في السّير الذاتية تتمظهر الوحدة المكانية بتجليات حيوية، لبعد تأريخي يحتوي بين طياته بعداً آخر ميراثيا مخزونا في الذاكرة. تفرزه عدة دوال أدت إلى توالد أفكار على شكل أجيال. شكل المكان صوراُ تتأرجح ما بين المخيال والحقيقة، التي لا تشبه الصور نفسها لو تماثلت في لحظة اكتئاب مثلاً. تكتسب الدلالة طاقة إنسانية عبر تمثيلها للسيدة ريتا كمحور روائي وضعت على جسد الكاتب أجنحة من بلور وهالة من الفرح، قللت من وزن هيكله الكتلي على الأرض ليسمو بأجنحة فراشات الوله إلى عالم السرور، فازدهرت الأماكن بكل وحلها وطينها وخصب طبيعتها، وانكفأ على شوارعها لأنها أصبحت أُطراً لمنظر خلاب أو للوحة تشكيلية لا قدرة للمتلقي فكُّ رموزها، بل يعيش بها لفترات الذهاب في عالم الحلم، وتشتت الأفكار والاحتواء. تتمتع فرشاته بخاصية شديدة الفرادة وشديدة النوعية على مستوى المكان والحضور، حيث يصف «البحار» ويكثف شعرية روحه في احتدام المشاهد العينية على مستوى الرؤية في الالتحام الشخصي – المكاني وتوسع مكانه بفضاء روحي لتقمصه طاقات أدبية موحية في كثير من مناطقه السردية، تنطوي تحت مناطق تتوسع إبداعيا تفرز سحر الوصف «كنت منتشيا حد الركوع في الصمت الذي جاء إلى وقته أهتف في نفسي: «أنها من النساء اللطيفات اللاتي يشبهن قطرات العسل عدت إلى قلبي الذي ساقته العواطف أحلم … سمعت ريتا تغني: «لقد كنت معك في داخل عقلي وفي أحلامك، هلو …». يغطي دائما سماء اللوحة المشهدية بألوان دلالية من السعادة وتنويعات نحتاج أن تكون في الأدب اليوم المكتظ بافرازات المرحلة ودخان بارود العيش ببديل إيقاعي. إن درجت روايته تجنيسياً ضمن «أدب الرحلات»، فأثارت الحس العاطفي بإيقاع نغمي تشتهيه العين والنفس ويغبطه الفكر عند مناطق التجلي والخروج من دائرة المكان الحالي إلى المحيط بكل أتربته إلى الاسترجاع الذاكراتي لجمال مكاني وصخب شعري إنساني ملّح. «صمت تدفق في داخلي متصاعدا، يغط فيه خافقي ولا أعرف مكانه، خرجنا من المرقص تقريبا عند الساعة الثانية والنصف صباحا، وقفنا على الرصيف، عانقتني وقبلتني ثم وشوشت في أذني: لا تنس.. هززت رأسي أعلن موافقتي وفي داخلي رفض لم أستطع كشفه حتى بعد ابتعادها عني، لتضيع بين الناس كضياع حبة سكر في بحر».
القطع المطرية في تشكيلها اللغوي وتحبيب الأمطار العنيفة وقد ألبسها من رذاذ اللغة ثوبا زاهرا لم تكن سوى أمطار روحية عنيفة تحتاج إلى مناطق مكانية خالية من البشر، إلا القلة بهياكل هاربة، وهي لا تستمتع بهذه التجليات التي تنطوي تحت جلبابها الفروسية الرجولية واختراق القيود الموضوعة لأُطُر مجتمعية، لنزعة الروح بالاختراق والحفر والغوص بمباهج الإنسانية المنتشرة على بساط أحمر من الحرية الشخصية.
