لا حديث لأحد هذه الأيام سوى عن الدولار وارتفاع سعره، أو بالأصح انهيار الجنيه المصري أمامه. بالطبع هناك كلام و ثرثرة عن مواضيع أخرى ككرة القدم وتحليلات تدور حول توابع انقلاب تركيا الفاشل وتكهنات بما يحمله المستقبل لهذا البلد المهم في منطقتنا لأسباب عديدة أقربها تاريخياً دوره الراهن المتعاظم والمتداخل في أوضاعنا وانعكاس متغيراته على بلدان المشرق العربي…ولا يخلو الحديث و»طق الحنك» من فكاهات (وربما تراها سماجات بحسب موقعك في المجال العام والخريطة السياسية) من عينة اعتراف إعلامي/ أستاذ جامعي بأنه اكتشف في ومضة من صحوة الضمير أنه ضل الطريق…
لكن الحديث عن الدولار وسعره والإشاعات حوله شأن متصل للمهتمين بالشأن العام، وفي الحقيقة فليس ذلك سوى عنوان، أما صلب الموضوع فهو: الخوف…الخوف من المستقبل ومن قادم الأيام…وحدسٌ باقتراب الانهيار في هوة الإفلاس.
حتى إن صمت الناس، أو تظاهروا بتجاهل الأمر، أو أكد بعضهم بأن الله سيفرجها، وأن الشدة إلى زوال و ما إلى غير ذلك من «كليشيهات» معدة سلفاً وجاهزة للاستهلاك كالرقى والتمائم لبعث طمأنينة ميتة وتفاؤل من بئره الجافة، فإن ذلك لا يبدد خشيتهم والأسباب كثيرة. فالواقع الاقتصادي الصعب، بل المنهار بكل المؤشرات يفرض نفسه بقسوة على الناس، وهو حاضر في كل لحظة، وإذ يشكون على اختلاف طبقاتهم واحتياجاتهم من الغلاء الكاوي، فإن مجمل الأوضاع الاقتصادية التي يبرهن ارتفاع الدولار على ترديها يؤذن بالمزيد من الغلاء والمشقة والإملاق في حال الطبقات المعدمة التي تشكل ما يقارب ربع السكان، ناهيك عن كون البقية الغالبة لا تتمتع بوضعٍ أفضل كثيراً.
والحاصل فإن نشوة الأماني والطموحات غير الواقعية قد تبددت، وأفاق الناس على ذلك الخطأ القاتل والمتمثل في خلق أسطورة المخلص وارث عبد الناصر بسيفه وحصانه ( وساعته الأوميجا) الذي سيعدل الميزان المختل، فقد أثبت الرئيس السيسي أنه دون التوقعات، وأن بريقه لم يكن إلا انعكاساً لأحلام وأمنيات جمهور مهزوم سرقت ثورته وأفاق على حال بلد كان يحسبه كبيراً ومهماً فإذا به مترهلاً كسيحاً فاقد النفوذ…إن تلك الذات الجريحة كانت تنشد الثأر لكرامتها والتعويض فجعلت من أول داخل على المسرح بطلاً، لكن تبين أنه رجل الصدفة، أو القدر أو أيهما شئت بلا ملكات أو رؤية. بيد أنه قضى من الوقت ما يكفي لأن يكون هناك حديث عن كشف حساب، وهو في المجمل يكشف غياب رؤية متأصل وعميق يجد مدده في نزق واعتداد بالنفس لا يتيسر إلا للعظماء وفلتات التاريخ…أو شديدي الجهل…
وُعدنا بالكثير.
وُعدنا بتفريعة جديدة ستدر رخاءً غير مسبوق. وعدنا بما يقارب المئة وسبعين مليار دولار استثمارات في مؤتمر اقتصادي طبل له النظام وأبواقه ما طبلوا. وعدنا بجهاز معجزة سيعالج آلام الناس…كل الأمراض المزمنة المستعصية تقريباً…لمن صدقوا بالفعل من الناس الطيبين الذي أفنوا أعمارهم في تدهور ينتظرون فرجاً لم يأت (و يبدو أنه لن يأتي) وللقلة الذين أرادوا التصديق رغماً عن عقولهم بُنيت أمام عيونهم مصر جديدة، وردية، مشرقة، تنهض من تجريف العقود ثريةً تنعم برخاءٍ غير مسبوق…
لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل على العكس، فكل الشواهد تنبئ بانهيار وشيك، فلا الرخاء أتى ولا الجهاز عالج أحداً (وأثبت أنه مهزلة السنين). وفي ظل تراجع حركة التجارة العالمية لم تثبت التفريعة الجديدة أي جدوى تذكر، و بالتالي نستطيع الحديث عن ردم مليارات من الدولارات في المياه بالمعنى الحرفي في بلد على شفا الإفلاس لا يملك رفاهية كتلك. والنيل، سبب وجود مصر، مهدد والفشل في حمايته وحماية حقوق مصر التاريخية ناطق صارخ.
وعدنا بقصاصٍ عادل فإذا بكل رموز عهد مبارك في السياسة والاقتصاد خرجوا، والبعض يتصالح الآن.
عشرات الآلاف في السجون، مختفين قسرياً ودون محاكمات. سياحة تتراجع. يلومون الإرهابيين، وهو حق، لكنهم ينسوون ريجيني والسياح المكسيكيين الذي تفحموا من قصف قوات الجيش لهم ساعات عدة.
لن أتحدث عن المهازل والتصريحات العبثية ووقائع الجنون والعالم الغرائبي الذي يذكر بأدب أمريكا اللاتينية لأن سيل الأمثلة أكبر من أن يحصى في «شبه الدولة» تلك بشهادة الرئيس السيسي.
قلقٌ وخوف و شبه يقين بكارثة وشيكة، والمزيد من التضييق ورفع الدعم، وفي خضم كل هذا لم ير رجالات النظام أي مبررٍ أو داعٍ لأن يخرج أحدهم علينا ليوضح ويشرح، فالناس لا يساوون، و مبدأ «لا أريد أن أسمع كلاماً» لا يروقه قد كرسه الرئيس علناً في خطبه التي يرتجل فيها ليتحفنا.
ليس التاريخ من الجمود بمكان ليحاكي عمليةً حسابيةً محكمة، فكثيرة هي العوامل و المفاجآت التي تؤثر فيه وقد تغير مساره، إلا أنه من الطبيعي أن نتوقع أن مقدمات بعينها تؤدي بصفة عامة إلى نتائج متوقعة منطقياً، من عينة «من جد وجد ومن زرع حصد»… الخ. وعلى ذلك فإن ما وصلنا إليه الآن هو نتيجةٌ منطقية لممارسات هذه النظام، والمدهش حقيقةً هو أن أحداً كان ينتظرشيئاً غير ذلك…
لكن الناس كانوا يخدعون أنفسهم.
لم يرث السيسي من مبارك دولة مترهلةً بأدوات بطشها فحسب، و إنما ورث نظاماً بانحيازاته الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية.
الدولة = السيطرة التامة. القائد الواحد والصوت الواحد. الأوامر والطاعة العمياء والتراتبية الصارمة، والعنف اللامحدود ضد من يخالف. ذلك هو مفهوم السيسي للحكم، مبلغه من العلم، وقد وجد كثيرين يمجدونه ويقنعونه بأنه جهبذ، حكيم، وطبيب الفلاسفة وليس من شكٍ لدي بأنه يؤمن كغيره من ضباط المنظومة الأمنية بأن خطيئة مبارك الكبرى لم تكن سوى السماح «للكلاب» بالنباح فقرر هو إسكات الأصوات.
ورث إيماناً غيبياً وغبياً بـ «السوق» ذلك الصنم الغامض. بآلياته…بأنه الحل وبأن إملاءاته و إشاراته هي الدليل والهادي الذي يجب أن يتبع، وأن لهذا الهيكل سدنةً في صورة خبراء اقتصاديين يعرفون الوصفة والعلاج. لكن المفارقة المضحكة للغاية هي أن السيسي وطغمته من العسكر لا يفهمون شيئاً في اقتصاديات السوق تلك، ناهيك عن الاقتصاد بصفة عامة أو أي شأنٍ عام، و إذا وجدوا من يمجدهم على ذلك فلم الاكتراث؟ لم يسعوا إلى المعرفة؟ ما يعرفونه من المتوارث وما أفرغته البيئة والمحيط المباشر يكفي و يزيد فهلوة.
محكوماً بانحيازاته ومتورطاً بضعفه في بلد منهك ليس لدى شعبه احتياطي يمضي السيسي في خطه حتى النهاية، ولكي يبقي المركب طافياً فإنه يستعين بـ «الأرز» الذي يرفده به رعاته وداعموه الإقليميون، مما يجعله يغوص أكثر في المستنقع، ومن ثم لا يجد مفراً من الاعتماد عليهم أكثر فأكثر واللجوء إلى إسرائيل التي ورث من سلفه المخلوع أيضاً إيماناً بامتلاكها لمفاتيح كل المشاكل، والنتيجة هي انخراطه في دور تابعٍ في تحالف وترتيبٍ إقليمي رجعي بامتياز أطرافه الظاهرة حتى الآن مصر والسعودية والإمارات… و إسرائيل.
هناك قلة من الصحافيين الذين تحمسوا للسيسي يوماً ما وتصوروه، لسبب ما أجهله، باعثاً لمجد عبد الناصر، وها هم اليوم ينوحون ويحذرون كزرقاء اليمامة.
بعيداً عن أي قوالب جامدة أو تصورات ميكانيكية للتاريخ، فإنني أستطيع أن أقرر بثقة أن السيسي يمضي إلى خراب أكيد، وأن ما نشهده ليس سوى خطوة على الطريق …نحن لم نر النهاية بعد، والرجل لا يملك لا القدرات ولا الرؤية ولا الإرادة ولا المعرفة لتغيير مساره.
غاية ما هنالك أنه يشرف بقبضة حديدية غليظة على انهيار بلد يشهد تمزقاً لم يعرفه في تاريخه القريب، كما يعجل بهذا الانهيار بسياساته التي تجمع بين الخيبة والطيش فيزيد الناس إفقاراً والتناقضات الاجتماعية حدةً، وقد دخل مؤخراً مع جزيرتي تيران وصنافير مرحلة البيع العلني للحفاظ على نظامه.
يجوز أن هنالك من لا يزالون ينتظرون معجزةً ما تنقذهم…عن نفسي لم أر معجزةً غيرت مسار مصر في الخمسين سنة الماضية ولا أتوقع حدوثها الآن.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل