القاهرة ـ «القدس العربي»: الأيام تجري بسرعة والعد التنازلي لاقتراب موعد انتخابات رئاسية جديدة يمثل منطقة غير آمنة لكثير من الكتاب، وبالتأكيد فإن الرئيس السيسي يدرك أن الوقت ليس في صالحه، فما تعهد به أمام الجماهير غداة انتخابه لم يتحقق منه الكثير، بل أن أوضاع الناس ازدادت مأساوية وقتامة، فبعد أن كان الناس يفتقدون في زمن الديكتاتور المخلوع مبارك لأشواق التغيير والحرية، ها هم عادوا للمربع صفر، بل يفتقدون بجانب الحرية رغيف خبز وملعقة سكر.
وفيما باتت قضية الانتخابات الرئاسية تغوي الكثيرين من كتاب الصحف المعارضة والمستقلة واصلت الصحف المصرية القومية، وأخرى تحذو حذوها الحديث عن إنجازات السيسي التي ما زالت في رحم الغيب، لكنه حقيقة ماثلة بالنسب للكتائب الإعلامية للسلطة التي تنشط على غير العادة في الهجوم على الحكومة والبرلمان، بينما تتحدث عن إنجازات أحرزها السيسي ولا ينكرها إلا جاحد.
وصحف مصر أمس الخميس 9 فبراير/شباط ازدانت كالمعتاد بصور الرئيس الذي خاطب الجماهير، وفي القلب منهم الإعلاميون قائلاً: «عايز أقول للمصريين، إحنا حاولنا السنين اللي فاتت تثبيت الدولة واستدعينا الإعلاميين، انتوا في معركة معانا من أجل مصر». وتابع «تداعيات حالة الثورة كانت كبيرة جدا، والمؤسسات تأثرت بشكل كبير، والنتاج مش قد المجابهة والتحدي اللي إحنا بنقابله في بلدنا».
كما اهتمت الجرائد على نحو خاص بالشاب ضحية المباراة النهائية للدورة الأفريقية، الذي قتل في أحد المقاهي في حي مصر الجديدة، الذي تقطنه الطبقة الثرية، وحرصت الصحف على التنديد بالمقاهي التي أصبحت المجال الأفضل بالنسبة لاستثمارات رجال الأعمال. كما اهتمت الصحف بالتغييرات الوزارية المرتقبة ووجد عدد من الوزراء أنفسهم أمام معارك طاحنة، إذ يطالب كتاب بضرورة إقصائهم ومن بين هؤلاء وزراء التموين والتعليم والزراعة والصحة والري، فيما استمرت الحروب ضد الإخوان المسلمين. وأمس الخميس وجد الإمام الأكبر شيخ الأزهر نفسه أمام هجوم ضار، شنته ضده كتائب إعلام السلطة الجديدة، بسبب إقرار هيئة كبار العلماء للطلاق الشفهي الذي اعترض عليه السيسي وإلى التفاصيل:
هل يجرؤ أحد على منافسته؟
تقول مي عزام في «البديل»: «لا أعتقد أن هناك فرصة حقيقية في الفوز أمام السيسي، ليس لأن السيسي يتمتع بشعبية كبيرة، فشعبيته تتآكل، ولكن لأنه الرئيس الحالى الذي يمسك بيده كل الخيوط، ويعرف دهاليز الدولة العميقة، ويتحكم في المؤسسات. فرصة الرئيس الحالي في فترة ولاية ثانية تكون أكبر كثيرا من منافسيه. في معظم دول العالم، حتى أكثرها ديمقراطية، خاصة في تلك التي تكون فترة الولاية 4 سنوات فقط، تميل الشعوب لإعطاء فرصة ثانية للرئيس ليتم ما بدأه. في حالة رضا الشعب عن أداء الرئيس، يكون الإبقاء عليه هو الاختيار الأفضل للناخبين، والأقرب إلى الصواب، ولكن مقابل ذلك نجد أن هناك حالات تمت فيها الإطاحة بالرئيس لو أخفق إخفاقا ملحوظا في الوفاء بعهوده