السياسة الجاهلة قناع للحقيقة

الإنسان والحقيقة، اثنان بالعدد، واحد في الماهية، ولكن مع ذلك نتساءل ما هما؟ ومن أين جاءا؟ وهل تعرفا على بعضهما؟ ولماذا يتنازل الحيوان العاقل عن الحق في الحقيقة؟ وهل تقوم السياسة الجــــاهلة بإبعاد الإنسان عن الحقيقة من أجل حرمانه من الحرية والمساواة والكرامة؟
ألا تكون هذه المؤامرة مجرد تزييف لحقيقة الإنسان؟ بل ما علاقة الإنسان بالحقيقة؟ ألم يبدع إنسانيته في السياسة المدنية التي تحميه من الطغاة؟ وبما أن ماهية الإنسان تكون دائما مؤقتة في العالم المادي، وأبدية في الفكر، فإن الإنسان لا يتعرف على الحقيقة إلا في الأبدية، ويتجاوز الزمنية، ولذلك فإن الإنسان حسب كتاب الوجود والزمان: «ملقى في حقيقة الوجود، ولابد أن يكون حارساً للوجود، وفي نور الوجود لابد للأشياء الموجودة ان تظهر في كامل ماهيتها».
فإذا كان الإنسان راعي الوجود، فإن هذا الراعي يعرف الحقيقة، بوضعها في الانكشاف، بيد أن هذا الأقرب إلى الوجود أصبح هو الأبعد لأنه قطع علاقته بالوجود، ما جعله كائناً بلا جذور، غريباً عن العالم وعن نفسه، يتحرك في فراغ العدم، فما مبرر هذا النسيان؟ ولماذا كل هذا الغروب في شفق الأصيل؟
بمجرد ما ينسى الإنسان حقيقة الوجود ينسى حقيقته ويلقي بنفسه في الضياع مع الدهماء، في صبح وجوده وعدمه هما الشيء نفسه. هكذا يتساءل هايدغر عن مدة هذا الظلام، هل سيظل منتشراً على العالم أم أن عقل الأنوار سيشرق من جديد، بل كيف يمكن لهذا السؤال أن يُسأل في عصر مضطرب، أصبح لا يسمع إلا إلى لغة الحرب. وعشوائية التفكير، التي لا تنظر إلى إنسانية الإنسان إلا في العدمية، فهل مات الإنسان إلا عندنا؟ ومن قتله؟ ألا يكون هذا الرحيل في الظلام سببا في موته؟، وكيف يمكن تفسير انتشار مقولة إن العدم هو المعنى الوحيد للحقيقة. والحال أن الإنسان مات، منذ أن ألقى بنفسه في حقيقة العدم، وتحول إلى راع للعدم، يحاول القفز على ظله، ولذلك فان هذه العدمية الهدامة التي تنشر الفوضى والرعب في العالم العربي لا يمكن التخلص منها إلا بالثورات العلمية، وجعل روح العصر تسكن بالقرب من الفكر والوجود، تلمع تحت أشعة شمس الحقيقة. ذلك أن أزمة العصر لا تحل بالسلاح، وإنما بالتحدي ومواجهة الفقر الفكري وهشاشة الأرواح الميكانيكية التي تمزج الزمان بالابتهالات.
لم يعد الفكر الذي يفكر بعمق في حاضره إمكانية أخرى غير التوجه بالنقد إلى العقل الأسطوري الذي يرى في الثقافة والفن والعلم والفلسفة والكرامة الإنسانية مجرد أمور لا قيمة لها الآن. فهذا الخطاب العدمي هو الذي أغرق الفضاء العربي في الظلام، ونشر الأوهام وغرابة الإنسان عن ماهيته، وانتقل من حيوان عاقل، إلى حيوان مفترس لنوعه. فالإنسان بقدر ما هو إنسان يسكن في جوار الحقيقة، ولذلك يتعين عليه أن يتعرف عليها ـ وربما سيكون ذلك هو الأمل الوحيد الذي ظل ينتظره هناك هادئا.