والمفرقة الإيقاعية الصادمة بين ما هو موجود وما واجهه رغم عدم اكتراثه لماضيه في الرواية، على أن قيود مكانيته الأولى غير واضحة المعالم واندماجه بالمحيط الجديد وعدم وجود شاد إلى الخلف في كل المناطق التي ولجها على أنها تندرج ضمن حب المغامرة، لأنه تحدى غضب البحر وولوج الأهوال وغضب الطبيعة لأن مهنته بحّار. فهطول الحناجر الهادرة واصطخاب الموسيقى والرقص، وقوة الحضور لشخصيته تعاكسه إيقاعية الهمس الدافئ والهدوء والرومانسية التي تتنفس زفير الشوارع وتشرب كؤوس المطر المترعة بالحب، وتتلفع بضياء الرعود التي تتقيأها السماء. ولكنها لا تشكل سوى بخار من الغبطة ينساب برفق وزهو بظل الحقول الباهرة لعين المقامر والمغامر، حيث يعتمل في مناحي بعيدة عن المصاعب.
طغت ذاتيته فمن العنونة اختزل لنا الروائي حسن البحار غزوته في مجاهل الأدب والماء والمكان ووحشية التصور بركوب عباب المحيطات، بأن المياه الزرقاء مضاءة بقمر ليكون الكاميرا يصور بها أماكن غزوته وفق انفتاح حرّ وحيوي ودينامي حركي على منطقة التلقي . فروايته أُدرجت سلفا في أدب الرحلات. إذن فالمكان أكبر من مناهج الإنسانية، ولذا أبرز لنا أن الكثير من الشعوب ومنها شرق آسيا تحب الحياة أكثر من أي شيء، ليعادل التهتك والاستهتار بحياة الشعب العراقي وعدم العمل لصنع حياة تنمو كالنخيل وتورق كالزهور ويفوح منها العطر، كما يحاول أن يبرز الحياة بالمعادل الموضوعي لكونه ناقلا حيا عاش وسط أفراد، حياة لم تكن لاهية عبثية أو مائلة إلى الاتكال والتشرد، بل تمتلك، مع زحمة الصراع العملي للحصول على لقمة العيش الكريمة، والهم والتعب المضني، كمية كبيرة من الفرح لكي تتوازن، وأن لها طقوسا لا تتخلى عنها رغم الحضارة، بل استثمرتها لصالح هذه العادات السنوية التي وظفت داخل الرواية على أنها مصادفة مع وصوله. يحتفظ «البحار» باشراقة ضوء سحرية يهب قلب العوالم المزججة بالمرايا لعكس الضياء، ومن الداخل يتعاظم الظلام بحركية وانطلاق فيه رغم تدفق للحياة. فهو بداخله الطفل الذي يلعب كثيراً ليرش الرذاذ البهيج على الوجوه، يشتغل بحث الفتنة الساحرة، نعم لا تمتلك الرواية تكثيفاً لغوياً شعرياً، وبعض الرواة الصنّاع إلا أنها تحتوي الكثير من القطع النثرية لو اقتطعت لأصبحت قصيدة ومضة، وعموما أدب الرحلات عين تصور ولسان يذكر ولكن بثوب أدبي وجمال الناقل ثقافته فحسن يمتلك منها الكثير وبوسعه ملء المساحات المهجورة في الروح بفيض من الحب وحمل المتلقي وتغيير معالم مكانه، حيث يضعه في قلب تلك الصور بحضور فاتن للقارئ الكلي وليس القارئ المفتوح أو المتخصص الذي لا يعيش بل يقيّم .
وقف «حسن البحار» أمام مرآته في منطقة الوسط وزود روايته بمنطلقات شخصية بعينيه، بالإضافة إلى تبلور فكرته للبوح الشخصي بعد انسلاخه من التفاعل الداخلي. فكانت لديه حركة مسرحية على مستوى النص، وكمية من الفهم الروحي لمقدار الإضاءة التي يهبها لكي لا يؤثر على نفسية المشاهد وعينيه بكتابة مائية بحرية مطرية وانتقالات أكثر رطوبة وليونة وحياة، مع ابتعاد عن المماحكات الطبقية والغيض والتنافس الرجولي.. «ارتميت بحضنها منحنيا لها، شبكت يدي خلف ظهرها ومثل مشهد حب من فيلم رومانسي حملتها على صدري أتشمم عنقها أغوص عميقا.. عميقا جدا في بحر رائحتها، كان وزنها خفيفا يلف دفء اللقاء، أحطها على صدري مبتهجا أهتف: أين كنت؟»
كان غماز الوجنات لكاميرته بارعا وباهر السطوع على وجه القمر واشتغاله كآلة تنقل وتدون في الخواطر معالم المدن وحدود المكان وعادات وتقاليد، وعلى المفارق المتروك من ماضٍ حافل بالأسى والحزن، وكثرة الإحباطات والانكسارات والخسائر المستمرة على صعيد واقعه المعاش، إذ يلتفت إليه عبر بنية المكان الروائي، فيقول في ص87 «ألقي بأسئلتي على جسدي الذي مسّه انكسار الوقت ورعشة لا تحل مذاق الاستمتاع، أتابع بعيني دنيا تدور وبمخيلتي أقطع ميلا بعد ميل ألوذ بصمتي، أنصت ولا أنصت إلى لغو رفيق سيري العذب رئيس الضباط».
فماضيه مزدان بسلال الفقد وصور المتروك يحملها بين جنبيه أثناء وقبل وبعد الكتابة، مع هذا كان ينتقل إلى مناطق الفرح والمباهج بلغةٍ يتنفسها القارئ وهو يخلع شرنقته اليومية المحتدمة بالدماء والفقد والعبوس.
تتجلى ذاتيته بانفراد تمركزي وحدي رؤيوي يتوازى حضور الذات الراوية المتلهفة للمجاهل والغوص في الانتقال في الغياب وعن غيابها كشخصية ماثلة ومن الحضور الآني. انطوت الرواية على سردية مباشرة بفيض ملذات، لكنها جميلة لذيذة التشبع والانتقالات الوصفية، باستعادة شريط ذاكرته وتوهج الانفعالات مع بعد المسافات بين الأنا الحاضرة والأنا الغائبة عند عتبات المكان، لإخبار كان يبعث الرضا والتجول يحيط بالعقل بشتى المناطق يحتاج المتلقي الاحتفاظ بها للتمني بذاكرتها الحية المتوهجة، تشعل في الفراغ شهوة الاشتعال والاحتمالات تدشن الذات بعناء المكابدات الميكانيكية والطغيان على مساحة الزمن في الرواية لأنه ماضٍ وهنا يقول، «قلبي تهزه الذكريات هزّ الزلازل للحياة.. إذن وفي علم من خافقي المضطرب الحزين، فكان المطر يزداد والبرق يرسم الغيوم السوداء خطاً متوهجاً متعرجاً يتعالى منه الألم في الصدر».
فالانتقال بالأرض حيث أولدها بهجة وشتاء كان ربيعيا في المظهر والمأكل حيث اللاشكوى، وحيث الأرض أخرجت أثقالها.. طاقة التزيين لديه مفعمة بمفرداته وكثرتها وروحه الطامحة، وفضائه المروي كلّي يحتوي التداخل ما بين الفضاء والمكان يبعث الأنس والرغبة، أخفى المجاميع إلا نادراً وكسر طوق القانون وتعدى حدود الالتزام المفروض الذي اعتاده وفرض عليه، وكانت لديه ثقة بنفسه وأبرز معارفه وعلميته، ففي صفحة 61 «نسيوس»، «الجو بارد شبه غائم.. وأنا اعرف ما يفعل هذا الجو في هكذا مدن تقع على البحر، فالغيوم تأتي فجأة تحجب الشمس وتمطر بغتة».
احتوت روايته على ومضات شعرية متنوعة ففي ص 88 يقول:
«أسوق قدمي عبر شوارع ذاكرتي
التي صارت مشرعة الأبواب والنوافذ
تمد النظر صوب «دوماي» تسمع الزغاريد الشاردة
أأنا الهارب من كأسي أمام الناس مترنحاً؟
أم السارق الأمطار من الجمال؟
وفي ومضة مكثفة يقول:
«غنيت حتى استراح البكاء»
وفي صفحة 126 يقول: «الظنون تراقص الليل وأنا هناك وحيداً أستغيث من صراخ الأمنيات»
عموما عند قراءة رواية «بحر أزرق – قمر ابيض «تعرّف وانطلاق إلى عادات شعوب شرق آسيا وأحلام السفر وموازين النفوس، بالإضافة إلى استشفاف أن القنوط واليأس لا يتماشيان مع نبض الحياة المتدفق ولا بد من الخروج من أطر الروتين وقطع حزام الالتزام لوهلة كي تستمر الحياة.
٭ شاعر عراقي
عيال الظالمي