الانتحابية في تحسين أحوال شعبه المعيشية. السيسي يقف في خانة الرؤساء الذين أخفقوا في تنفيذ وعودهم الانتخابية، مصر تعيش أسوأ أزمة اقتصادية، تسببت في ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق، لكن في المقابل، سيروج داعمو السيسى للاستقرار، بديل الرفاهية. فترة رئاسة السيسي شهدت استقرار الشارع المصري نتيجة القبضة الحديدية لأجهزة الأمن واستمرار العمل بقانون التظاهر، استعادة الأمن تعتبره نسبة كبيرة من الشعب المصري، خاصة كبار السن إنجازا يستحق به السيسي فرصة رئاسية ثانية. وتعتقد الكاتبة أن هناك عددا محترما من الشخصيات التي يمكنها منافسة السيسي، الحديث عن عدم وجود بديل لأي مسؤول، يتردد دائما في مصر والعالم الثالث، ليس في منصب الرئيس فقط، ولكن في كل مواقع الإدارة العليا، بالتحليل نكتشف أنه وهم، فهناك دائما بدائل وليس بديلا واحدا، وأعتقد أن هناك شخصيات سياسية ثرية (رجال أعمال) ليس لها تأثير ولا شعبية في الشارع المصري ستنافس في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خدمة لنظام السيسي، وحتى لا يتحول الأمر لاستفتاء وليست انتخابات. ويتم الآن الإعداد لمشروع صحافي سيواكب ظهور إحدى هذه الشخصيات لتقديمها من جديد للرأي العام، مثل هذه الشخصيات مكشوفة للشارع المصري، ولكن هناك شخصيات أخرى تحوز احترام المصريين، ويمكنها أن تتقدم للمنافسة».
فقيرة أم غنية؟
«المقصود بالطبع مصر.. هذا هو التساؤل القديم الجديد الذي أصبح محل اختلاف ونقاش واسع منذ أعلن الرئيس السيسي أن مصر دولة فقيرة في مواردها، لكن ذلك ينبغي، بحسب مكرم محمد أحمد في «الوطن» ألا يحول دون مضاعفة جهود المصريين من أجل تحسين أحوال حياتهم، وبصراحة شديدة فإن الإجابة عن هذا التساؤل كثيراً ما تحكمها أو تلونها طبيعة الخيار السياسي لصاحب الرأي، فإذا كان من المعارضة فأغلب الظن أنه سوف يبالغ كثيراً في تقدير إمكانيات مصر التي تقع على مشارف بحرين كبيرين من بحار العالم، وتشكل نقطة الالتقاء بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وبالطبع فإن الهدف الأساسي من التركيز على فقر مصر، رغم قدراتها الكبيرة والمتنوعة، هو إظهار ضعف القائمين على الحكم، وعدم قدرتهم على استثمار طاقات دولة غنية لم يحسنوا استثمارها، وقد يصل هؤلاء المعارضون في رأيهم إلى القول بأن مشكلة مصر الحقيقية على طول التاريخ ليس ضعف الإرادة السياسية وعجزها عن استثمار إمكانيات مصر الكبيرة التي لا تزال بكراً، ولكنه فساد عريق موغل في القدم، ينهب خيرات مصر أولاً بأول منذ أن أطلق أبو الطيب المتنبي، شاعر العرب، هجاءه الشهير لحاكم مصر، كافور الإخشيدي، لأن نواطير مصر نامت عن ثعالبها وقد بشمن ولم تفنَ العناقيد. وإذا كنت من المعسكر الآخر، معسكر المؤيدين، فربما يذهب بك شطط الانحياز إلى حد الإصرار على أن مصر فقيرة في مواردها الأساسية، وأن مساحة الأرض المنزرعة منذ حكم محمد علي لم تزد كثيراً عن المساحة الراهنة».
