائدك يلفته الغنى في ألاعيبها الحرفيّة إذا صحَّ التعبير، فعلى سبيل المثال لاحظتُ كثرة ظواهر التقابل والتضاد والمفارقات، هل هذا عمَل مُتعمَّد إن سمحتَ لي بالقول؟
□ لا بدّ من الحذر دائماً من الوقوع في الفصل الحدِّي بين القصيدة الشعرية، وما تنطوي عليه من تقنيات فنية وجمالية، إذ أرى أنَّ الوعاء الصّاهر في عملية خَلق القصيدة هو وعاء وجوديّ ـ لغويّ تصقله الدِّربة وتطوره كي تغدو القصديّة فيها قصديّةً فطريّةً تنطوي بنيوياً على هذه التّقنية أو تلك.
■ ألا تخشى في قصيدتكَ من تحطيم الشكل: نجد حيناً جملاً قصيرة، وحيناً نجد سطوراً تُقارِب النَّصّ السَّردي القصير. كيفَ تنحو إلى هذا أو ذاك، أو ما هيَ قواعدك في تأسيس شكل القصيدة؟
□ كما قلتُ من قبل، القصيدة في نظَري وجود في عالَم جديد، وهذا العالَم يعجُّ بكل ما في العالم الوقائعيّ من حياة وعلاقات وصراعات ومواقف ومجازات، والقصيدة الحديثة تستفيد حتماً من انفتاح الأجناس الأدبية على بعضها، فتستعينُ تارة بتقنيات السَّرد، وتارة بمُفارقات القصّ، وتتلاعب أحياناً بالدلالة عبرَ الحوار، ولكنْ من دون أن يهدرَ ذلك شعريَّتها الجوهريّة. إنّها استجابة ذكية للتجريب لا بوصفه لغة مجردة، إنما بوصفه وجوداً في اللغة، أو لغة وجود جديد يفتح عالماً جديداً لم يكن موجوداً على هذا النحو من قبل.
■ في ديوانكَ نلاحظ وجود قصائد قصيرة إلى جانب قصائد طويلة، ألا تخشى أن يؤثِّر طول القصيدة على شِعريَّتها؟
□ إذا كانت القصيدة عالَماً في نظَري، فإنَّ معيارية قدرتها على تخليق الشعرية، مرتبطة بقدرتها على فتح عالَم غنيّ تفرضه الحاجة الوجوديّة – الجماليّة النّابعة من العمق البنيويّ للقصيدة، لا من قرار مُسبَّق وخارجيّ يتعلّق بطولها أو قصرها.
■ كيف تنظُر إلى التجربة الشعريّة الشابّة في سوريا؟
□ يبدو أن الموروث الشعري السوري الكبير، وبوجه خاص في النصف الثاني من القرن العشرين، تحوَّل في حالات كثيرة إلى عامل سلبي، حيث تسقط تجارب كثيرة في فخ المطابَقات التكراريّة لتجارب رائدة أو سابقة، ولعلّ مُجاوزة ما اهترأ من بنى شعرية ودلالات رمزية يتطلب وعياً شعرياً ونقدياً وجمالياً هائلاً، لا أنْ يكتفي الشاعر بالاستسهال والبقاء عند سطح القصيدة ونظريات الشّعر. لكنْ وبكلّ الأحوال- وحتى لا يبدو كلامي مُتشائماً أو قاسياً- أقولُ: إنَّ في سورية حشد عظيم من الشعراء، وهذا الكمّ ليسَ سلبياً بالمطلق، إذ يُبشِّر دائماً بولادة تجارب غنية، وبصعود أصوات أتلمَّسُ قدراتها الطازجة والبهيّة بوضوح في السنوات الأخيرة.
■ كيفَ أثَّرت الحرب في كتاباتكَ؟
□ أستطيع القول إنَّ على الشاعر أولاً أنْ يكون له موقف أصيل من الأحداث الكبرى، وألا يراوغ في قول كلمته، وعليه ثانياً ألا يتنازل عن مهمّته الجوهريّة في نشر الجَمال، وفي تعميق الثّقة بالقيم الكبرى إنسانيّاً ووجوديّاً. والشاعر من المحظوظين لكونه يستطيع أنْ ينقض فكرة الخلاص الفرديّ بدفاعه عن الأمَل والمحبّة والحياة شعرياً.
وبخصوص سؤالك عن تأثير الحرب على الشعر أعتقد بوجود بعدين لهذا التأثير، أحدهُما أفقي ينطوي على خطر الوقوع في الانفعال المُباشَر والسّطحيّ غالباً، وثانيهما عمودي خلاّق يأتلف مع التجربة والبعد الفنّي الجَمالي، ويستغرق زمناً كي تظهر ماهيّته وكيفيات تأثيره، وهو ما يُعوَّل عليه.
■ لماذا تأخَّرَ صدور ديوانكَ الثاني ؟
□ يبدو أنَّ التأخُّر في النشر سمة سورية عامة لظروف شتى، لكنْ على المستوى الشَّخصيّ كانَ قد تأخَّرَ صدور ديواني الأوَّل أيضاً بفعل ما اتخذتهُ على عاتقي من ربط جدَليّ بينَ التجربة النّصية والإشكاليات النظرية، فأنا مازال يعنيني سؤال الهوية الشعرية المغايرة بإلحاح، وما زالت تغويني نظرية الشعر بقدر أغواء الاشتغال على النَّصّ الشعريّ بحدّ ذاته. وعلى كل حال ، ثمة إلى جانب ما سبق ظروف مختلفة ترتبط بمشاغل الحياة والتزاماتي الجامعيّة، لكنّني بعد أنْ ناقشتُ الدكتوراه أخيراً أتطلّع إلى نشر أكثر من مخطوط شعري جاهز .

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية