ليس هنالك حتى الآن اي دليل راسخ حول وجود سياسة خارجية قوية، فاعلة، وفعالة لإدارة الأزمات لدول مجلس التعاون الخليجي سواء مجتمعة أو منفردة. ومما يتضح أكثر هو عدم وجود اي نوع من التوافق الداخلي او الخارجي في ادارة الأزمات.
ليست هنالك دبلوماسية قوة ناعمة مؤثرة تمتلكها هذه الدول، والقوة الخشنة (العسكرية) تظهر فقط من خلال صفقات الأسلحة الخيالية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
أما نتائجها فظهرت مع الحرب على اليمن. يتضح تماماً أن أبجديات السياسة الخارجية مفقودة، وهي تقوم على ردات الفعل وحياتها قصيرة، أي أن تأثيرها مرتبط ليس بقوة وقدرة دول مجلس التعاون الخليجي، بل فعل وتأثير الآخر.
عملية إتخاذ القرار في السياسة الخارجية من أهم واصعب العمليات داخل مؤسسات الدولة وازدادت اهميتها بعد الحرب العالمية الثانية في ضوء التغييرات التي حدثت في النظام الدولي والتغيير في الانظمة السياسية الداخلية. هذه الأهمية تبعتها تغييرات مهمة في آلية صنع القرار، أهمها اللافردية.
فمجلس اتخاذ القرار يضم ما بين 7 إلى 12 شخصا منهم رئيس الدولة ووزير الخارجية ومستشارون وسياسيون، وتتغير الأرقام والأشخاص وفق الحالة والحاجة. وهو ما تفتقده دول التعاون الخليجي، ليس لعدم وجوء كفاءات قادرة بقدر عملية الانفراد بالقوة والقرار. وهذا ما تثبته قمم ومؤتمرات وزراء الخارجية العرب وما يؤكده أن صاحب الكلمة العليا هو فرد لا جماعة، فهي لا تخرـج بقـرارات فعالة وإن خـرجت بقرارات لا تُنفذ لضـعف مؤسسـات اتخـاذ وتنـفيذ القـرار.
وتظهر هذه المشكلة في الأزمات التي تواجهها هذه الدول وآخرها الأزمة الخليجية بين السعودية والامارات والبحرين وقطر. فما ظهر جلياً أن هذا مأزق لم تحسب له قطر حساباً، ردة فعلها المتأخرة ظهرت في تصريح تندم فيه على ما قامت به السعودية والإمارات وتصريح آخر اعلن فيه مجلس الوزراء عن تفاجئه مما قامت به السعودية والامارات والبحرين، ادلة على عدم وجود اي خطط بديلة في سياسة قطر الخارجية، فالسياسة الخارجية لا تقوم على شركات العلاقات العامة وقدرتها على تحسين اي صورة مشوهة.
من أهم عوامل وجود سياسة خارجية ناجحة هو استقلالية القرار، أي عدم وجود تأثير خارجي من أي شخص أو دولة على صانعي القرار. وهو ما تفتقده دول مجلس التعاون الخليجي، فنرى أنها تقع في فخين.
الأول: وهو الاعتماد على ردة الفعل في اتخاذ قرارات سياساتها الخارجية.
الثاني: هو وقوعها تحت تأثير دول أخرى كالولايات المتحدة، بشـكل يُفقدها سيادتها الخارجية وقدرتها على الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها. كما أنها تفتقد إلى القوة الناعمة في حل مشاكلها وتحسين صورتها أمام العالم. والفشل في اليمن من أكبر الأمثلة على فشل القوة الناعمة والعسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي في حل مشاكلهم بينهم، وبين دول أخـرى.
عودة للأزمة القطرية الخليجية، يتضح جلياً أن القرار بمقاطعة قطر من السعودية والبحرين والامارات والمالديف ومصر وليبيا لم ينبع من وجود قرار سياسي مستقل، بل هنالك تأثير امريكي على القرار السعودي الإماراتي تبلور بعد زيارة دونالد ترامب، وتأثير سعودي إماراتي على المالديف ومصر والبحرين سياسياً واقتصاديا. حيث خلقت زيارة ترامب تغييراً في اتجاه القطب الأمريكي من قطر في عهد اوباما إلى السعودية في عهد ترامب، فليس سراً أن للولايات المتحدة دورا في ما يحدث وليس هذا جزءاً من نظريات المؤامرة. بل أكدته تغريدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدعم القرار السعودي ومهاجمة قطر. وقد ركبت إسرائيل الموجة وقامت قناة إسرائيل الثانية بعمل مقابلة مع مواطن سعودي يدعو فيها للتعايش ، في الوقت نفسه الذي قاطعت فيه السعودية قطر.
قوة السياسة الخارجية تكمن في مفاهيم عدة كالعمق الاستراتيجي، القوة الناعمة والقوة العسكرية والعلاقات الجيوسياسية فبينما سعت الدول الأوروبية إلى خلق هذا التشكيل وتقويته بالرغم من الاختلافات الجذرية والتاريخ الدموي بينها، إلا أنها فهمت أن الحفاظ على مصلحة الدولة العليا لا يقوم دون خلق عمق استراتيجي وتقوية المكانة الاوروبية كجماعة وافراد. وهو الدرس الذي لم تتعلمه دول الخليج، حيث تُشكل دول الخليج مجتمعة عمقاً استراتيجياً وموقع جيوسياسي مهم في العالم وأي خلل في اي دولة ستؤثر بالضرورة على باقي دول الخليج العربي وتضعفها.
وقد شهدنا ذلك في الحرب الإيرانية العراقية حيث شكلت العراق عمقاً استراتيجياً لدول الخليج. ثم فقدت السعودية العراق كعمق استراتيجي وفقدت إيران قبل ذلك، وهي في الطريق لأن تفقد عمقا استراتيجيا آخر يتمثل في قطر. وقطر الآن في موقع يجعلها قادرة على خلق تهديد جديد واقامة تحالفات جديدة ستؤثر سلباً على السعودية وباقي دول الخليج العربي سياسياً وعسكرياً.
قطع العلاقات الخليجية اذابت الثلج عن حقيقة غياب الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي، وأظهرت أن تحالفها غير مبني على أسس مصالح مشتركة اقليمية ودولية، بل نتيجة مؤثر خارجي وليس فهم للمصالح الداخلية للدول. الأزمة الحالية خلقت شرخاً لا يمكن اصلاحه بسهولة، والوضع القائم لا يُمكن أن يستمر. وأمام دول الخليج وخاصة قطر حل من اثنين وليس فيه منتصر، فإما تقديم تنازلات ستعقد الأمور أكثر وتُخضع دولة لأخرى أو تغيير خريطة التحالفات في المنطقة.
ويأتي هذا نتيجة عدم وجود استراتيجية سياسة خارجية وتوثيق للعلاقات ومفاهيم الأمن القومي لدول الخليج إضافة لعدم وجود استراتيجية سياسة خارجية واضحة بل الاعتماد على ردات الفعل في تحديد هذه الدول لتفاعلاتها السياسية، والانفراد بصناعة القرار، أوصلت دول الخليج إلى طريق مسدود تتأثر فيه بغيرها وتفشل في الحفاظ على سيادتها وحماية نفسها بنفسها. فهي سياسة خارجية وليدة اللحظة وحياتها قصيرة ولا تعتمد على مصادر القوة الخليجية.
كاتب عربي
صلاح الدين أبو حمدية