كروش أمنية
«طالب الرئيس عبدالفتاح السيسي رجال الشرطة بالتدريب، وهو يدعوهم لليقظة في تأمين الجبهة الداخلية من العمليات الإرهابية.. أكيد أن الرئيس يقصد بالتدريب أن يوجه رسالة إلى بعض قيادات الشرطة التي ترهلت أجسامها بسبب عدم التدريب.. صبري غنيم في «المصري اليوم» يؤيد الرئيس، لأن هذه القيادات بجانب أنها تتمتع بالذكاء والعقلية الأمنية التي تؤهلها للكشف عن المخططات الإرهابية والبؤر الإجرامية.. تفتقد اللياقة البدنية بسبب عدم التدريب.. فالبعض منهم أجسامهم تخشبت بسبب عدم الحركة، أو أصيبوا بالبدانة، فترى «كرش» كل منهم يمتد إلى الأمام مترين، وكأنه يحمل أمامه بلكونة فيصعب عليه مطاردة مجرم أو أن يقفز وراءه قفزتين. قد يكون المنظر واضحا لدى ضباط أقسام الشرطة أو الإدارات.. لكن في جميع الأحوال مثل هذا المنظر ليس مطلوبا في ضابط الشرطة.. فالضوابط في الوزن والمعايير في اللياقة البدنية أصبحت مطلوبة. الرئيس السيسي لأنه عاشق للرياضة تجد جسمه مثاليا إلى جانب أنه لا يدخن، لذلك تراه يتمتع بحيوية ومرونة في الحركة.. وقد يكون السبب في هذا أنه اكتسب من المدرسة العسكرية عادة التدريب، حتى أصبح التدريب اليومي عادة لا تنقطع، وأصبح أيضا جزءا ثابتا في برنامجه الصباحي، حتى في يوم الإجازة الأسبوعية.. قطعا رئيس في مكان السيسي يتمنى أن يرى كل من يعملون معه يتمتعون بهذه العادة، ويصبح التدريب جزءا من حياتهم.. ومن يتابع زيارات الرئيس المفاجئة للكليات العسكرية تجده يهبط عليهم كالباراشوت بدون موعد ويفاجئهم ساعة التدريب.. فالرئيس يرى أن أسعد يوم في حياته يوم يتجرد من البروتوكول ويرتدي ملابس التدريب، أو يستقل دراجة ويتحرر من الرسميات».
كفتة جديدة
نصل بالمعارك لوزير الري الذي يتولى أمره محمد البرغوثي في «الوطن»: «إذا كانت مصر تستورد 9 ملايين طن قمح سنوياً، بنحو 33 مليار جنيه حالياً، بسعر الصرف الجديد للدولار، فليس هذا معناه أن يخرج علينا وزير الري من قمقم تخصصه، ليمد يده في ملف الزراعة ببدعة علمية مفادها إنتاج القمح مرتين سنوياً في موسم واحد، ليجسد بذلك الدكتور محمد عبدالعاطي «كفتة» جديدة في مجال البحث العلمي المصري. الدكتور عبدالعاطي، يعيد إلينا إخراج ما تفتق عنه ذهن اللواء عبدالعاطي الأول عن «كفتة» فيروس سي، من دون أن يتبع أبجديات البحث العلمي، فينشر نتائج تجربته في مجلات علمية محكمة، سواء عربية أو عالمية، ليقدم مادة خاماً لتندر أهل العلم والخبرة في حقل الزراعة المصرية، قبل أن تتلقفنا جهات دولية فتسيء إلى سمعة مصر العلمية. الدكتور عبدالعاطي الثاني استغل عاطفياً حاجة الرئيس عبدالفتاح السيسي للنهوض بالاقتصاد المصري بكل الإمكانات المتاحة في مصر، وعلى كل الجبهات، ومنها جبهة الزراعة وإعمار الأرض، فاستجاب لأحلام باحث شاب في تقصير فترة النمو الخضري لحبوب القمح، وذلك بالضحك على هذه الحبوب بمنحها الوحدات الحرارية الباردة التي تحتاجها طوال موسم القمح الطبيعي، في مدة 15 يوماً فقط، وذلك بوضعها في الثلاجة تحت درجة 4 مئوية. السيد وزير الري لم يدرس في كلية الهندسة التي تخرج فيها سوى أسس الري القديم، كسدود وهيدروليك، وجسور، وتبطين، لكنه لم يدرس حتى مقننات الري للنباتات بأنواعها، فكيف إذن يسمح لنفسه بالتجاسر على تخصص يلزمه دراسة الخلية النباتية للتعرف على تشريحها، ووراثة النباتات للتعرف على جيناتها، كما يلزمه دراسة تربية النباتات وكيمياء وفيسيولوجيا وبيولوجيا الخلية، كي يجرى بنجاح تجربة إنبات حبوب القمح في طبق «بتري» تحت ظروف تبريد ورطوبة مختلفة».
