اقترابا من التجربة التنظيرية، والتطبيقية للأكاديمي عبد اللطيف محفوظ السيميائية، أشرف أحمد يوسف على تنسيق، وتقديم كتاب يحمل عنوان»السيميائيات التداولية بنياتها وحدودها: دراسات في مشروع عبد اللطيف محفوظ السيميائي» الصادر حديثا في طبعته الأولى 2016 عن دار كنوز للمعرفة والنشر والتوزيع في عمان- الأردن.
ويتضمن هذا الكتاب مقاربات دقيقة لمسار عبد اللطيف محفوظ الذي راكم منجزا نوعيا في مجال الدراسات النقدية الأدبية والجمالية تعميما، والدراسات السيميائية تخصيصا، مما يجعلها تجربة مؤهلة، من وجوه عدة، للتأمل والمعاينة والمدارسة. ومن أبرز سمات هذه التجربة النقدية أنها ذات نزوع أكاديمي ينماز بالرصانة العلمية في التمثل النظري مع القدرة على استيعاب التفكير المجرد، والفحص الدقيق للمفاهيم، والاصطناع الحسن للجهاز الاصطلاحي؛ كما أن هذه التجربة راهنت، منذ مبتدأها، على مباشرة النصوص السردية والانصراف إلى التطبيق والتركيز على قضايا نقدية محددة، مثل وظيفة الوصف، والبناء والدلالة، وآليات إنتاج النص. وهي بذلك تجمع بين النظرية والتطبيق.
ويروم كتاب «السيميائيات التداولية بنياتها وحدودها دراسات في مشروع عبد اللطيف محفوظ السيميائي» الاقتراب من مشروع طموح راهن من خلاله عبد اللطيف محفوظ على الإسهام النوعي، سواء على مستوى التثقيف أم على مستوى الطرح أم على مستوى التطبيق. وقد شكل كتاب عبد اللطيف محفوظ الأول «وظيفة الوصف في الرواية» نصا نقديا واعدا يحمل في طياته رؤية نسقية حظيت بتأطير محمد برادة الناقد والأديب، الذي كانت له بصمته الواضحة على جيل عبد اللطيف محفوظ برمته. وفي بداية الألفية الثالثة سيدشن مرحلة جديدة في البحث السيميائي في دراسته لتجربة نجيب محفوظ السردية، وضمن عمل أكاديمي بتوجيه من محمد مفتاح بعنوان «آليات إنتاج النص الروائي- تجربة نجيب محفوظ نموذجا»، ومن هذه البحوث تفرعت دراسات عديدة يمكن إجمالها في: وظيفة الوصف في الرواية؛ البناء والدلالة في الرواية؛ صيغ التمظهر الروائي؛ المعنى وفرضيات الإنتاج؛ سيميائيات التظهير؛ وآليات إنتاج النص (نحو تصور سيميائي). ويؤكد أحمد يوسف في مقدمة هذا الكتاب على أن الأعمال السالفة الذكر انبثقت ضمن سياق تثاقفي تفاعلت فيه تيارات نقدية كبرى. منها: البنيوية والشعريات والسيميائيات والسرديات والتداوليات. وهذا التدرج طبيعي ينم عن وعي منهجي بالأسس الإبستيمولوجية والفلسفية لهذه النظريات النقدية وشروطها السوسيوثقافية التي تجمعها رؤية نسقية تؤمن بضرورة التركيب لاستيعاب آليات الإنتاج النصي. ومن اللافت أن عبد اللطيف محفوظ أدرك العناء منذ الابتداء، في أن الوصول إلى المعنى وآليات الإنتاج النصي يقتضي الوعي المسبق بإكراهات النظريات النقدية، ومسألة التركيب بين المكونات المنهجية المختلفة؛ ولهذا لم يبق سجين اتجاه سيميائي بعينه؛ ولم تستهوه السيميائيات السردية على أهمية مسعاها، وإنما يمم وجهه قِبَل المدرسة السيميائية الأمريكية، ووجد في التأويل البورسي تخلصًا حسنًا من التطبيق «الميكانيكي» للسيميائيات السردية التي ذاعت في الساحة النقدية العربية، وكانت لها أشياع كثر.
لقد وجد عبد اللطيف ضالته في ثراء فلسفة بورس ومنوالها السيميائي ونزوعها التأويلي للتخلص من شكلانية مدرسة باريس وصورنتها البنيوية التي لا تؤمن بتعدد المعنى، ولا تولي أهمية للمرجع. ومن الواضح أن محفوظً لم يتخلص من اتجاه لينتقل إلى سجن اتجاه آخر؛ وإنما ظل مخلصا للسرديات؛ ولكنه كان يغير الآليات في تحليله للنصوص السردية، محتفظا بمساءلته لمكوناتها الأيديولوجية وأنساقها الرمزية؛ وبذلك يكون محفوظ واعيًا باختياراته المنهجية ورؤيته النقدية. وهو على هذا النحو انتقل من سيميائيات الدليل إلى سيميائيات الخطاب تعميما والروائي تخصيصا لمدارسة الإيديولوجيا والأحاسيس التي ستنتبه إليها سيميائيات الأهواء. كما أنه أفاد من السيميائيات النصية في وقوفه على مستويات النص النحوية والتفاعلية والحجاجية في صورها البلاغية.
لم يكتف محفوظ بتمثل الخلفيات المعرفية للنظرية السيميائية تمثلا حسنا؛ وإنما طفق يجترح لنفسه مفاتيح جديدة في فهم النصوص وتحليلها، كما نقف على ذلك في عالم نجيب محفوظ السردي، فكانت سيميائيات التظهير لديه تتغيا البحث في الدلالة بوصفها نتاج نشاط إنساني واع بتعدد التجارب وغناها. وهذا التعدد حامل للممكنات التي تستدعي الكفاية التأويلية التي تعي أبعاد الدلالة ومناحيها المختلفة وأنساقها الرمزية. إن فقه التعدد الدلالي ساعد محفوظ على عدم الاحتفاظ بمفتاح سيميائي وحيد، والوقوع في أسر نظرية بعينها؛ من أجل الوقوف على السيرورات المتحكمة في إنتاج المعنى.
وفضلا عن التقديم الرصين والدال لهذه التجربة الذي أنجزه أحمد يوسف، ضم الكتاب مقاربة عبد الواحد المرابط لهذا الجهد النقدي تحت عنوان: «المشاريع السيميائية في النقد المغربي المعاصر- نموذج عبد اللطيف محفوظ» ووسم إسماعيل شكري مساهمته بعنوان: «معمار الذكاء الروائي: أنساق الدلالة ووظائف التأويل: دراسة في التجربة النقدية لعبد اللطيف محفوظ».
واختار أحمد الصادقي أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس عنوانا دالا لمساهمته «مقدمات فلسفية من أجل قراءة المشروع النقدي لعبد اللطيف محفوظ «آليات إنتاج النص.. نموذجا»؛ و«نحو نموذج سيميائي للنص الروائي: قراءة في آليات إنتاج النص لعبد اللطيف محفوظ»، هو عنوان المساهمة النقدية لمحمد بوعزة في هذا الكتاب الذي يضم في الوقت نفسه مقاربة أخرى بعنوان: «سيميائيات التظهير» للناقد عبد اللطيف محفوظ: نحو وعي قرائي جديد لمقاربة النص الروائي لعبد الله بريمي. و»سيميائيات التظهير صياغة بديلة لمستوى التلقي» هو عنوان المساهمة الدالة لميلود عثماني، واختار إدريس الخضراوي عنوان: «المقاربة السيميائية للمعنى في الرواية من خلال كتاب المعنى وفرضيات الإنتاج». أما سعاد مسكين فقد قاربت مشروع عبد اللطيف محفوظ السيميائي من خلال «التمظهر الروائي: من دراسة الخطاب إلى صياغة وعي جديد بالنقد السردي».
كاتب مغربي
عبد السلام دخان