القاهرة ـ «القدس العربي»: هي مدينة المقاومة الأولى، تاريخ من المواجهات والحروب والكفاحات الشعبية التي سطرت في أكبر مدينة مطلة على البحر الأحمر، لهذا سميت «مدينة الفدائيين». تعد محافظة السويس المصرية، الشرارة الأولى لثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 بعد أن سقط فيها أول شهيد للثورة في حي الأربعين.
تقع المدينة التي سميت قديما «القلزم» في الطرف الشمالي لخليج السويس، شرق دلتا نهر النيل، تحدها شمالا محافظة الإسماعيلية، وجنوبا البحر الأحمر، وشرقا جنوبي سيناء، وغربا القاهرة والجيزة، وسميت على اسمها قناة السويس التي تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط.
في المدينة 5 أحياء أهمها السويس، وهو حي حضري فيه معظم الهيئات والمصالح الحكومية، وحي الأربعين، الذي يغلب عليه الطابع الشعبي، وحي عتاقة الذي يضم معظم المناطق السكنية والشركات والمواقع الصناعية والقرى السياحية، ويمتد حتى منطقة السخنة والزعفرانة جنوبا وحتى مسجد سيدي الدكروني غربا في طريق القاهرة، إضافة إلى حي الجناين الريفي وفيه أراض زراعية وبساتين الفاكهة ويمتد حتى كوبري السيل بعد قرية كبريت وهو الحد الفاصل بين محافظتي السويس والإسماعيلية.
في العصر الفرعوني، كان اسم هذه المدينة «سيكوت» ومحلها الآن «تل المسخوطة» على بُعد 17 كيلومترا، غرب مدينة الإسماعيلية، وقد أطلق عليها الإغريق اسم «هيروبوليس» أو «إيرو» في العهدين الروماني والبيزنطي، وتدل الأبحاث الجيولوجية على أن خليج السويس كان يمتد في العصر الفرعوني حتى بحيرة التمساح، ثم انحسرت مياهه جنوبا، إلى البحيرات المُرّة.
وعندما انحسرت خلّفت وراءها سلسلة من الوهاد والبطاح، التي كانت تملؤها المياه الضحلة، فصارت «هيروبوليس» من دون ميناءً على البحر الأحمر، وفقدت جزءا من صفتها التجارية وأهميتها الملاحية، ولم تحتفظ إلا بأهميتها الاستراتيجية، كجزء من القلاع التي كانت تكوّن سور مصر الشرقي، وتمتد عبر البرزخ شمالي سيناء إلى غزة.
ونشأ ميناء جديد على الرأس الجديد لخليج السويس، يسمى «أرسينوي أن» أو «كليوباتريس» في العصر البطلمي، وكان هذا الميناء ناحية «السيرابيوم» التي تقع شمال البحيرات المُرّة. ثم استمر انحسار خليج السويس نحو الجنوب وانفصلت البحيرات المُرّة عن الخليج، فنشأ ميناء البحر الأحمر الجديد، الذي سُمي «كلزيما» في العصر الروماني، وهو الذي حرّف العرب اسمه إلى «القلزم» وسموا به كذلك البحر الأحمر، وفي القرن العاشر الميلادي نشأت ضاحية جديدة جنوبي «القلزم» سميت بـ «السويس»، ما لبث أن ضُمت إليها «القلزم» القديمة وحلت محلها، وأصبحت ميناء مصر على البحر الأحمر.
ندرة المياه العذبة
وتمتاز السويس القديمة بشوارعها الضيقة ومبانيها ذات الطابع المملوكي، وهذه المدينة تتميز عن «القلزم» ولا سيما في العصر العثماني، حيث خشي الأتراك من تهديد الأساطيل الأجنبية فأنشأوا أسطولا يحمي السويس وموانئ البحر الأحمر التركية الأخرى.
وعُدت المدينة موقعا حربيا يرابط فيه الجُند لحماية مدخل مصر الشرقي، ومن ثَمّ كان بناء الطابية، وهي قلعة حصينة فوق أحد التلال تشرف على البحر، كما أُقيمت فيها دار للصناعة (ترسانة) لترميم السفن وبنائها.
وتبدأ نهضة السويس بشق القناة وإنشاء ميناء «بور توفيق» وتوسيع الحوض، ليستقبل السفن الآتية إلى الشرق الأقصى، وحوض إصلاح السفن. وكان في مقدمة الأسباب التي أعاقت نموّ السويس ندرة المياه العذبة، إذ كان الماء ينقَل إليها على ظهور الجمال، من عيون موسى التي تقع على مسافة 16 كيلومترا، إلى الجنوب الشرقي من السويس.
وبدأت في المدينة في الوقت الحاضر نهضة جديدة بإنشاء صناعات هامة، ولا سيما تكرير النفط ومشتقاته. وبذلك، تعود السويس لتؤدي دوراً جديداً في تاريخها. فهي ليست قلعة مصر عند قمة خليج السويس فحسب، ولا هي ميناء للعبور فقط، بل هي ثغر كبير يشرف على إحدى صناعات مصر المهمة، وهي الصناعات النفطية، ودار للصناعة، ومنطلق نحو موانئ البحر الأحمر ـ أو البحيرة العربية الكبرى ـ ومبتدأ رحلة الحاج إلى الأراضي المقدسة.
العصر الإسلامي
وكانت تقطن مدينة السويس، قبل الفتح الإسلامي، جماعة من الناس تشتغل غالبا، بالصيد والقرصنة، ولكن لم تلبث أن شهدت نشاطا واسعا وانتعشت في العصر الإسلامي. وكان أول ما اشتهرت به السويس اقتصاديا في العصر الإسلامي هو بناء السفن، الذي كان له شأن عظيم في مصر في فجر الإسلام، خاصة في العصر الأموي.
وألقت البرديات شعاعا من النور على صناعة السفن في مصر، وأظهرت مهارة الملاحين المصريين في ركوب البحر، فضلا عن تقدير الحكومة المركزية لتلك المهارة واستغلالها.
والبرديات التي اكتشفت حديثا في «كوم أشقاو» ترجع إلى عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، أشارت إلى أن صناعة السفن ازدهرت في مصر في ثلاثة مراكز هي: الروضة، والسويس، والاسكندرية، وهذا يعني أن منطقة السويس كانت لها أهميتها الكبرى في صناعة السفن، إحدى أكبر الصناعات التي عرفتها مصر الإسلامية.
كما كانت السويس أحد ثلاثة مراكز كبرى في مصر لبناء السفن التجارية وغير التجارية.
كذلك ظهر لمنطقة السويس أهمية اقتصادية، خاصة في العصور الوسطى، هي غِنى تلك المنطقة بالثروة المعدنية، مثل الذهب والزمرد، فضلا عن الأخشاب.
والمعروف أن أشجار السنط كانت تنمو بكثرة في شبه جزيرة سيناء، وحول السويس.
واهتم صلاح الدين الأيوبي بتلك الأشجار، لأهمية أخشابها في بناء السفن، في وقت اشتدت فيه الحرب البرية والبحرية ضد الصليبيين في الشام، وفي حوض البحر المتوسط.
وفي عصر المماليك، ظلت القوافل تحمل أخشاب شجر السنط بانتظام بين السويس والقاهرة، مما أضفى عليها أهمية اقتصادية خاصة.
عصر المماليك
في عام 1505 ميلادية قاد حسن شاهبندر، تجار السويس بأسطول تجاري لقتال البرتغاليين أمام الساحل الغربي للهند.
وفي عام 1516 أقلعت حملة مصرية عثمانية من السويس تحت إمرة سلمان الرومي وحسين تركي لقتال البرتغاليين، وكانت بداية ضم اليمن للدولة العثمانية في عام 1541 هاجمها أسطول برتغالي بقيادة استفاو دي غاما الحاكم البرتغالي للهند (والابن الثاني لفاسكو دي غاما).
وأمام قوة الأسطول العثماني المرابط في السويس، اضطر دي غاما للانسحاب وعرّج على ميناء الطور في جنوب سيناء حيث دمره ثم أقفل عائدا إلى قاعدته الحديثة.
السويس والكفاح الوطني
خاض أهالي السويس معارك عنيفة ضد جنود الإمبراطورية البريطانية، بدبابتهم ومدافعهم الرشاشة وغيرها من الأسلحة الفتاكة. ولم تكن هذه المعارك بين قوات متكافئة، عددا أو عدةً، مما حمل السكان على الاضطلاع بعبء الكفاح الطويل، وأبدوا فيه من الفدائية والبطولة والروح العالية، ما جعل كفاحهم أروع ما يكون، وأعطوا صورة مشرفة للنضال الوطني.
المعركة الأولى 1951
تعطلت إحدى سيارات النقل الحكومية في منطقة الأربعين، بالقرب من ورش السكك الحديدية، وكانت تقل قوة من جنود الشرطة، فنزل السائق لإصلاح السيارة، وإذا بالجنود الإنكليز الموجودين في المعسكر البريطاني المجاور يطلقون النار على جنود الشرطة، الذين قابلوا العدوان بمثله وأطلقوا النار على الإنكليز.
واستمرت المعركة بضع ساعات، وأبلى الفدائيون بلاء حسنا، إذ كوّنوا فرقا مجهزة بالمدافع سريعة الطلقات، وكمنوا في مواقع خفية على الطريق الذي تمرّ منه النجدات البريطانية، وأخذوا يتصيدون الإنكليز برصاص مدافعهم. واستشهد في هذه المعركة 28 من المصريين، منهم 7 من رجال الشرطة، وبلغ عدد الجرحى 70 منهم 12 من رجال الشرطة، فيما بلغ عدد قتلى الإنكليز 22 علاوة على 40 جريحا.
المعركة الثانية
استأنف الإنكليز القتال في اليوم التالي، منتهزين فرصة اشتراك أهل المدينة في تشييع جنازة أحد الشهداء الذين سقطوا في معركة اليوم السابق، فخرجت قوة بريطانية قوامها 3 دبابات و4 مصفحات، وعدد من السيارات المسلحة، وأخذت تطلق النار جزافا على المشيعين والأهالي ورجال الشرطة والمنازل القريبة، وعمد رجال الشرطة والأهالي إلى الدفاع عن أنفسهم، ونشب قتال بين الفريقين استمر ساعة كاملة، وأسفر عن استشهاد 15 مصريا، بينهم سيدة وشرطيان، وبلغ عدد الجرحى 29، منهم 6 من رجال الشرطة، وبلغ عدد قتلى الإنجليز 24، والجرحى 67.
بعد عدوان 1967
في 14 و15 تموز/يوليو عام 1967 كان من المنتظر وصول مراقبي وقف إطلاق النار، وحاول الإسرائيليون إنزال بعض الزوارق إلى القناة، تم التصدي لها، وأُحبطت المحاولة.
وتمكّنت المقاومة الشعبية مِن أَسْر ضابط وجندي إسرائيليَّين، ولمّا فشلت هذه المحاولة، قصف العدو الإسرائيلي الأهداف المدنية بالطائرات والصواريخ. ولم تسلم مصانع النفط من هذا القصف العنيف، فشب حريق كبير، تمت السيطرة عليه، بجهود قوات المطافئ، والشرطة، والقوات المسلحة، والمقاومة الشعبية وعمال المصانع أنفسهم.
استمرت محاولات العدو قصف الأهداف المدنية بشكل عشوائي، وتمسك شعب السويس بالصمود دفاعا عن الأرض، إلاّ أن قرار تأجيل الدراسة، ثم إلغائها، كان إيذانا ببدء تجربة الهجرة، بكل ما فيها من تحمّل ومعاناة ودروس جديدة، تحت شعار: «التهجير جزء من المعركة، ولمصلحتها». وشكلت عدة لجان من الأجهزة الشعبية والتنفيذية لزيارة أبناء السويس المُهجّرين، في المحافظات المضيفة، ومتابعة عملية التهجير والرعاية، مع الأجهزة المعنية في المحافظات.
وعندما بدأ العدوان عانت المصانع نقص الأيدي العاملة، نتيجة استدعاء الاحتياطي والحرس الوطني وحاجة المقاومة الشعبية والدفاع المدني، فتطوع العاملون للعمل 12 ساعة يوميا بدلاً من ثماني ساعات، بلا أجر إضافي. واستمر العمل بهذا النظام أكثر من شهرين، حتى سنحت الظروف بالعودة إلى نظام ثلاث ورديات.
وبدأت محاولات إطفاء الحرائق، خلال الاشتباك، على الرغم من استمرار القصف، وتساقط القنابل والصواريخ، فما يكاد الاشتباك ينتهي، حتى تندفع جموع العاملين نحو النيران، بمعاونة رجال الإطفاء، الذين وفدوا على السويس من القاهرة.
الكفاح الشعبي
وقف شعب السويس في كل موقع، مساندا قواته المسلحة صانعا أروع صفحات البطولة والفداء. حاول العدو الإسرائيلي دخول مدينة السويس، بعد أن تسربت دباباته من خلال ثغرة «الدفرسوار» جنوب البحيرات المُرّة، وتحركت دباباته صباح 24 تشرين الأول/أكتوبر، في مجموعات متفرقة، عددها 32 دبابة، محاولة احتلال مدينة السويس، فخرجت مجموعات من شباب المقاومة والمواطنين مع رجال الشرطة والقوات المسلحة، لتدمّر دبابات العدو وتقتل جنوده، وأمكَن تدمير 23 دبابة، فانسحبت الأخرى.
ويبقى قسم شرطة الأربعين، ومسجد الشهداء، ومسجد سيدي الغريب، ومداخل المدينة، علامات بارزة في تاريخ نضال السويس، وتاريخ مصر الوطني.