ضحايا المقاهي
«تكشف الجريمة التي راح ضحيتها، كما يشير أحمد البري في «الأهرام» شاب كان يجلس في أحد مقاهي مصر الجديدة، خلال مباراة مصر والكاميرون عن مدى الإجرام، والمخالفات التي ترتكبها المقاهي التي تنتشر كالنار في الهشيم، بعيدا عن أعين الرقابة والجهات المسؤولة في الأمن والمحليات، فقد عثر بحوزة المتهم الرئيسي في مقتل الشاب على غرامي هيروين، وتبين أنه يتم فرض حد أدنى للحساب في المقهى، خصوصا في أوقات الذروة، مثل مشاهدة المباريات المشفرة، ورغم أن المواطنين يبعثون بآلاف الاستغاثات يوميا عبر وسائل الإعلام، وإلى الجهات المسؤولة عن طريق البريد الإلكترونؤ، فإنه لا يتحرك أحد، وتظل الأمور «محلك سر» إلى أن تفاجأ بكارثة جديدة على غرار الكوارث المتلاحقة على المقاهي، ولا تقتصر مخالفاتها على عدم استخراج التصاريح اللازمة لتشغيلها، وإنما أيضا تسبب ضجيجا، وتسد الطرق طوال الليل، ما يقلق راحة الناس. إن «ضحية الكافيه» لن يكون آخر ضحايا بلطجة أصحاب المقاهي، ولا تكفي الحملة التي قادتها أجهزة الأمن بعد هذه الجريمة، التي تم فيها ضبط أحد عشر مقهى من دون ترخيص.
وعلى المنوال نفسه، ينتقد منصور أبو العزم في «الأهرام» هذا الوضع: «ما حدث مع الشاب محمود بيومي، قتيل «كافيه» منطقة النزهة في مصر الجديدة، تطور طبيعي للغاية لحالة الفوضى وغياب يد الدولة القوية عن إعادة الانضباط إلى الشارع، بعد 5 سنوات من حالة الانفلات الأمني، التي سادت عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وشجعت كل تاجر مستغل، أو صاحب عمل يحاول استغلال الظروف الحالية، والتكسب من ورائها بكل الطرق الممكنة، وانظر إلى ما يحدث في كل أسعار السلع الغذائية التي أصابها الجنون، ودفعت كل تاجر ومنتج وسوبر ماركت، أن يضع الأسعار على هواه، من دون أن يحاسبه أحد، أو يخشى المحاسبة والعقاب».
ليس هناك من يسمع
نبقى مع مأساة قتيل مصر الجديدة، حيث يصرخ وجدي زين الدين رئيس التحرير التنفيذي لـ»الوفد»: «صرخت طوال الأيام الماضية من كوارث المقاهي وقلت إنها ترتكب جرائم بشعة في حق المجتمع، ولم يلتفت أحد إلى كل النداءات التي أطلقتها من هذا المنبر، حتى جاء اليوم الذي سقط فيه قتيل أمام أعين الناس في مصر الجديدة. عندما قلت إن هناك أربع وزارات ترتكب جرائم بشعة في حق الوطن والمواطن، لم يعر الوزراء المعنيون هذه النداءات أو الصرخات أدنى اهتمام. وعلى مدار أسبوع نشرت عدة مقالات موجهة إلى وزارة الإسكان التي تصدر المديريات التابعة لها تراخيص مخالفة للقانون بشأن هذه المقاهي أو «الحوانيت»، بالإضافة إلى وزارة السياحة التي تبارك إنشاء هذه المقاهي بالمخالفة للقانون، والتنمية المحلية التي تترك الفساد للركب داخل الأحياء، ولا تحاسبها على التراخيص المزورة التي تصدر بعد تلقيها رشاوى وخلافه، وأحياناً نسبة من إيراد هذه الحوانيت. وكذلك وزارة البيئة التي ترى حجم التلوث الرهيب من أدخنة الشيشة التي تهاجم السكان في منازلهم. ونضيف إلى ذلك، المحافظات التي تقع فيها هذه المقاهي، التي صمت آذانها أو جعلتها «ودن من طين وأخرى من عجين» أمام هذه المهازل التي تقوم بها الحوانيت بعد كارثة قتيل مصر الجديدة، الذي قضى على حياته بلطجية المقهى، تحركت محافظة القاهرة للقيام بحملة على هذه المقاهي، وقامت بتشميع عدد منها، رغم أن كل هذه المقاهي مخالفة للقانون، إما بترخيص مزور أو بدون هذا الترخيص، كما أن معظم هذه الكافيهات أقيمت في بدرومات العمارات أو الجراجات التابعة لها، والحكومة ترى هذه الكوارث وتصم آذانها عن كل هذه البلاوي».
بلد الكيف
وعن الموضوع نفسه كتب محمود خليل في «الوطن» قائلا: «عقب الحادث البشع، الذي راح ضحيته شاب في العشرينيات من عمره على كافيه «الكيف»، تحركت الأحياء والأجهزة المسؤولة، وقررت إغلاق 57 مقهى و«كافيه» في مصر الجديدة، حيث يقع الكافيه الذي شهد الواقعة البشعة التي حدثت عقب انتهاء مباراة مصر والكاميرون، بخسارة مصر، وتولاها رجل الأعمال الذي يملك الكافيه، ووظف فيها صبيه الملقب بـ«فزاع» ليودي بحياة الشاب بين أصدقائه وأمام خطيبته. كالعادة الأجهزة تحركت عقب خراب مالطة، فماذا يفيد كل هذا بعد أن ضاع الشاب؟ بإمكانك أن تقول لي إن إغلاق هذه المقاهي سيمنع سقوط ضحايا جدد، وبكل أسف أقول لك إن هذا لن يحدث، لأن أسهل شيء في مصر أن «تعود ريما إلى عادتها القديمة».
لقد تم إغلاق مقهى «الكيف» مع عدد من المقاهي والكافيهات الأخرى، وتحركت قيادات ولودرات وحملات، لإزالة المخالفات، لكن علينا ألا نتأمل أن يدوم هذا الوضع طويلاً، فكل شيء في هذا البلد يحكمه الظرف، وما أسرع ما يبرد كل شيء، ليعود إلى ما كان عليه، فتفتح الكافيهات والمقاهي المغلقة أبوابها، وتعود إشغالات الطريق إلى «الطريق»، فكل شيء في هذا البلد، وله حل، سواء كان حلاً مشروعاً أو حلاً غير مشروع، وغير المشروع في الواقع المعيش أصبح هو الطريق الأيسر والأسهل لتحقيق وإنفاذ إرادة من يملك، والقاعدة المصرية تقول: «فتّح عينك تاكل ملبن». وأصحاب الكافيتريات والكافيهات والمقاهي أكثر ناس «عندهم نظر». نصيحتى لك أن تتابع تطور واقعة قتل محمود بيومي، لتعرف كيف تبرد، وتنتهي أكثر القضايا سخونة فى هذا البلد.. بالمناسبة دعني أقل لك هذا الخبر: «تم إخلاء سبيل الضابط المتهم بتعذيب المواطن مجدي مكين حتى الموت يوم الثلاثاء الماضي بكفالة 5000 جنيه».
ليست حلاً
يروج البعض أيضا لأكذوبة تقول إن العسكريين يتدخلون في السياسة في كل مكان، ويتم الترويج لهذا الأمر لتبرير سيطرة العسكريين ليس فقط على السلطة، وإنما على قطاعات الدولة المدنية في التعليم والصحة والزراعة والري والصناعة والمحليات والسياحة والرياضة والصرف الصحي، الحقيقة ليست بهذه البساطة، وهناك حالات ثلاث رئيسية على الأقل يشير إليها عبد الفتاح ماضي في «مصر العربية»: «الحالة الأولى تقوم العلاقة بين المؤسسات العسكرية والأمنية من جهة، والمؤسسات السياسية المنتخبة في الدولة الديمقراطية المعاصرة على أساس خضوع الأولى للثانية. فالشعب، صاحب السيادة ومصدر السلطة، هو الذي ينتخب المؤسسات السياسية، التي تقوم بدورها بإنشاء كافة مؤسسات وهيئات الدولة غير السياسية وغير المنتخبة، ومراقبتها، ومحاسبتها بطرق تختلف باختلاف طبيعة النظام السياسي ذاته وأبرز المؤسسات غير السياسية وغير المنتخبة هي المؤسسات العسكرية والأمنية والمخابراتية والمؤسسة القضائية وكافة الأجهزة الرقابية والجهاز الإداري للدولة، وهذه الدول لم تصل إلى هذا الوضع إلا بعد مواجهة تحديات ضخمة وفي ظل تحول تاريخي ممتد، استهدف إقامة نظم حكم ديمقراطية وإقامة جيوش قوية في الوقت نفسه. ولم ينته هذا التحول فالنظم السياسية في تحول دائم لتحسين المؤسسات ومعالجة المشكلات، بحكم طبيعة هذه النظم وبحكم تغير السياقات، أي لا ينظر إلى هذا الوضع باللونين الأبيض والأسود، فالجيوش في كل دول العالم لها قدر من النفوذ يختلف باختلاف النظم السياسية. لكن وبشكل عام كلما كان النظام السياسي مستقرا وكانت المؤسسات المدنية قوية، وكان هناك خبراء مدنيون في الشؤون الأمنية والعسكرية، كانت المؤسسات العسكرية أكثر خضوعا للسلطة المدنية المنتخبة وأكثر بعدا عن التدخل في السياسة».
هل يعتذر البرادعي؟
نتحول نحو مزيد من المعارك الصحافية وجاء الدور على حمدي رزق في «المصري اليوم»: «قال الدكتور محمد البرادعي في مطولاته الحوارية على قناة «العربي»: الثورة لم تحكم، ونشهد غياب الحرية، فالشباب في السجون نتيجة قوانين قمعية، وأعرف بعض الأشخاص بشكل شخصي ممن اختفوا قسريًا، فليبين لنا الدكتور محمد البرادعي ماهية الأسماء المختفية قسرياً. واجب عليه، وواجب علينا أن نسأل معه عن مصير هذه الأسماء، فقط يعلنها ويعلن ظروف اختفائها طالما يعرفها بشكل شخصي، أما إطلاق مثل هذه التهم الخطيرة جزافاً فقط لتوسيخ وجه النظام فهذا لا يخدم قضية حقوقية وإنسانية يدعيها، بل يخدّم على نفسه باعتباره راعي الحقوق المدنية. لماذا الوقوف على مقولة الدكتور البرادعي، ومثل هذه المقولات تقول بها منابر إخوانية شتى، لأن البرادعي ليس شخصاً عادياً، كما أنه مصنف مناهضاً للنظام، فضلاً عن كونه يحظى بالتفاف نفر من الشباب، لايزالون يرونه أيقونة الحرية، فإذا قال بقول فعليه أن يمتّنه بأسماء، وطالما يعرف الحالات بشكل شخصي، فلماذا لا يعلنها على الملأ، أقله نسأل الأجهزة الأمنية معه عن مصير هؤلاء، لأن القضية هنا ليست البرادعي الذي يظهر في قناة إخوانية، بل هؤلاء المختفون قسرياً، كما يزعم إذا أعلنها صدق في زعمه، وعلى الأجهزة الأمنية أن تجيب عن السؤال وبالأسماء بشفافية كاملة كما ردت سابقاً وأجابت عن بلاغات وصلتها من المجلس القومي لحقوق الإنسان، وإذا لم يعلنها وأطلقها هكذا بلا أسماء في الفضاء العام، ونقل عن منابر إخوانية كعادته أسماء إرهابيين مختفين، وذهب وراء الأسماء المطلوقة في الفضاء من قبل منابر حقوقية ممسوسة إخوانياً، وبعض هذه الأسماء ثبت ظهورها بعد الاختفاء المزعوم في صفوف «داعش» فعليه أن يعتذر».
الرقابة تقاتل وحدها
«ما تقوم به الرقابة الإدارية خلال الفترة الماضية بقيادة اللواء محمد عرفان من كشف وقائع فساد وإهمال في أجهزة وهيئات ومؤسسات الدولة يؤكد أن هناك حاجة إلى دعم الهيئة، ويؤكد الحاجة إلى توحيد جهود الأجهزة الرقابية في مصر، فالرقابة بحسب عادل السنهوري في «اليوم السابع» تحتاج إلى جهود جبارة لكشف الفساد والقضاء على الإهمال، فعلى سبيل المثال ما أعلنته الرقابة من وجود إهمال وتسيب في 46 مستشفى حكوميا، هو جزء بسيط من إهمال وفساد منظومة الصحة في مصر، فهناك حوالى 960 مستشفى ووحدة صحية في مصر تحتاج إلى جيش جرار من الرقابة، وهو ما يؤكد الدعوة التي ناديت بها منذ فترة هنا بضرورة توحيد الأجهزة الرقابية أو التنسيق العالي بينها، لأن الفساد ينفذ من خلال التضارب في الاختصاصات بين أجهزة الرقابة المختلفة في مصر. واقع الحال يقول إن لدينا أجهزة رقابية عتيقة وعريقة ومتعددة، ومع ذلك، فالفساد بأنواعه مستشرٍ ومنتشر في كل مؤسسات الدولة، وبسببه يتأخر ترتيب مصر إلى مراكز متأخرة في تقارير المؤسسات الدولية المعنية بالشفافية والفساد، فهناك 36 جهازًا رقابيًا غير الأجهزة الرئيسية الكبرى، وجميعها تستهدف محاربة ومكافحة الفساد، ورغم المجهودات الكبيرة التي تقوم بها الرقابة الإدارية خلال الفترة الأخيرة التي نعتبرها نقطة مضيئة في الجهاز الإداري، إلا أنه يبدو أن الفساد انتصر على غالبية هذه الأجهزة تشخيص المرض هو الخطوة الأولى للعلاج.. وطالما هناك إرادة سياسية واضحة لمكافحة ومواجهة الفساد، فهناك خطوات واشتراطات ضرورية لتقوية مناعة الجهاز الرقابي بأشكاله المتعددة في مصر».
توأم
«الذين يتساءلون عن سر هذا التوافق المبكر بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب لابد أن يدركوا أن هناك قاعدة أساسية في العلاقات الدولية، تحتم على القادة والزعماء، وفقاً لمرسي عطا الله في «الأهرام» مهما تباينت أفكارهم وتوجهاتهم ــ أن يقرأوا الأخطار المشتركة قبل استفحالها، ومن ثم فإنه في مواجهة مثل هذه الأخطار لابد أن تتوحد صفوف المستهدفين، فما بالنا وخطر الإرهاب بات خطرا عالميا يصعب التصدي له برؤى وإجراءات فردية.. وهذا هو ما أفرز كيمياء التفاهم بين السيسي وترامب، لكى يقولا للجميع إننا سنمضي في محاربة الإرهاب «يدا بيد» وإن أيدينا ممدودة لكل من يريد أن يتشارك معنا في تلك المهمة، التي تمثل حلما مشروعا للبشرية كلها. يدرك السيسي وترامب أن ظاهرة الإرهاب تحتم على المجتمع الدولي أن يخوض حربا مشتركة ضد أشباح يصعب على أي دولة بمفردها أن تتوقع حركتها مسبقا، أو من أين ستأتي الضربة وإلى من ستوجه ومتى وكيف. ولهذا فإن من مصلحة الجميع عدم التخلف عن الرؤية المشتركة للسيسي وترامب ــ وهي بالمناسبة ليست بعيدة عن رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ــ في ضرورة الإسراع لحشد المجتمع الدولي ضد الإرهاب عبر اتفاقات جماعية وثنائية تسمح بحرية الحركة عبر الحدود وملاحقة هذه التنظيمات وعدم منحها ملاذات آمنة، وليس سرا أن دولا كثيرة في مقدمتها مصر والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا باتت مؤمنة بضرورة صياغة مفاهيم قانونية دولية جديدة تيسر التعامل مع ظاهرة الإرهاب، وإذا قدر لكيمياء التفاهم بين السيسي وترامب أن تجد طريقها الصحيح في بناء تحالف دولي يخلص العالم من آفة الإرهاب في أقرب وقت ممكن فإن أمورا كثيرة سوف يتم حلها وتؤدي إلى اقتناع ترامب بضرورة العودة عن شمولية قراراته الصادمة».
