نيويورك ـ «القدس العربي»: في 13 تموز/يوليو 2003، دعينا لحضور مؤتمر هام في قاعة المؤتمرات بقصر الرحاب ببغداد حيث سيعلن بول بريمر التشكيلة التي ستقود العراق في المرحلة المقبلة. كان وفد الأمم المتحدة صغيرا قياسا لعدد المدعوين . وحرص بريمر، أن يجلس ممثل الأمم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو بينه وبين السفير البريطاني جون سوير. لم يعجبنا أنا وزميلي في مكتب المتحدث الرسمي الإطار الذي وضع فيه الثلاثة والذي قد يرسل رسالة للشعب العراقي مفادها أن الأمم المتحدة شريك للأمريكان والإنكليز في إحتلال العراق. وربما كانت تلك الصورة من بين الأسباب التي أدت إلى إستهداف مقر الأمم المتحدة في أول عملية إنتحارية في عراق ما بعد الاحتلال بتاريخ 19 آب/أغسطس 2003. تم تسمية أعضاء مجلس الحكم العراقي يومها بناء على نظام المحاصصة الطائفية: 13 شيعة، 5 سنة ، 5 أكراد، وواحد تركماني وواحد مسيحي. ومن أغرب ما حدث في تلك الجلسة أن وقف أكبرهم سنا(بدون ذكر إسمه) وطالب المجلس أن يعتمد في أولى قراراته التاسع من نيسان/أبريل يوم سقوط بغداد العيد الوطني الجديد للعراق. ولحسن الحظ لم يلق إقتراحه صدى يذكر.
لم يكن العمل على تفكيك العراق من داخله صدفة بعد أن فشلت كافة المحاولات على تدميره من الخارج. لقد إختار الأمريكان منذ اليوم الأول الإنحياز إلى طائفة بعينها ضد مكونات العراق الأخرى وبالتالي تلاقت مصالحهم منذ البداية مع مصلحة إيران التي إستغلت حالة الفوضى التي كان يعيشها العراق إلى الدفع بمئات الألوف للانتشار في مدن الجنوب، بعضهم من أصول عراقية وكثير منهم إيرانيون، هرعوا إلى العراق بحجة زيارة العتبات المقدسة وما هي إلا أشهر قليلة حتى كادت مدن كربلاء والحلة والنجف تصبح ذات غالبية إيرانية وقد شكا لمبعوث الأمين العام كثير من القادة العراقيين الغيورين على وطنهم وعروبتهم مصيبة انعدام وجود أي سلطة على حدود مفتوحة مع إيران تزيد على الـ 1485 كيلومترا.
اللوم على أوباما
إنطلقت المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي والتي حولت وجوده إلى كابوس بدأ يلاحق كل مسؤول هلل لاحتلال العراق بمن فيهم المرشحة الرئاسية الحالية هيلاري كلينتون. بدأ المقاومون يتصيدون الجنود الأمريكيين والمتعاملين معهم. ففي أقل من عام على الاحتلال أصبح الأمريكي معزولا محاصرا في ثكنته أو دبابته لا يجرؤ على الخروج من المنطقة الخضراء إلا في رتل من الدبابات أو عن طريق الطائرات العمودية. لقد إستطاعت المقاومة، التي في غالبيتها سنية وبعثية وقومية وإسلامية متنورة، أن تجذب بعض العناصر الشيعية من التيار الصدري والجماعات المناهضة للتغلغل الإيراني لكن ذلك لم يدم طويلا بعد إرتكاب مجزة النجف عام 2004 ضد التيار الصدري حيث إستدعي بعدها مقتدى الصدر إلى قم لمزيد من التعليم والتدريب وبعد نحو سنتين قادت جماعته مجازر ضد السنة التي إتهمت زورا وبهتانا بتدمير مقامين في مدينة سامراء في شباط/فبراير 2006. تلك شرارة الفتنة التي عمقت الانقسام وحولت الاحتلال إلى حكم وأدت إلى إزهاق الآلاف والتي جرّت ذيولها إلى هذه اللحظة وخاصة في مجالين: الأول تقوية الميليشيات الشيعية على حساب الجيش الوطني والتي كانت مصدر قوة نوري الماكي ويده الضاربة وهو لم يكن أصلا مقتنعا ببناء جيش وطني. والثاني تخوف السكان السنة من الميليشيات الشيعية التي ما فتئت ترتكب المجازر عقابا لهم على سيل الانتحاريين والتكفيريين من المنتمين لفكر القاعدة وفيما بعد تنظيم الدولة. لقد أدى ظلم الميليشيات الطائفية إلى الدفع بعدد من قيادات السنة القبائلية والحزبية أن تمد يدها لتنظيم الدولة على طريقة «مكره أخاك لا بطل». لكن الذي حدث أن عاد تنظيم الدولة وغدر بهم ودمر ممتلكاتهم وأجبر شبابهم على الالتحاق بهم ومن يرفض يتم إعدامه أمام أعين أهله.
مع إحتلال تنظيم الدولة لمناطق شاسعة في العراق وانهيار الجيش العراقي في رمشة عين تبين خطل السياسة الأمريكية أكثر فقد صرفت مليارات الدولارات قبل الانسحاب في نهاية 2011 لبناء جيش عراقي قادر على حماية الوطن.هرعت الولايات المتحدة للعراق لتنقذ ماء الوجه وترفع معنويات الجيش وبدأت تتحدث عن إعادة عقارب تمدد التنظيم إلى الوراء وتبشر بهجوم الربيع لاستعادة الموصل. وعندما تمكن تحالف واسع وعريض من الحشد الشعبي وقوات الحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني وقوات البيشمركة من إستعادة تكريت إرتفعت آمال الإدارة الأمريكية باقتراب تحرير العراق من التنظيم. غير أن المفاجأة من العيار الثقيل جاءت عند قيام تنظيم الدولة باحتلال محافظة الأنبار بكاملها تقريبا في زمن قياسي وتفكك الجيش العراقي مرة أخرى بطريقة مهينة ليعود السؤال هل كل هذا صدفة؟ كيف يمكن أن تفاجأ دولة عظمى مثل الولايات المتحدة بمثل هذه الأحداث الخطيرة ولديها العديد من دور البحث ومراكز التحليل وجمع المعلومات والمراقبة والرصد والتنصت والصور الساتلية وأقمار التجسس والمخبرين على الأرض والعملاء الكبار والصغار؟
سارعت ليندزي غراهام ،عضوة مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري بلوم أوباما على قيام التنظيم باحتلال الأنبار قائلة: «يتحمل الرئيس أوباما وكبار المسؤولين في إدارته هذه الهزيمة النكراء التي منيت بها إستراتيجيته في الحرب ضد التنظيم». وغراهام سياسية طموحة تزايد في تطرفها ضد العرب والمسلمين ودعم إسرائيل على مت رومني. كما انتقد آخرون سياسة أوباما في السماح لقوات الحشد الشعبي الشيعية بالتوجه لتحرير الأنبار بمشاركة إيرانية. لقد بدأت الإدارة الأمريكية تهضم الإصطفاف الإيراني إلى جانبها في الحرب على التنظيم. وتبرير الإدارة الأمريكية كما قال المتحدث باسم الخارجية جيف راثكي «الولايات المتحدة تدعم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مساعيه لتحرير الرمادي». بمعنى أنه هو الذي طلب من الميليشيات الطائفية والحرس الثوري الإيراني القيام بهذه المهمة وليست أمريكا. وقد بدأت الحشود الشيعية تصل إلى منطقة قاعدة الحبانية للانطلاق، كما قيل، لتحرير الأنبار.
من المهم أن نلاحظ أن أولويات الإدارة الآن تغيرت من تحرير الموصل إلى تحرير الأنبار. ومن العمل مع الوحدات العراقية والكردية إلى التسامح في موضوع المقاتلين الطائفيين والإيرانيين. لكن غياب الجيش العراقي عن قيادة المعركة يعني رضوخ رئيس الوزراء العراقي الحالي حيدر العبادي للميليشيات كما كان سلفه نور المالكي وبالتالي تعود رئاسة الوزراء للمربع الأول وهي تحكم الميليشيات في قرار الدولة وهو ما يعقد هدف بناء دولة المواطنة المتساوية لكل مواطنيها.
صحيفة «الواشنطن تايمز» اليمينية أكدت أن خلافات تتطور بين الرئيس الأمريكي ومساعديه في وزارة الدفاع حول الحرب على التنظيم. وحسب تحليل للكاتب روان سكاربرو أن هناك في البنتاغون من ينصح الرئيس باعتماد خطة إنزال قوات أرضية والتخلص من تنظيم الدولة وهزيمته نهائيا، لكن الرئيس لم يعتمد هذه الخطة بعد. ويعتقد بعض المسؤولين حسب رأي سكاربرو أن بناء الجيش العراقي سيأخذ وقتا طويلا وغير مضمون النتائج. لقد تبين أن الجيش العراقي لا تنقصه وسائل القتال بل إرادة القتال.
وقد يكون الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس أركان الجيوش الأمريكية والذي يقدم المشورة للرئيس الأمريكي أوباما، الأقرب إلى تحديد معالم السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالحرب على التنظيم. فهو صاحب فكرة إرسال قوات خاصة لمساعدة القوات العراقية والسورية التي تحارب تنظيم الدولة. ويؤكد تقرير «واشنطن بوست» أن ديمبسي متحفظ في مسألة التوسع في دور القوات الأمريكية على الأرض وحتى في الجو ما دام الانقسام الطائفي في العراق مستمرا وما دام العراقيون لم يتوصلوا إلى صيغة مصالحة نهائية تنهي مسألة الانقسامات الطائفية والتي تسرب منها تنظيم الدولة. وهذا الرأي لقي كل ترحيب من الرئيس لأنه لا يريد تورطا جديدا في حروب في العراق وسوريا في ظل الانقسامات الطائفية التي قد تغرق الولايات المتحدة في وحل التجاذبات المحلية.
هل هذه السياسة المترددة صدفة؟
لو طرحنا سؤالا فرضيا عن أهداف السياسة الإسرائيلية الاستراتيجية في المنطقة العربية فماذا ستكون الإجابة؟ تفتيت الدول العربية المجاورة والقادرة على تشكيل قوة موازية لإسرائيل إن لم يكن الآن ففي المستقبل. ثم إشعال حروب طائفية بين مكونات البلد الواحد لتفكيك هذه الدول وإضعافها وإثبات أن التعايش مع المسلمين صعب ومن حق إسرائيل أن تطالب بدولة يهودية خالصة، ثم تغييب القضية الفلسطينية ورميها إلى الصفوف الخلفية وتغيير الأولويات لتصـبح هــزيمة التكفيريين أولا والتصدي للمخططات الإيـرانـيـة ثانيا أما القــضية الفلسطينية فليست أولوية الآن.
بالنظر إلى ما يجري الآن في المنطقة وما يتحقق من أهداف إستراتيجية لإسرائيل ألا يحق لنا أن نسأل: هل السياسة الأمريكية الخاضعة بالكامل للهيمنة الإسرائيلية وأنصارها في الكونغرس أوصلت المنطقة إلى ما هي عليه بالصدفة البحتة؟
عبد الحميد صيام