رغم تركيز المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية، السفير علاء يوسف، على الطابع الاقتصادي لزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي بدأت أمس إلى روسيا، وهو اللقاء الثالث بين رئيسي البلدين في مدى عام واحد (آب/أغسطس 2014، أيار/مايو 2015، وآب/أغسطس 2015)، فإن قصرها على الاقتصاد لا يمكن أن يفسر وحده هذا الإلحاح على اللقاءات الرئاسية المستمرة بين الرئيسين المصري والروسي فطبيعة الأوضاع التي يمرّ بها العالم العربي، وتحاول روسيا ومصر لعب أدوار رئيسية فيها يجعل من التفسيرات الاقتصادية البحتة أسلوباً للتجهيل والتعمية، فالاقتصاد هو الحلوى التي تغلّف الصفقات السياسية.
ترغب القاهرة في توقيع أول عقد شراكة مع شركة «روس آتوم» لتنفيذ وإدارة المرحلة الأولى من مشروع المفاعل النووي المصري الأول لإنتاج الكهرباء، كما أنها تأمل في استثمارات روسية، وخصوصا في مجال الطاقة، كما أنها تسوّق في موسكو لإقامة منطقة صناعة حرة روسية في منطقة قناة السويس، مقابل تسهيلات استثمارية لرجال الأعمال الروس.
بصفتها الطرف الأقوى في المعادلة، تتعامل روسيا مع المشاريع والطروحات والعروض باعتبارها إمكانيات مفتوحة لفرض إلزامات سياسية، فيما تقوم مصر، وهي الطرف الأضعف، بإظهار محاولات للامتثال، وهو ما يجعل كل المشاريع والصفقات المطروحة محط أخذ ورد ومساومات، فموسكو ترفض مثلا الالتزام بإتمام مشروع المفاعل النووي خلال 3 سنوات، كما أن لها شروطها حول الدعم الفني بعد انتهاء عقد الإدارة والتشغيل، والظاهر، حتى الآن، أن الإغراءات التي يطرحها السيسي على بوتين حول الاستثمارات لم تجد آذانا صاغية لعدم وجود معادل سياسي مكافئ لها.
ينطبق ذلك أيضا على صفقات السلاح، التي روّج المصريون إلى أنها ستكون خياراً بديلاً عن السلاح الأمريكي بشكل يفتح مجال المناورة أكثر للقاهرة في علاقتها التي لا تزال باردة، رغم كل محاولات الإنعاش الاصطناعي، مع واشنطن، التي تحاول ما استطاعت التغاضي عن ممارسات المؤسسة الأمنية ـ العسكرية المصرية ضد الاجتماع العامّ المصريّ من خلال تجريم جماعة «الإخوان المسلمين» ومطاردة القوى السياسية المدنية المعارضة للحكم.
نقطة التوافق الرئيسية بين الطرفين الروسي والمصري هي خط مجابهة جماعة «الإخوان» المصريين بالتحديد، كون هذه السياسة العامة تلتقي مع الخطّ الرسمي الروسي الذي يرى في المجتمعات الإسلامية المحيطة بروسيا، وفي دائرة الشرق الأوسط الواسعة، حواضن تهديد تاريخية لموسكو، وهذا يعود لعشرات السنين، ويسبق الحرب الأفغانية الروسية حتى.
توسيع هذا الاتفاق ليشمل المنطقة العربية والمناطق المشتعلة أمر فيه نظر، فموسكو كما القاهرة، الراغبتان في تطوير هذا الحلف السياسي وتفعيله لا تستطيعان، كل من جهته، تجاهل التغيّرات المستجدة الحاصلة، ويقف على رأسها التدخل العسكري السعودي في اليمن، والتدخلان العسكريان الأمريكي والتركي في العراق وسوريا، والاتفاق النووي الإيراني، وتعاظم خطر «الدولة الإسلامية» في مصر وليبيا.
الطبيعي والمنطقي أن تخضع مصر وروسيا سياستيهما الشرق أوسطية والشمال إفريقية لأولويات الصراع مع الجهادية السلفيّة المسلّحة، وهذا يستلزم خلق جبهة واسعة، ليس مع أمريكا وتركيا والسعودية فقط، كما اقترحت روسيا، بل كذلك مع جماعة «الإخوان المسلمين» نفسها، والتي تقاتل هي أيضاً «الدولة الإسلامية» في ليبيا، وكذلك تفعل أغلب التيارات الإسلامية في سوريا.
الصراع مع الإسلاميين والذي كان يمكن للجيش المصري، بالتأكيد، تلافيه لو أراد، وساهمت أيضاً في ترويجه بعض الجهات الإقليمية التي كانت ترى تحت كل حجر عنصراً مختبئاً من «الإخوان»، أدّى عمليا إلى وضع الحوثيين أيديهم على السلطة في اليمن، وتعاظم قوة «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا وباقي البلدان العربية، وتأجيج الصراعات الأهلية في ليبيا وتونس ومصر. الإشكالية الكبرى في العالم الإسلامي، والذي تشارك روسيا ومصر في تأجيجها، لا تحلّ بصفقات السلاح والاستثمار بل بمراجعة جذرية لحلف الاستشراق الروسي القديم مع نزعات الاستبداد العربية.
رأي القدس