خط أحمر
«فجأة انتفضت الميليشيات الإعلامية الموالية للسلطة ضد الأزهر وهيئة كبار العلماء لمجرد أنها رأت ما لم تره رئاسة الجمهورية في قضية حجية الطلاق الشفهي. الطريف واللافت للنظركما يشير اشرف البربري في «الشروق» مجددا أن كتابات وأقوال أفراد هذه المليشيات، على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم، استخدمت تقريبا المفردات والعبارات نفسها في الهجوم على الأزهر و«كبار العلماء»، وانطلقوا جميعا من عبارة واحدة وردت في بيان هيئة كبار العلماء تقول: «فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم» لمهاجمة الأزهر والتحريض عليه، بدعوى أن «كبار العلماء» بهذه العبارة ارتكبوا خطيئة لا تغتفر وخلطوا الدين بالسياسة. كما اتفق أفراد هذه المليشيا باختلاف لغتهم، على أكذوبة أن الأزهر الشريف تجاوز دوره عندما تحدث عما يعانيه الناس من نتائج السياسات الاقتصادية التي رفعت معدلات الفقر وهوت بقيمة الجنيه إلى أسفل سافلين، وقالوا إن هذا ليس دور الأزهر، وإنه يسعى إلى لعب دور سياسي، مع أن النظام الحاكم الحالي هو الذي استدعى الأزهر ومعه الكنيسة وأقحمهما في قلب المشهد السياسي، عندما حرص على وجود الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب والبابا تواضروس في الصورة التذكارية المرافقة لإعلان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، فهل كانا موجودين لكي تحل البركة على المؤتمر الصحافي بعيدا عن السياسة؟ بيان هيئة كبار العلماء لم يحمل أي تجاوز ولا خروج عن دور الأزهر، ولا عن حدود النقاش الجاد للمشكلة التي طرحها الرئيس عبدالفتاح السيسي المتعلقة بارتفاع معدلات الطلاق. من يقل إنه ليس من حق الأزهر أو رجل الدين أن يدلي بدلوه في قضايا المجتمع بعيدا عن المنظور الديني، هو شخص أفاك لأنه لا يقول ذلك إلا عندما يأتي الكلام على خلاف ما تهوى السلطة.
تطاول في غير محله
ومن معارك امس الصحافية ضد رئيس تحرير «الدستور» تلك التي شنها الساخر محمد حلمي في «المصريون»: الباز أفندي.. وكمان الباز أفندي..وأنا وانت.. هو الدكتور محمد الباز الذي مازال يلهث طمعا في مكانة رفيعة لدى القيادة السياسية، لكنه لم ينل سوى «عَظْمة» ألقيت له أخيرا في جريدة «الدستور». الباز معروف عنه أن لديه مشاكل مع الديانتين المسيحية والإسلامية، تدل عليها مواقفه العديدة السابقة التي هاجم فيها القساوسة والمشايخ بوقاحة منقطعة النظير. آخر معزوفة له بالطبلة كانت موجهة ضد فضيلة الإمام الطيب شيخ الأزهر، جاء هجومه بعد جملة قالها الرئيس السيسي في إحدى خطبه مؤخرا إذ قال «انت تعبتني يا فضيلة الإمام»، فالتقطها الباز أفندي ليسجل قصب السبق على مضمار التطبيل ويهاجم فضيلة الإمام. الباز أفندي كتب مقالا قصير النظر طويل اللسان مهاجما الشيخ.. قال إنه أقحم نفسه في العمل السياسي (خذ بالك هو اتهام معارضي النظام نفسه للشيخ) وانحاز لقناعات لم تكن في المصلحة العليا للبلاد وأضفى حمايته على من يعرف جيدا أنهم يدعمون جماعة الإخوان ويرتعون في مكتبه، وبدلا من أن يستجيب لدعوات تجديد الخطاب الديني واصل عمله في وضع القيود أمام هذه الدعوة، وإذ ادعى هو أو بعض من رجاله أنهم يجددون الخطاب بالفعل، فسنقول له ــ والكلام مازال للباز ــ أن تجديد الخطاب من منظوره ورؤيته البعيدة عن السياق العام في مصر الآن.. لا قيمة له.. انتهى كلام الباز أفندي. لكن للأمانة القول إن اصدق ما قاله الباز أن تجديد الخطاب من منظور ورؤية فضيلة الإمام ورجال الأزهر لا قيمة لهما لانهما بعيدان عن السياق العام في مصر الآن».
حسام عبد البصير