نعم إن الإنسان العربي أضحى غارقا في العدمية، وابتعد عن الفكر والتأمل العميق، بل والشوق إلى تأسيس نهضته الثقافية والعلمية، وتعود على النظر إلى التفكير الفلسفي كأنه أمر غير مألوف، واتخد من قياس الفعل الخلقي معيارا للحكم على الفكر الحقيقي، ولعل هذا بالذات ما أرغمه على النسيان وحرمانه من بناء مسكن الوجود، والسكن فيه، ذلك أنه بواسطة الفكر يصل الإنسان إلى الحقيقة ويتلقى التوجيهات والإرشادات من قلب الوجود، كما أن اللغة هي مأوى الوجود والانسان هو الذي يشيد هذا المأوى بفكره.
بيد أن أغرب الأشياء التي تثير القلق تكمن في تلك الأسئلة الوسطوية التي تهيمن على الفكر، وترغمه على السكن بجوار الأجوبة الجاهزة، التي يتم تزيينها بالمناهج الحديثة، ولكنه ينسى أنها إجابات عن أسئلة لم تنبت في تربته، بل يتم استيرادها مع التقنية، ولذلك نحن في حاجة إلى قيام تاريخ جديد للفكر انطلاقا من عقل الأنوار، كما تركه فلاسفتنا، على الرغم من عدم اكتماله، بنشر بذور الحقيقة في أرواح الاجيال الحديثة، فعقلنة المجتمع لا تتم الا بعقلانيته، والعقلانية لا يمكن استيرادها، بل تشيد بالمعرفة والعلم، والخير لا يأتي إلا من العقل، ورفض العقل هو الشر ذاته، فالذين يحاربون العقل، يحكمون على الشعوب بالعيش تحت ظلام الاستبداد. والعقل حق، والحق لا يضاد الحق، كما قال ابن رشد الذي كان يدافع عن مشروعية محبة الحكمة في المغرب الاندلسي.
لقد حان الوقت لأن نكف عن مطالبة الفلسفة بالمستحيل أو الرحيل، لأن ذلك سيعجل بانحطاط الفكر، والحكم عليه بالموت، لا نريد لهذه الأمة أن تستمر في الوجود بدون فكر، وتعرض نفسها للضعف. وبما أن الفكر كان هو شعار النهضة العربية منذ الفارابي وابن سينا وابن رشد، ثم علماء عصر النهضة، فمن الواجب أن تسمع هذه الشعوب المقهورة لنداء الفكر، ولو مرة واحدة في حياتها، لأن الاستماع إلى الوجدان أغرقها في الفوضى والتأخر، والجهل والانحطاط، وكان أحرى أن تتم العودة إلى عقل الأنوار بدلا من الادمان على الانفعالات والوجدان. الواقع أن هناك طريقين، لا ثالث لهما، طريق العقل، وطريق اللاعقل فالأول يقود إلى مملكة الحقيقة، ويمنح بطاقة الإقامة في تاريخ العلم، الذي استعاد سؤال التنوير إلى الضفة الأخرى من البحر الابيض المتوسط. أما الطريق الثاني فإنه يؤدي إلى الأوهام والأساطير، ويؤشر إلى الإقامة في تاريخ العدمية والخضوع لألاعيب السلطة، ويحرم الشعوب من الشجاعة على استعمال العقل في القانون والدين والأخلاق، وهذا موقف مضاد لشعار التنوير، كما تداولته فلسفة الأنوار: لتكن لك الشجاعة على استعمال عقلك. «ومن المؤسف أن يكون هذا الطريق هو الذي تسير فيه الشعوب العربية، على الرغم من أنها لم تختر، ولكن هناك من يوجهها: إنها العائلة المقدسة التي ترث السلطة والشعب والثروة. فالشعب نفسه يتم تحفيظه في السجل العقاري: شعبنا ملكيتنا. فما هي الحياة إن كانت فارغة من الحقيقة؟ وهل العبودية مجرد سلب الحياة؟ وهل الحرية عبارة عن استرجاع للحق في الحياة؟ بل هل أصبح هذا الشعب مفتقرا إلى معلم يهديه إلى الغاية المقصودة؟ ألم يجد في أبنائه من يستحق هذه المهمة؟

٭ كاتب مغربي

السياسة الجاهلة قناع للحقيقة

عزيز الحدادي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية